
رواية الثقب الروحي للكاتب مالك مجباس
رؤية فلسلفية واقعية خيالية – زهراء حسين العراقي
أكثر ما يجذب المتطلع إلى هذا الكتاب هو عنوانه الغامض، فأول تساؤل يخطر في البال: ما معنى الثقب الروحي؟
نجد أول الإجابات في الصفحة 7 ما نصه: (الثقب الروحي: نافذة الخلاص، مسكن الروح الأزلي، كوة في الجدار الذي يفصل العوالم، طريق يخترق الحدود ويوصل المنقطعات، لا تحكمه شروط الزمكان، وتتوحد عنده جميع المظاهر المتكاثرة. هو السبيل الذي يحمل صيرورة الكون المتغيرة، لكنه ساكن، ثابت، ومن هنا تأتي عظمته؛ فهو البساط الخفي الذي يحملنا إلى الطاقة الكونية الخيّرة، إلى الحقيقة المطلقة. هو الامتداد بلا نهاية، هو البداية، هو النهاية والعودة، الذي يكسر ثنائية الكون، لكنه دائم البياض، يحيا بالنقاء والبهاء الحي الصافي.)
وهذا جواب غامض لا نقدر على فهمه إلا بعد إكمال الرواية، لكنه يعطينا إشارة جيدة وتوضيح مقبول لتفكيك رطانة العنوان على أقل تقدير.
# أهمية الرواية:
أعتقد أن أهمية الكتاب تأتي بالدرجة الأساس من خلال الموضوعات التي يناقشها سواء كانت في فتح ملفات مدينة الموصل وما حصل فيها من إرهاب إبان فترة احتلالها من قبل داعش… فضلاً عن كشف حساب لما حصل في العراق منذ فترة نظام البعث وصدام إلى الاحتلال والسقوط ثم التدهور الكبير مع تجربة السياسيين الجدد كما اسمتهم الرواية، وصولاً إلى 2014 وما جرى حتى سنة 2016 والتي تعد الزمن الفعلي للأحداث.
الشيء الآخر الذي يجعلها مهمة كونها كُتبت بطريقة سرد مختلفة تتطلب فطنة ووعي لكشف بواطن ما ورد فيها من كم كبير من المعلومات الفلسفية، الفنية، الأدبية، التاريخية والجغرافية… ناقشت المحرمات بجرأة كبيرة وحاولت هداية القارئ إلى ما يمكن له أن يفتح نوافذ التنوير التي من شأنها المساهمة في التغيير الحقيقي الذي نطمح إليه بوصفنا من دعاة العلمانية أو التحرر…
حاولت بحث موضوع الإرهاب الديني والسياسي الذي عانينا منه كثيراً سواء في الوقت الراهن أو في العصور المنصرمة.
كشفت محاولات رجال الدين باستغلال كل شيء بلا رحمة، استغلال اسم الرب في الحصول على ملذاتهم واشباع رغباتهم، استغال النساء بأبشع شكل من خلال الزيجات الدينية التي يعدونها مقدسة (كما في الفصل 14ـ الذي اعتبره من أخطر وأهم فصول الرواية).
تحدثت عن فكرة العود الابدي بطريقة مختلفة، ونحتت لنا مصطلح “العود المعاش” الذي نجد تفسيره في صفحة 9 و 443 فضلاً عن التطبيق السردي لهذه الفكرة كما في حكاية ميرنا إلياس، أناهيتا الأفغانية، داليا الفيلسوفة أو زينب، وحتى منقذ وهيد…
# الشكل العام:
تبنى الرواية على شكل مضلع متعدد الاوجه، تشكل شخصية بطل الرواية (منقذ) مع المرأة (هيد) الرابط الأساس فيه أو قاعدته المشتركة، حيث يتجسد منقذ بثلاثة أنماط مختلفة لشخصيته من حيث الزمن والمكان لكنها ترتبط بتوصيلات وعلاقات سواء موجودة في وقت الحدث أو على شكل ذكريات نستطيع معرفتها من خلال سير الأحداث…
تبدأ الرواية باقتباس من أقوال المجنون والذي هو يشكل القرين المرافق لدكتور منقذ (الطبيب الجراح ومشرح الجثث)، حيث يقول: {احرقوا هذه الملفات ما إنْ حصلتم عليها؛ فلا داعي لقراءة كل هذا الهذيان الحكيم، الذي لا يلائم ذوي الأجساد المُترفة والعقول المركونة بعيدًا عن جعجعة الشك وأوجاع نيرانه المزعجة، ولا نفع من التخبط بين مس الشياطين الذين يثيرون البلبلة والريبة في صدور المؤمنين!}. وهذا يعد تحذير للقارئ لما في الكتاب من مواضيع حساسة ربما تقلب المعتقدات السائدة وتعاكس ما يؤمن به؛ فكانت دعوة للقراءة لكن بطريقة المنع!! وربما-بحسب رأيي الذي ربما يكون غير صحيح-لا تخلو من الجانب الترويجي وهذا شيء طبيعي إذا أخذناه من باب التسويق للكتاب وكيفية إيصاله للمتلقي.
الفصل الأول رقم :- (1) ولا أعرف لماذا أختار الكاتب ترقيم الفصول بدءاً من-1 ثم0 ثم (1،2……. ألخ)،
في هذا الفصل الذي هو عبارة عن صفحة واحدة، نستطيع أن نكتشف الخط العام الذي سيأتي في الفصول اللاحقة. يقول: (كانتْ روحي واحدة، ذاتي واحدة، وبعد الانفجار العظيم صرتُ شظايا ممزقة مُتناثرة، صرتُ عدة ذوات منتشرة في جهاتٍ مختلفة، ذوات تربطها توصيلةٌ واحدة، حبلٌ سرمدي واحد، وشراعٌ مبحرٌ واحد. ظلت ذواتي ترسم ماندالاتها علّها تعود وتتحدد، لكن عبثًا فهذا غير ممكن ولا يلائم شروط الوجود وحدوده. فكان لا بُدّ من حمل المطرقة وخلْق العودة من خلال الانسلاخ عن الواقع وقواعده. وها أنا ذا أعيد كوابيسَ أجزائي وأشلائي في محاولاتِ حنينها إلى منبعها الأم، مستميتًا من أجلِ تمريرِ تعويذةِ خلاصي الأخير).
ثم يخبرنا أن هذا مجرد كابوس: (لاحظي أن هذا كابوس رومنطيقي، فيه ما يكفي لِحملي على نزعِ القناعِ الأول والبوح بمتعةِ الاعتراف الطهراني بين يديكِ.)
# الفصول في استراليا أعطت الكتاب زخماً وتنوعاً مهماً ومنعت الرتابة والسرد الممل، ونجح فيها الكاتب في وصف بعض الفضاءات والأماكن، وتحليل الحالات النفسية والسلوك البشري في مقابل الجنس والعنف ودوافع القوة كما في حكاية ميرنا إلياس.
# الفصول في الموصل دافعت عن المدينة المنكوبة بشكل جيد وبينت ما عاناه الموصليون خلال فترة داعش وحتى ما قبلها… تتحدث عن منقذ الشاب الميساني الذي يدرس في كلية الآداب جامعة الموصل/ قسم اللغة الإنكليزية، متزوج من هيد الفتاة الموصلية… (لا أريد سرد الأحداث حتى ما أحرق متعة التشويق على القارئ)
# الفصول ميسان كانت رحلة عميقة وربما متطرفة الصراحة في الذات البشرية وعوالم النفس وبواطنها الغامضة… ربما يلاحظ القارئ بعض الاستطراد وشيء من الترهل في هذه الفصول خاصة الأولى منها، لكني وجدتها مهمة جدًا خاصة أنها تناسب ما أبحث عنه من كتابات تأخذ من علم النفس والفلسفة باباً للأدب وتحليل التصرفات البشرية، لذا أن هذه الفصول تتطلب بعض الصبر من أجل استيعابها وإدراك خطتها السرية.
# من موضوعاتها:
رواية فلسفية، واقعية-خيالية، تأخذ من الواقع أدواتها لتخلق عوالم مختلفة فيها كثير من المفاجآت على مستوى اللغة أو السرد وتقنياته ورسم ملامح الشخصيات ومحاولة فهم السلوك البشري.
محاولة نفي فكرة المنتظر الميثيولوجي المخلص. (ولو أن هذا الموضوع غير واضح تماماً لكني اجتهدت في رأيي وتوقعت أن الكاتب يريد من ماوراء بعض الفصول قول ذلك) وهذا موضوع مهم في الشروع بتحرير التفكير من الرجعية والتمسك بما وصل إلينا من اساطير الأولين.
# اللغة والتصميم الداخلي:
اللغة كانت جيدة ومتماسكة، فيها مقاطع آسرة وأخرى جيدة وأخرى يشوبها بعض الضعف حسب ما رأيته وهذا شيء طبيعي نجده في أعظم الأعمال الأدبية أو سائر الأعمال الإنسانية كوننا لا نملك الكمال لكن بإمكاننا أن نخلق شيء من الجمال النسبي… استطاع أن يتحرر من الافاق الضيقة في كثير من المواضع ليجعل من الكلمات أدوات طيعة يوصل بها ما يريد بشكل جيد. هنالك بعض الأخطاء في التصميم الداخلي كما في ترتيب الاقواس الخاصة بالحوارات. كان على المصمم الانتباه إليها.ما نجح فيه الكاتب هو خلق عوالم جديدة وسار بنا إلى مناطق سردية مختلفة، ربما أتخذ لكتابه مكاناً آخر فيه تميز واضح عما ألفناه في السرد العراقي، لكنه لم يصل إلى بلورة الأسباب التي أدت إلى ما حصل مثلاً في مدينة الموصل وما ساد فيها من إرهاب، كان عليه أن يتخذ خطوات أكثر حتى يأخذنا إلى كشف المستور في خبايا الإرهابيين بدل الاكتفاء بما نعرفه جميعنا من خلال نشرات الأخبار أو ما ينقله الشهود. لكني أعتقد أن اشتغالات الكاتب كانت في موضع آخر وزاوية نظره للأمر كانت مختلفة عما نريده منه الآن، ربما هذا السبب الذي دعاه إلى عدم الخوض في الأعماق الإرهابية بيد أنه تحدث كثيراً عن العنف والعنف الديني والمقدس والقهر الاجتماعي للبشر.
# بعض الاقتباسات منها:
(في مقابلِ هذا السيل البائس للوجود، لا شيء يمكنكم فعله، لا تملكون أي أداةٍ للمقاومة إلا بالهروب).
(قولي لي يا مليكة الموضع الذي تشرق فيه الشمس، أيتها الساطعة المنيرة واللامعة، ما الذي أنزلنا إلى الأرض التي لا عودة منها؟)
(إنّه ليس هو الحقيقي، إنّه نصف أناه؛ فنصفه الآخر قد مات قبل قرون)
(سئمتُ المواقف والآراء، الحكايات وغسيل الحظ. أنا عاجزٌ تمامًا، لا أملك رغبة في الكد سعيًا وراء عظمة عميقًا في قذارة الأيام).
(سأحدثك عن الحروب الطائفية مرة أخرى، عن الموت الذي يوزع حسب الهويات، عن الكوابيس اللعينة التي تحتسي نخب الخيبة الدموي الذي شربناه عنوةً، عن كل شيء مات ورحل عنا. زمننا الذي غاب وأعمارنا الفارغة الخاسرة. ما أفكر فيه الآن، في هذه اللحظة، أن أكثر مواقف الحياة جدية هي الأكثر تفاهة وطفولية حمقاء، هي الأكثر عبثية، ولا تفرق عن أي موقف آخر، أو كما قلت لي ذات يوم: جرائم القتل، الفن، الفلسفة، التبرز، الأكل، القراءة، إطلاق الريح، الضحك، البكاء، الحزن، الفرح، السعادة، المشقة، التعب، الراحة، وكل شيء أو قيمة أخرى، ما هي إلا محضّ لعبة حقيرة. هذه هي الحياة وحتى إذا كانت في مكانٍ آخر فإنها لا تفرق كثيرًا.)
(كلنا ذاهبون إلى النهاية، إلى حافة نهاية العالم الحادة، يا لنا من بُلْه! نعيش حياتنا رغم كل الخسارات المفجعة التي تستمر معنا مُذ أول لحظة حياتية حتى التبخر الوجودي، نستمر رغم كل السرقات التي تتعرض لها أعمارنا البائسة ـــ الزائفة، نسير بصمتٍ مثل دمى مسلوبة الأرواح، ندنو من وقت الرحيل والوداع مكررين تفاهات يومياتنا اللا متناهية، وكأنّنا لا ندري ما الذي ضيعناه من هذا العالم الكئيب، نجر أنفاس آهاتنا ونلعن الزمن!)
(أمن المجدي حقًّا أن نتحول إلى عيون ـــ كما كل الذي يحيطنا ـــ نراقب الآخرين ونفضح خصوصياتهم؟ ومن أعطانا هذا الحق يا أنتَ؟ ومن منا بلا خطيئة؟! كُلّنا خراف تائهة وضالة.)(اختبأوا جميعًا، لا ترفعوا رؤوسكم، لا يغرنكم عواء الذئاب فتظنونه تغريد بلابل أو زقزقة عصافير، لا يغرنكم المطر فهذه دموع الأيتام والثكالى، لا تنسوا، نحن في زمن الفجيعة)
(أنا ظلال شيطان ليس إلا.)
(كُلّي أسف على ما ضاع من عمري هباءً منثورًا، لم أفق إلا وعمري قد اضمحل، سارت الأيام أسرع ممّا يمكن، ما كنتُ أعرف أنها ستمضي على هذا الحال، تسربتْ مثل هواء صامت. يا للورطة! لا تدرك إلا وأنتَ في لحظة نهايتك دون أن تشعر ماذا فعلت؟ كيف عشتها؟ متى تبخرت أيام عمرك؟ لا تعرف. ستموت الآن)
# الرواية جديرة بالقراءة كونها عمل أدبي فخم ومهم في موضوعاته وتستحق أن يسلط الضوء عليها ودراستها لما فيها من تنوع فني وثقافي واسع..
{ عنوان الكتاب : الثقب الروحي
الكاتب: مالك مجباس
الناشر: سطور
عدد الصفحات: 448 من القطع المتوسط.
عدد الفصول: 43























