دراسة مقارنة في ثلاث روايات .. صراع بين كآبة المكان القسري والعامل الإنساني

دراسة مقارنة في ثلاث روايات ..  صراع بين كآبة المكان القسري والعامل الإنساني

 محمد يونس

بداية في علاقتنا مع هذا الاصطلاح الذي قليل التعريف به، أو ليس هناك مساحة واسعة في الممارسة الكتابية في الحقل النقدي، ويشكل هذا المصطلح اتجاهات قد تتوافق نسبيا، فهو بدءاً يمثل وجها معاكسا لمصطلح اليوتيبيا، وعلاقته المباشرة بمكان يمثل بعده المضموني، وبعد المكان الذي يسمى دسيوتيبياً، الذي يقصد منه المكان المعتم والمغرب بالكآبة والقهر، ويشكل أيضا فقدان العامل الإنساني أحد وجوهه، وفي علاقته مع النص الأدبي، لابد من بعد موضوعي، فليس أي مكان يمثل هذا البعد، وإنما مكان فيه مواصفات توافقية كليا، وفي إطار الرواية والتي هي أقرب النص إلى المكان المشهود والواقعي، وقد وجدنا توافقا تاما في جهتين واختلاف في جهة اخرى، فتتوافق رواية (أيام كنا نحتال على الأشياء)، من جهة كونها رواية مكان أساسا، وأيضا يشكل المكان واقعا توافقيا مع مضمون البعد، وأيضا من جهة مقابلة كانت رواية (ذكريات معتقة باليوريا) حيث تمثل مكانا أكثر قلقا حيث يغيب أي إشارة له أو دلالة، وهنا هو يضيف إلى التوافق مع البعد، معاني أخرى في البعد النفسي، وفي المقارنة بين الروايتين كانت هناك نتائج مستجدة، توسع فهمنا لهذا المصطلح وتطور آفاقه أيضا، وتختلف رواية (ذاكرة أرانجا) في جانبين، فهي تتمثل بها وحدة مكان يمثل كيان سجن، هو لا يمتد في مجمل كيان الحدث، وهو سقف عازل عن الوحدة الوجودية العامة، وتتفق رواية (ذاكرة أرانجا) مع رواية علي حداد في منسوب مؤشر الواقعية، حيث يتوافر في كليهما بعده الأول والثاني، حيث يمثل الأول متن التاريخ وانسيابه الطبيعي وحركة الوحدة الدلالية له، والثاني يمثل وحدة الزمن الموضوعي أيضا، ويؤكد السببية ومنطقها، وإن رواية (ذاكرة أرانجا) يمثل فيها المكان الدستيوتيبي نمطا مختلفا في بعدين، الأول منهما تاريخي، والثاني آيدلوجي، وتشكل رواية ذاكرة أرانجا أكثر من محور روائي، ففضلا عن محور الدستيوبيا الذي هو مقصدنا في التحليل والمناقشة، هناك محور مهم وهو محور الأفكار، حيث مجموعة الشخوص وتنوع إيقاعات وعيهم وفهمهم للحياة، وأنماط سلوكهم تشكل حزامات جدل، وهذا طبعا ليس محددا بزمان أو مكان، وكما أن طاقات الشخوص الداخلية على وجه الخصوص، هي أغنت توجهات الحدث، ونمط السجن في رواية (ذاكرة أرانجا) هو يختلف في البعد الحيفي، حيث إن السجن -المعتقل هو ليس نتاج سلطة خارجية كما في روايتي علي حداد وعلي الحديثي، حيث هناك معتقل آسر ومعتقل خارج التوصيف المنطقي.

عنونة المكان ومكان العنونة

نبدأ في دراسة الروايات من أولى المهام، والتي عادة ما تختار آخر على الغالب، حيث العنونة والتي تطورت عبر طروحات الدرس المنهجي من اصطلاحات تحديثية لمفهوم ثابت، وتقريبا أول من برز بنشاط منظم وقيمي هو أمبرتو إيكو- الراحل قبل مدة قريبة- حيث اصطلح أمبرتو إيكو للعنونة ما أسماه – أيقونة النص، أي هنا خلصها من البعد الإشاري الذي كانت توصف به قبل ذلك، وأكد إيكو هي أبعد من ذلك، وهي فعلا كذلك ليست ببعد واحد، وصارت العنونة هي – علامة – دلالة – سيمياء– استاطيقا، وذلك أتاح للكُتّاب تطوير رؤاهم إزاء العنونة، لتبلغ أبعد من وظيفتها التقليدية، وبعد تقدم الطروحات مسافة مهمة، قدم جان جانيت اصطلاحه المهم والأوسع قيمة وفتحا لآفاق العنونة وعلاقتها بالنص، فصارت العنونة نصا موازيا. أما أن يتعالق مع  المتن النصي، أو يبقى يمثل ذاتها كعنونة منفصلة، لكن هي عبر الغلاف عنونة الكتاب الذي تمثله، واليوم العنونة تطور بعد الحس الأدبي فيها إلى تعبيرات غير نمطية، ونبحث في عنونتي روايتي (أيام كنا نحتال على الأشياء) وعنونة (ذكريات معتقة باليوريا)، واللذان هما يختلفان عن عنونة (ذاكرة أرانجا) لمحمد علوان، وتحليل الدلالي لهما يفيد بأن الأولى هي أقرب إلى التلقي العام، أي لا يحتاج إلى تأمل لفهمها أو تفسيرات فهم، وهي كعنونة فيها متعة ولذة، ربما تجعل التلقي يشعر أنه أمام نص فيه مرح، وهنا بهذا التفسير الذي أراه ليس أحاديا، وهو موضوعي الصفة في مغزاه، حيث هذا قد يمكن أن يسقط القارئ في فخ تأمله الأولي، وهنا سيكون التعالق مع النص وجها مستبعدا، وبرغم إشارة المدخل الخارجي الذي سبق الاستهلال، تبقى العنونة محلقة، وتبقى في حدود مدارها، أي هي لا تبلغ التعالق النصي بشكل آلي، وأما رواية (ذكريات معتقة باليوريا)، فهي أعمق استدلالا وأبعد رمزية، وكعنونة عالية الحس الأدبي، وتقنيا هي رمز لبؤرة السارد الضامرة كانت، ففي أغلب الفصول تجد هذي العنونة تنهي الفصل، وهي هنا تحتمل تأويلات عدة، وبهذا البعد التقني تكون سمة التعالق النصي بين العنونة والمتن تأكدت، ونأتي الى النص الموازي ومدى تعالقه في رواية (ذاكرة أرانجا) حيث هنا يهيمن البعد التاريخي لمدينة وافاقه التاريخية شكلا ومضمونا وأيضا وجدانيا، وتختلف العنونة هنا ليس فقط بالبعد التاريخي، والذي يمثل المفردة الأولى (ذاكرة)، بتنويعات انثربولوجية متعددة، وانما هي برمزية المفردة الثانية (أرانجا)، حيث هي تمثل نمط نص موازٍ هنا يبتعد عن الوظيفة التداولية، وهي هنا تكون من المتعاليات النصية، ولو أزحنا المفردة الأولى لكانت العنونة ليست تقابل تفسيرا غير متوافق معها، بل هي أوسع من الذاكرة والتاريخ وأعمق برمزيتها، وما يتأول من قبل التلقي بمعانٍ غير ثابتة .

المكان كيان جذب

في كل الثلاث الروايات المكان هو كيان جذب الشخوص من جهة، وهو أيضا صفة جذب للبعد السيري، وعلى وجه الخصوص في رواية (أيام كنا نحتال على الأشياء)، فهي هناك سيرة واضحة تمثل كيان المؤلف وتاريخه الشخصي، وبرغم التنويع الحواري المستمر لم يُزَح البعد السيري، لكن هي تؤكد البعد الدسيوتيبي للمكان، وأكدت في كل صفحة على كونه مكان القهر الإنساني والوضع المأساوي، وكان المكان مرتبطا بوضع الشخوص، وهو رمز معاني الأحداث ومجمل التفاصيل، وهناك ما نسميه – حمية المكان الدسيوتيبي – وتلك تثير عامل القهر الإنساني، وهذا ملموس في الروايتين، حيث في رواية علي حداد حمية المكان ايدلوجية البعد، وليست عبر الخطاب، بل عبر السلوك الحاد الإيقاع، حيث حتى المكان نفسه يكون هو حالة رعب وقهر واستبداد أيضا، وأي مكان أنت لا تملك حرية فيه، بل كل جدار يضغط على تفكيرك، ويزيد من بعد اغترابك نفسيا، وأما حمية مكان رواية علي الحديثي، فهي بزمن نفسي متعدد الإيقاعات، ففضلاً عن جحيم المكان، فهناك حالة فقدان الأمل تبثها صفة المكان الكابوسية، وأي رعب يخلقه المكان المجهول، لذا لم يجد علي الحديثي إشارة موازية غير العنونة، وكانت تعاد، لتشير إلى مكان لا طعم له غير رائحة اليوريا، ولا لون غير لون السل الذي يتمثل بها، وحمية المكان هنا مثيرة بلا أي وصف، ولا تجد غير أن تغيب في رعب وقلق لتواجه بنهاية لم تحسب لها حسابا، وهذي الحمية تفاقم من كابوسية المكان وبعده النفسي، وليس كما في رواية (الجحيم) لهنري باربوس، حيث هناك المكان بلا حمية برغم أنه يمثل البعد الدسيوتيبي، لكن هناك حرية الاختيار، ولم يكن المكان قسريا ومفروضا بقوة عاتية، وفي رواية (ذاكرة أرانجا) كونه نسبيا يختلف في دوره الجذبي، حيث يكون المعنى معكوسا، فهو ليس بمكان جاذب إلا قسرا، وهو يختلف كونه متنوع الايقاعات، وكان أيضا ليس هو مهيمنا على الشخوص بل العكس هو الذي يمثل صورة بيانية مختلفة، حيث تعدد نشاط الشخوص، يقابل تعدد ذات النشاط في رواية علي حداد، لكن الاختلاف في مهمة المكان والفضاء الذي يمثله، ويختلف أيضا في الحس الاجتماعي أنماط الخطاب داخله.

المكان والبعد السيري

إن السيرة أمر طبيعي في أي عمل روائي، وأعتقد أن توماس مان هو صفة عبقرية أدب روائي لا يختلف عليها اثنان، وأول عمل له هو سيرته الشخصية داخل كيان أسرته، حيث قام بجمع معلومات التجارب الحياتية التي عاشها أخوته الكبار، وأيضا دوستويفسكي في (الأخوة كارمزوف)، كان سرد سيرة شخصية إلى حد الأحاسيس، لكن لابد للعمل الروائي أن يهتم بنسبة الخيال الروائي، وأن يتصور تفاصيل حياته ومن ثم يسردها، وليس يبثها مباشرة حكائيا، وإن رواية علي حداد وعلي الحديثي ومحمد علوان تمثل كل رواية سيرة شخصية بنسب مختلفة، الأولى (أيام كنا نحتال على الأشياء)، هي تمثل مؤشر واقعية في المتن التاريخي المسرود، والمكان كان مركز سرد التفاصيل، وهذا المكان الدستويبي الذي مثل مكان أسر، هو أعمق حسيا من السجن التقليدي، كان غنيا بالتفاصيل المريرة وأبعاد القهر الإنساني، وقد استثمر علي حداد معايشته في ظروف مختلفة الإيقاع الانساني، وروايته هنا من الطبيعي أن تلتزم سمة البعد السيري، لكن هو خفف بسرد دائري في كل فصل، من إيقاع السيرة كونها تملأ كيان المتن الحكائي أكثر مما تطور السرد، برغم إعادة سرد تفاصيل القهر الإنساني، والتي هي وحدة مقومات المكان وسماته الواقعية والدلالية والرمزية أيضا، وطبعا كل إعادة هي بزمن مختلف عما كان ما سرد من التفاصيل المعادة، فمثلا لم تكن سرد الرغبة الطاغية بتدخين ربع سيكارة داخل قفص الأسر توسع فتحة شباك الأمل، وهذا الاختلاف الزمني كان لصالح الرواية، برغم سوداوية المكان وبؤسه القهري المهيمنة، وأما علي الحديثي في روايته (ذكريات معتقة باليوريا) فكانت سوداوية المكان أقسى وأعمق، حيث المكان مثلما أو كأنه ملغوم، ولا تعرف ما اللحظة القادمة لك، وهذا طبيعة السلوك الأمريكي في التعذيب النفسي، وهنا وجه الاختلاف عن مكان الأسر في رواية علي حداد، حيث لم يكن لقرين علي الحديثي أو السارد الخارجي أو كيان شخصية المؤلف أن يشير إلى تطور تفاصيل الحدث، كون هو لا يملك إمكانية لذلك، وكانت كل وحدة زمن هي تفرض نفسها في السرد، أو في الوصف المختلف زمنيا، والمكان هنا ليس محددا كما في رواية علي حداد، وانما هو متحرك، ويتحول من إيقاع رعب إلى إيقاع مختلف، وقد استثمر علي الحديثي ما يمكن، وإشارته إلى العنونة في نهاية كل فصل، هي تشير إلى مغزى يرتبط بالمنظور وليس بالمضمون إلا من خلال بعدها السيميائي وتطورها الرمزي لدى التلقي، وقد توافقت تلك التقنية مع البعد الجمالي، وفي الرواية الثالثة (ذاكرة أرانجا) كانت صفة البعد السيري ضامرة ولا تبان، كون هي رواية أصوات متعددة بشكل متواصل، وقلما ينقطع ذلك التواصل، وهي ليست كما رواية علي حداد، بعدها السيري بصيغة (نحن)، بل هناك توازٍ بين أنا السارد وشخصيات أخرى، لكن المادة التاريخية المسرودة فيها تشير إلى بعد سيري، بيد أنه سرعان ما يغيبه تواصل الحدث وتحق التفاصيل.لقد توضحت ملامح كابوسية المكان في رواية (أيام كنا نحتال على الأشياء) ورواية (ذاكرة أرانجا)، حيث فيهما واقع للقهر والظلم وكسر حدود التميز الانساني، واكن ذلك الواقع بيانيا، ومشهودا وجليا بوضوح تام، واكن ايقاع تلك الصور المشينة خارجيا، اي المتلقي يلمسه بوضوح، وعنصر الزمن جلي وحدته، حيث هو مرتبط بالفعل السردي ارتباطا تاما، فيما بقيت سوداوية وكآبة المكان في رواية (ذكريات معتقة باليوريا)، هي أعمق وبإيقاع يهز الكيان برعبه وإقلاقه، وطبيعي المكان المشهود يختلف عن نقيضه غير المشهود، فطبيعي غير المشهود ولا ملموس حسيا يكون أوسع قلقا، وطبعا تنفصل عن لحظة الزمن التالية، كونك لا تدرك ما هي تفاصيلها، ففي رواية علي الحديثي ساهم النص في إكمال ذاته أكثر من رواية علي حداد ومن رواية محمد علوان، وكما أن البعد السيري في رواية علي حداد كان واضحا برغم تعدد شخوص الرواية، فيما اختفى في أو ضمر بنسبة عالية في رواية محمد علوان، وقد برزت المظاهر المقابلة من العنف الآيدلوجي المتعددة، وكانت تلك المظاهر هي دلالات المكان الدستيوتيبي، لكن لم يكن هذا يلمس بوضوح في رواية علي الحديثي كون السارد لم يكن متاحا له سرد كل التفاصيل إلا المعاشة، وهي ليست بيانية بمجملها، بل هناك ما ينتجه سلوك الجند الأمريكان من مقاصد للضغط على داخل السارد، وبذلك كان يتفاقم شعوره وقلقه ومخاوفه، ويكون المكان لغما ليس إلا.