الدكتور صباح نوري المرزوك
خواطر تناثرت إثر رحيله إلى عالم البقاء
مهدي شاكر العبيدي
بغداد
اعتدنا حين يغادر دنيانا إلى عالم البقاء كاتب وأديب متميز بمعطياته ذات الأثر البين والقوي في إنعاش الحياة الأدبية وتحفيز أربابها لإمكان مجاراتها والإتيان بمثلها من نتاجات الأذهان والعقول ، إن لم يُمَن الكثيرون ممن يتشادقون ويطيلون الحديث في المنتديات والمحافل ، بمناسبة وغير مناسبة ، عن فراغهم لتوِهم من استكمال هذا المصنف وذاك ، وتحقيق هذا الأثر الفلسفي والفكري الدارس، أو الذي يُحسب على مراجعات في الكتب والآثار الأدبية المعنية بنقد عينات وشواهد من الشعر والنثر في عصر من العصور ، والقطع باستيفائها لقدر من التجويد والأصالة الفنية أو انتفائهما منه ، أنْ لو تعلقوا بغبار من أولاء العاملين بصمت ، والمنقطعين لما آثروه من صنائع كفيلة وحدها لا غير ، بتميزهم ورجحانهم على سواهم ممن غلبت شهرتهم على علمهم .
قلت اعتدنا أن نخص هذا النفر المفارق إلى رحمة الله بحكم مشيئته المفروضة والمقدرة على سائر خلقه وعباده، لا يستثني فرداً متجبراً ذا سلطان، ولا مستضعفاً متجرداً منه ومحوجاً إلى الكفاف، ونتوجه نحوه بالإشادة بمجهوداته الطائلة التي انفرد بها وميزته بين أترابه، خاصة إذا ازدانت بالشيء الجديد، أو جاءت متممة ومستكملة أو مطِورة لدالاتٍ سبقه إليها رعيل هم الرادة الأوائل لما عنوا به من هذا الانجاز الثقافي المنعوت عندنا بالفهرسة أو التوثيق، وفي ملة الغربيين يدعى بالبيبلوغرافيا.
صُدمت ذات مساء حين طالعتني إحدى القنوات الفضائية التي تبث من الخارج بخبر ٍ عن تعرض عالِم التراث والمكتبات صباح نوري المرزوك لحادث مروري نقل بعده إلى مستشفى الحلة في حالة منذرة بالخطر المفجع والمطوي على ما لا يسر من الاحتمالات، وفي عصر اليوم التالي نعته قناة الحضارة وسط إجماع الوسط الأدبي والمثقفين في أنحاء بابل على افتقادهم علماً شاخصاً يلم شتاتهم ويجمع كلمتهم، وله حضور لافت لنظر المجتلي في تجمعاتهم وملتقياتهم هذه المتيحة لغالبيتهم من الأديب الواصل والشادي المبتدئ ومحاول تجريب مكنته من مهنة القلم، متهيئاً ومنبياً عن استعداده لتحمل ما يستتبعها من نصب وعناء، وتستنفده من صبر ٍ على كنود زمر ٍ لا يروقهم أن يربو عليهم أحد في غزارة نتاج مستوحى من صميم البيئة التي احتوتنا، وبأن تكون نتاجاتنا الأدبية مكتنزة بمضامين وفحاوى من شأنها تجميل الحياة وتشذيبها من الأوضار والخسائس، لا أن تخلو من الدعاوة للأغراض الشريفة وتجانب المقاصد الهادفة، وتسترسل بدلاً من ذلك في سياقات من الهرف واللغو والكلم الفارغ من شأنه تلهية الجمهور، وصرفه عن إعلان تسخطه جراء ما يلاقيه في حياته من الامتهان وغمط الحقوق.
وهذه الأمور هي من بسائِط مبادئ الواقعية الأدبية التي كان يُلهِم بها الأدباء الكُمل قبل سنين فتية الجيل الواعد لأول عهده بالقراءة قبل أن يواصلها وتودي به في النهاية للرهق وانطفاء لمعة العين، والآن بدأت هذه الواقعية تنحسر، وغدت غير ملزمة لأي أديب منذ أن نهى الكاتب رئيف الخوري اللبناني الأرثودكسي والمتشبع بالثقافة الاسلامية قبل ستة عقود، عن تحبير موضوعات تبعث الملل حول لمن يكتب الأديب أللشعب أم للفن، كعهدنا بذلك في أمس البعيد، وصار من حق أي إنسان أن يتخير ما تشاؤه أقطار نفسه له من اهتمامات، ويوقف عليه ملكاته من شؤون وأولاع.
فأي اهتمام عني به صباح نوري المرزوك، وأي شأن وولع انقطع لهما في حياته هذه التي جاوزت ستين سنة قبل مدة، متخلياً مصروفاً عن تخصصه باستقصاء حياة شاعر ما من العصر الأموي وتحليل شعره وما استبان فيه من أغراض ومقاصد، وأوفى عليه من بداعة وأسر في صوغه بلغة القدامى، أو توق لتمثيل متطلبات حاضرنا بحسب تعبير كتبتنا الحداثيين، استحق بموجبه أن تمنحه جامعة تركية درجة الدكتوراه اتصل بها اثناء إقامته بكركوك زمناً مشتغلاً تدريسياً للغة العربية في إحدى إعدادياتها، وتعلم النطق بطبيعة الحال ببعض مفردات اللغة التركية التي يفوه بها هناك أفراد من المكون الثالث للشعب العراقي ساعفته في الاندماج بالمجتمع التركي.
واستحال هذا الولع بمرور الأيام رسالة يلزمه إبلاغها للمجتمعات العربية عامة، ولو كان السبيل ممهداً بيننا وبينها من ناحية التواصل الثقافي إذن لتداولَ مثقفوها هناك المجلدات الثمانية ذات الألوف من الصفحات المفهرِسة لجميع ما صدر في بلادنا من دورياتٍ وكتبٍ طوال ثلاثين سنة احتفظ لها المؤلف بأسماء معديها ومصنفيها من الأكاديميين وغير الأكاديميين، ومن المحيطين بتواريخ الآداب والفلسفات والتاريخ والجغرافية والسياسة والاقتصاد والعلوم الآلية والذرية،دون أن يدع أحداً منهم مهملاً ومصدوفاً عنه، ومجحودة دالاته وعوارفه، حتى التي تقترب بعض الشيء وتستدعي الإفصاح عنها وتوضيحها بالإنكليزية، وهنا يعرض لوجدان القارئ ثمة سؤال أو استغراب، من أنى واتته القدرة وتسنى له الوقت الكافي لتصفح وتفلية هذا الكم الهائل مما تقدمه المطابع الحكومية والأهلية والتي في خارج الوطن، من الأسفار والتأليف ليحصيَ عدد صحائفها جميعاً ويسجل اسم الجهة الناشرة، ويُعين ما إذا كانت طبعته أولى أو ثانية، وكذلك أسماء مؤلفيها ودرجات تحصيلهم، مقتفياً في هذا التوثيق أبجدية العرب التي ازدان الغلاف الخارجي لكل مجلد ببضعة أحرف منها، هي التي يُستهل بها كل مطبوع يستوعبه ويحتويه.
وصدرت هذه المجموعة حاملةً عنوان : معجم المؤلفين والكتاب العراقيين عن بيت الحكمة في العراق عام 2000.
وهناك خصيصة اتسم بها وانفرد صباح نوري المرزوك هو المتباعد عن الشأن السياسي ولا يعنيه بحال الصالحُ والطالح من العاملين فيه والمكتوين بلذعه، كما لم يستلفتْه الطاهرُ الذيل أو المدخول فيه لنيل غرض أشعبي، أو انه اضطلع بتبعاته الجسام بمحضِ الاخلاص وصفاء النية وانتواء خدمة الجميع، وذا لا ينفي استجماعه في شخصه المشاعر الوطنية الفياضة، هذه الخصيصة تجلت في لزومه الحيادية والنظرة الموضوعية في التحري وراء كل مطبوع يُدعى كتاباً عراقياً، لذا ألمّ وفهرس لرسائل وكتب تولى عنها مسؤولون في حقبة سابقة، كما لَمْ يُلفِ تردداً ونكوصاً عن أن يرصد مأثورات معارضيهم الذي طالهم التشريد والتنكيل، ومنها التي طبعتها بيروت، ولم تأتِ إلى سوق المكتبات ببغداد، فكيف تأتى له ذلك هو المقيم بتركيا سنوات، ومَن له بالتعرف على ما يروج فيها من نتاجات، وهل أنّ هذه وتلك من مقتنياته جميعاً لا سيما ما يندرج منها في خانة الاقتصاد والجغرافية والتاريخ والعلوم التي لا تتوافق عادةً هي ومشارب دُرّاس العربية ؟ وهل أحوجته كل هذه المشاغل ليلمَ بالمكتبات العامة في حواضر تركية ومصر التي مكث فيها ردحاً من الزمن قصيراً، فضلاَ عن بغداد والحلة بحثاً عن مصنفٍ فاته أنْ يقتنيه ويعثر به وعليه ؟.
طبعاً إننا نستبعد بصورة مطلقة أن يكون قرأ ما توافر بين يديه من هذه المطبوعات الكثار التي لم ينِ في وصفها خارجياً.
إنها من المساعي الغر أن تُنقَل مخطوطة هذا السَفر بمجلداتها الثمانية في ساعٍ من الزمن، من دارته في الحلة إلى بيت الحكمة ببغداد لطبعها على نفقته، وبالفعل طُبِعَتْ بغاية الصحة والاتقان والجودة بمطبعة أهلية، هذا ما وقفنا عليه من شأن الطبعة الأولى، ثم جدّتْ أحوال ومتغيرات، وصيح نهباً بالبلاد وسط تغاضي المغيرين، وأستبيح بيت الحكمة وأفرِغ من محتوياته، وهي ليست غير ذخائر وكنوز في التراث والعلم والفلسفة ومعجمات في الأعلام وتكملات لتاريخ الوزارات العراقية في أمس الدبير، وذلك استئنافاً ومواصلة لمجهودات عبد الرزاق الحسني في هذا السبيل، أبصرتها جميعاً وبينها نسخ من معجم المؤلفين والكتاب العراقيين، مطروحة في رصيف شارع الرشيد جوار مقهى حسن عجمي، بعد أن “تحوسمتْ ” لتباع بأبخس الأثمان، في ظل غياب حكومة أي دولة في العراق.
ويجوز أو لا يجوز أنها طبعت ثانية أثناء غيببتي ببلاد الشام، فقد تناهى إلى علمي احتفاء أحد المسؤولين بهذا الانجاز المهم ذات يوم.
وتسألني عما استذكره عن تحصيله الأولي، لعلك تحيط علماً بتفريطنا بوحدة المعرفة، وندرَعندنا في جميع بلاد العرب أن يجتمع الروحان العلمي والأدبي في كيان بشري واحد، ونجم عن ذلك أن يشعر ذوو التخصصات العلمية كالفيزياء والكيمياء والطبابة بالاستعلاء والتعالي حيال المستوفين تحصيلهم الأدبي والملمين بشؤون الثقافة، كما استقصى ذلك ورِيع به زكي نجيب محمود يوم دخل في سجال ولدد مع طبيب العظام الشهير ومؤلف رواية – قرية ظالمة- الدكتور محمد كامل حسين، وأساس هذا الروح الاستعلائي توهم ذويه بأن سوغ الأدبيات لا يستلزم كداً وعناءاً وطول تمحيص، إنما قراءة عابرة وسطحية، عكس ما يستغرق فيه أرباب الدرس العلمي من التركيز وشد انتباه لما يراد حذقه من المعارف.
ولأمر ما هجر صباح نوري المرزوك تحصيله العلمي في إحدى ثانويات الحلة، وقُبِل بكلية الآداب وانعقدت أوصراه طالباً ومتخرجاً فيها، بالأستاذين الاخوين المسيحيين الرائدين والمعنيين بالفهرسة والإحاطة بحياة المبرزين في التاريخ الإسلامي، عنيت بهما كوركيس وميخائيل عواد، كالفارابي وابن سينا وابن رشد فضلاً عن اهتمامهما بحياة المبرزين في التاريخ الاسلامي والتطور الحضاري زمن العصور العباسية أمثال أعلامها الهداة الفارابي والكندي وابن سينا، وكذلك توثقت آصرته بالأستاذ هلال ناجي المشتغل بالسياسة زمناً ثم ملّها فهجرها منصرفاً لتملي المخطوطات العربية وإحيائها، آيباً منها بدرسٍ قاسٍ انها بلا جدوى سوى كونها مجلبة للأحقاد والعداوات. فصيَّره ذلك على جانب كبير من البساطة والتواضع والعرفان بحجمه وقيمته وقدر نفسه بذريعة أن القرين يقتدي بالمقارن كما جاء في الأمثال الشعرية، أو قلْ لي مَنْ تعاشرْ، أقل لك من انت، فدرج في المجتمع الحلي متحاشياً المناكفات والخصومات، ومسالماً الجميع، فما عهدته متفرعناً يستجدي ثواباً من رهطٍ أو يتطلب آخرين بالإكبار والاحترام، أو يزدري صنفاً ثالثاً من الناس بلا داع ٍ ولا موجب سوى أنها جبلة أو ديدن تنكبه بعضهم لإثبات قوة الشخصية، أو لأنه ينتصف من إربائهم عليه في الدأب والاستمرارية في النشاط الأدبي بلا توقفٍ وانقطاع، هو الذي يجتنب ذلك ويعف عنه ولا يورط نفسه بمثل هذه المماحكات.
وإن أنسَ لا أنسَ تقديمه في حالة من الاستحياء والخجالة نسخة من فهرسة لأحد مدرسيه في الثانوية بالأمس يوم غشي ندوة عشتار، تحتوي على جميع ما نُشِر عن شعر السياب في الصحف والمجلات، فأثنى الرجل على جهده من هذا الوجه، وحمد له اهتمامه بأمر هذا الشاعر، على غير منوال مَنْ يحاول مقاواتك بعد استغفاله لك بالثناء المصطنع الزائف، ثم يعتصم باِسم من الأسماء يستر به سخيمته، وليس هو بحبٍ وإعجاب ومشايعة لما أنتجه صاحب الاسم ذاك، بل هو في باطنه منطوٍ على نزوعٍ للهدم، ونية في الانتقاص، وتجريدك من موهبتك، وذلك ضرب ” من الرأي المعكوس بين العجزة الذين يعييهم أن يقابلوك مقابلة الند للند، ويسلموا لك تسليم المنصفين ” كما يقول العقاد، وأفراد هذه الزمر لا يفلحون في أن يكونوا أدباء مهما تشادقوا في المجالس، وتفننوا في إشهار ذواتهم، لماذا ؟ لأنهم تحوجهم نظافة الأعماق، وهذا الداء متفشٍ في الأدبية العراقية على وجه العموم، وفي أدبية الوطن السوري كذلك على ما فصّل فيه الكاتب الأشهر ببلاد الشام عبر كتاب له بهذا الخصوص، الدكتور ابراهيم الكيلاني، محيي تراثات أبي حيان التوحيدي، وكفى.
لم يكن صباح نوري المرزوك مؤلف أقاصيص وروايات، ولا بمسطِر ٍ لفصول في نقد هذه الفنون الأدبية، معولاً على الوصفات الجاهزة وغير الجاهزة عن الأبطال المنكسرين والمحبطين، وتجعله راضياً عن نفسه، ومقترباً من شأو المعنيين بالنقد الأدبي من المصريين أمثال أنور المعداوي ومحمد مندور وعبد العزيز الأهواني وغيرهم، ومجمل ما سخا به ومنحه للأدبية العربية في العراق وخارجه أطروحته الأكاديمية في شعر جميل بثينة – كما أتذكرــ وأظنها ما تزال مخطوطة، وفهرساته مما نشره في مجلة ( المورد ) خصوصاً عن الرسائل الأكاديمية في جامعة بغداد لمختلف الاختصاصات وأسماء كاتبيها، اقتبس منها القسم الخاص المكرس لتحقيق الدواوين الشعرية القديمة، أستاذ معروف، أو تناهبه دون أن يعترف له بالفضل، ويمن عليه ولو بإشارة، ونشره في المورد ثانية مع ما أضافه إليه من وضعه وابتداعه وصيده، وكذّبتُ ظني حين وقفت على ذلك منتحلاً تعلة توارد خواطر، ثم سّلمت به حين نبهّني عليه السيد معن من النجف، والكتبي في شارع المتنبي، والمتحدث بالفضائيات لا بصفة محلل سياسي بل أحد المهتمين بالقضايا العامة، بعد هذا الذي يسمونه تغييراً في وضعنا السياسي وحالنا الثقافي، وسوى أخيراً ونقول : ( إن هذا المجهود الطائل لفهرسة ما أسلفه ذكاء العراقيين من محصلات ثقافية في الآداب والتاريخ والجغرافية وعلوم الرياضة والسياسة والفلسفة، وأودعه المَصنف الموسوعي الضخم، تكل عنه طاقات أفراد مجتمعين، فكيف فرغ منه بنفسه متوقلاً على إرادته واعتزامه ؟ ومَنْ سيسد الفراغ الحاصل إثر غيابه ليوثق ما صدر وسيصدر من كتب في العقود الثلاثة من القرن الواحد والعشرين، علماً إنها لا تقرأ غداة اقتنائها بل يركن إليها المؤلفون عند الحاجة وحين شروعهم بالتأليف حول مجهودات رصفائهم بقصد التوثيق والتثبت وضبط صحائح الأخبار لا غير.
وفي ذمة الله والوطن أيها الراحل العزيز.
























