خطاب التقسيم ــ نصيف جاسم حسين

خطاب التقسيم ــ نصيف جاسم حسين
لم يعد الاستقلال يتعلق بوجود او عدم وجدود قوات أجنبية على أرض البلاد مما يمكن الدولة المسيطرة على فرض ارادتها على الدولة المحتلة أو حتى سلبها مواردها فهكذا مفاهيم انتهت بنهاية الحقبة الكولنيالية، وصارت الدول الأكثر تأثيرا هي الدول الأغني والأكثر استقرارا داخليا والأكثر تطورا والأكثر استخداما للتكنولوجيا المتقدمة وتسخيرا لها، والأكثر قدرة على فرض رؤيتها السياسية والاقتصادية على غيرها، ولذا أصبح العالم يعاني تداخل الرؤى المختلفة وأصبح شعار صراع الحضارات يعني بصورة أكثر واقعية حوارا للحضارات شاء السياسيون ذلك أم ابوا وبالتالي أخذ مفهوم الاستقلال يأخذ منحى آخر، هو كيف يمكن لدولة ما أن تجد لها مساحة تأثير مناسبة على الساحة الدولية أو الإقليمية أوعلى أقل تقدير على بلدها الذي أصبح جزءاً من عالم تداخلت فيه المصالح الخاصة للدول والجماعات والأشخاص مع بعضها، وأصبح عرضة للتأثر بأية أزمة مالية لبلد قد يبعد عنه الاف الكيلومترات ولا تربطه معه أية رابطة من تلك التي تعلمناها ايام الدراسة الابتدائية، مثل رابطة الوطن أواللغة او التاريخ المشترك.
لذا لم يعد ممكنا ــ عمليا ــ عدم التأثر بما يجري في العالم، اي بمعنى اخر فقد الاستقلال التام عن العالم واقعية أو امكانية التحقق، لكن ثمة وسائل تحقق القدر الأكبر من الاستقلال بمعناه المتعلق بالقرار السياسي الداخلي الذي قد يتمدد ليأخذ بعدا وتأثيرا اقليميا محددا بقدر يتناسب مع وسائل التأثير المقترن بعوامل التاريخ والجغرافيا في بقعة معينة من العالم تختلف عن بقعة أخرى تختلف وسائل التاثير فيها عن الاولى، فما يستخدم من وسائل التعبئة العقائدية ــ مثلا ــ في الشرق الأوسط يختلف عما يمكن استخدامه في الهند الصينية أو امريكا اللاتينية، وبالتالي فإن الدولة الأكثر تأثيرا على الصعيد العالمي ــ الولايات المتحدة على سبيل المثال ــ هي تلك القادرة على التعاطي مع مختلف الدول بما يتناسب مع تاريخها وواقعها وبيئتها الثقافية مع العمل الدؤوب والمتواصل على تغيير البيئة الثقافية ــ بوسائل مختلفة ــ بما يتناسب مع الثقافة الامريكية، لذا فإن اي قصور في أداء الدولة المؤثرة ــ الولايات المتحدة في مثالنا اعلاه ــ مرده الى احد أمرين اما انها لم تأخذ بنظر الاعتبار البيئة الثقافية والتاريخية للبلد المستهدف او المتأثر بها او انها سارعت وتيرة فرض ثقافتها عليه، والأمران حدثا معها في العراق، فقد تجاهلت الولايات المتحدة ثمانية عقود من الحياة المدنية العراقية، لتعيد البلد الى واقع ثقافي اجتماعي يعود للقرن السابع عشر عبر تعاطيها مع العراقيين على اساس انتماءاتهم العقائدية والقومية وتضخيم هذه النزعات التي وجدت أرضية بدأت تتسع نتيجة الخواء الفكري الذي يلف أغلب القوى السياسية التي تعمل على الساحة العراقية بعد 2003، وهي الطريقة التي اتبعت واتت اكلها وتسببت بانهيار كل من الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا. كما انها سارعت ــ بسبب ظروف داخلية امريكية ــ في فرض رؤيتها وثقافتها على واقع وبيئة عراقية غير مناسبة للتعاطي مع المتغيرات المتسارعة فنتج عن ذلك اضطراب في أداء الأشخاص والمؤسسات وبما يشيع عوامل الفوضى واللااستقرار.
كما ان مساحة التأثير أو على اقل تقدير مساحة الاستقلال، فيما يتعلق بالعراق، تتعلق بقوتنا الداخلية، فمتى ما تم بناء شخصية وطنية عابرة للطائفة والقومية، ومتى ما حسمت خلافات الداخل نكون قد أسسنا لاستقلالنا كأفراد وجماعات وكبلد مؤثر اقليميا وليس متلقيا لما تجره عليه ارادات القوى الاقليمية التي اتحنا عبر تشرذمنا مساحة لها بيننا.
لذا فان ما يحدد خياراتنا كعراقيين هو حسم خياراتنا بين أن نبني عراقاً واحداً تحت سقف عراقي واحد عابر لهذه الولاءات، اوأن نستعد لما يلي
ــ ثلاث دويلات مجهرية لا وزن لها بين جيرانها الأقوياء تتقاذفها اراداتهم كيفما شاءوا.
ــ حروب بين هذه الدويلات الصغيرة قد تمتد عشرات السنين تستهلك ما تبقى من شبابهم ومن ثرواتهم بعد ما استهلكت حروب صدام الجزء الأكبر منها.
ــ حروب داخل هذه الدويلات بين القوى المتصارعة فيها والتي تحاول ان تسحق الاخرى تماما، للسيطرة على الدويلة التي لن ترى السلام الداخلي لعشرات السنين.
ــ انهيار البنى التحتية لكل هذه الدويلات الثلاث بفعل الحروب الداخلية وما بين هذه الدويلات، وبفعل تسخير أغلب موارد الدويلات لإدامة هذه الحروب التي سوف لن ينتصر فيها أحد، لأن ذلك يعني تدويل تلك الحروب بأن تأخذ مديات أوسع وأوسع.
ــ تخلف قد يستمر عشرات السنين لعدم قدرة اي من هذه الدويلات على ادامة استراتيجية تعليم او تنمية مستدامة في ظل حروب وصراعات داخلية وخارجية مستمرة.
ــ انتشار الفقر والمرض بين أغلب سكان هذه المناطق لنفس السبب أعلاه مما يجعلها أقل امكانية لتحقيق أي قدر من استقلالية قرارها السياسي لأنها ستكون معتمدة كليا على ما تقدمه لها دول من صدقات لا تسمن ولا تغني من جوع، بالاضافة الى انها ستكون مشروطة باملاءات معينة لا تختلف عن املاءات السادة للعبيد.
ــ ثورات وعصيانات مدنية لعدم قدرة اي منها على الاستجابة لحاجات مواطنيها الاساسية.
ــ فقدان تام للأمن داخل كل هذه الدويلات مما ينذر بتكوين عصابات السلب والنهب والقتل مما يضطر أغلب سكان هذه الدويلات الى الهجرة الى دول الجوار بحثا عن الأمن والسلام.
ــ سوف يتم تبني كل دويلة من قبل دولة مجاورة تشكل لها عمقا جغرافيا مما يعني ان الصراع الاقليمي الخفي سيأخذ كامل ابعاده على الساحة العراقية وبادوات عراقية والمتحاربين والقتلى والمشردين هم عراقيون فقط.
لذا فإن أهم متطلبات الاستقلال هو ضمان وحدتنا كعراقيين دون تمييز على أساس مذهبي او قومي أو عرقي أو جنسي وهذا يتطلب من الجميع تغيير منطلقاتهم بما يتناسب مع الهوية الوطنية على أن يتم ذلك بتساوي الجميع في الحقوق والواجبات وعدم تغليب طائفة أو مذهب او قومية على أخرى مهما كبرت لأنها تبقى اقلية بالمقارنة مع الكل الشعب العراقي .
AZP07