حواء وآدم والواقع والعمل الأدبي .. لغة خلاف أم إختلاف ؟.. الغريب قريباً

حواء وآدم والواقع والعمل الأدبي .. لغة خلاف أم إختلاف ؟.. الغريب قريباً

لبنى حسين سلمان

يقال إن للمرأة لغة تختلف بها عن لغة الرجل من حيث المفردات وطرق التعبير. فهي مختلفة في طقوسها اللغوية كما هي في عاداتها الاجتماعية. قد تكون الاختلافات الفسيولوجية سببا في الاختلاف اللغوي بينهما. فالنساء يستخدمن مفردات لغوية وأساليب كلامية تختلف عن تلك التي يستخدمها الرجال. في اللهجة العراقية تعودت أذاننا على سماع بعض المفردات الذكورية منها على سبيل المثال لا الحصر : “ممنون اغاتي”، “الله أبو الخير” للترحيب بالضيف الرجل وليس المرأة. في حين تستخدم المرأة عبارات أخرى ليس بالضرورة مقابلة لهذه العبارات ولكن عبارات بديلة تكثر فيها المجاملة والدعاء. ويبدو أن استخدام أحد الجنسين لمفردات الأخر يحدث نشوزا في أذن المتلقي.

أساليب خاصة

 بين الفرنسية والعربية لا يوجد الكثير من الاختلاف في هذا الموضوع. نستطيع القول إن اللغويين العرب وكذلك الفرنسيين اتفقوا على إن للمرأة أساليبها الخاصة في التعبير كما للرجل أيضا أساليبه. تشير الدراسات إلى إن النساء يستخدمن الكلام غير المباشر في الحوار لا سيما في جملة الطلب. فيعتمدن التورية (allusion) والتسميع (insinuation). الرجال من جهتهم يفسرون كلام المرأة تفسيرا حرفيا وهو كما يدعي لا يفهم غير الكلام المباشر  فلا يمكنه النفاذ بهذا الشكل إلى داخلها لمعرفة ما تفكر به والغاية مما تقول.

توصف لغة المرأة بلغة العواطف والأحاسيس والانفعالات بينما تتسم لغة الرجل بلغة العقل والمنطق وتتميز أيضا بالمباشرة والحرفية وخشونة الألفاظ. قد يعزى ذلك إلى اختلافات وضغوطات مجتمعية تتعرض لها المرأة أكثر من الرجل تؤدي بها إلى اللجوء إلى الأسلوب غير المباشر في الكلام أو الطلب. فتستخدم التورية والتشبيه في التعبير والتي لا يحبذها الرجال وقد تلجأ إلى استخدام الأمثال أيضا. تميل المرأة إلى التعبير الضمني (implicite) كي لا تثير حنق من لها غايةً عنده، أو كي لا تخرق المحظور ((le tabou فيما إذا كان موضوعا محرجا، أو أنها لا ترغب في التكلم بوضوح عن بعض أمورها الشخصية. في حين إن خشونة لغة الرجال تعد تعبيرا عن قوتهم وسطوتهم وسيطرتهم على الأخر، وقد تكون وسيلة دفاعية لمواجهة الواقع القاسي ومحاولة إثبات الذات.

 إن اختلاف الأنماط السلوكية واللغوية بين الرجال والنساء جعل المعالج النفسي جون كَريّ يُشّبه في كتابه “الرجال جاءوا من المريخ والنساء من الزهرة” والذي لاقى رواجا كبيرا في أمريكا وأوربا، يشبه المرأة بكوكب الزهرة أو إنها جاءت منه وذلك لأنها تقدس لغة العواطف والأحاسيس والخلق والانسجام في الحوار بينما يعتمد الرجل على مبدأ الفعل والسلطة والكفاءة لهذا فهو يمثل المريخ كوكب القوة والفعل.

في مقالة مترجمة صدرت في مجلة الأديب العراقي بعنوان “اللغة والجنس” يقول الكاتب إن المرأة تستخدم أسلوبا لغويا أكثر رسمية ومعيارية من لغة الرجل ويعزو ذلك إلى عدة أسباب منها عدم المساواة بين المرأة والرجل، أو لأنها تربي الأطفال فيتوجب عليها تلقينهم لغة مهذبة، أو لأنها تُعَنف في صغرها وتُجبر على استخدام اللغة الرسمية والمهذبة، أو لأنها تخالط أوساط رسمية بالنسبة للمرأة العاملة. هذا يعني إن المرأة مقيدة في لغتها وليس فقط في سلوكها ويجب أن تراعي كل من حولها. في الحقيقة قد لا يشمل هذا التحليل النساء من جميع طبقات المجتمع حيث أشارت صوفي بايي في مقالة لها عن الاختلاف اللغوي بين الجنسين  إن نساء الطبقة المتوسطة في انكلترا يستخدمن لغة أكثر فصاحة من لغة الرجال. وتمتاز لغتها بقواعد صحيحة ومفردات منمقة ونطق سليم للكلمات مقارنة بلغة رجال الطبقة ذاتها. وهنا يمكننا القول إن لغتها لا تشابه لغة رجال تلك الطبقة ولا للغة نساء الطبقات الأخرى.

وفي دراسة للغويين الكنديين جاكلين لاموت وبنوا جاك بعنوان “لغة النساء” تؤكد هذه الدراسة وجود اختلاف في السلوك اللفظي بين الجنسين. وبعد جمع الملاحظات عن الحوارات بين الرجال والنساء استنتجا إن الرجل هو العنصر المسيطر على الحوار ويقاطع المرأة كثيرا في كلامها وعليه فإنها لا تكمل حوارا معه .ويمتاز حوار المرأة في اغلب الأحيان بمحاولة الحصول على رضا المتلقي. يعود ذلك ربما إلى عدم الثقة بالنفس من جانب المرأة نتيجة القسوة غير المبررة في التعامل معها من قبل الجنس الأخر بالتالي أصبحت عادات لغوية بالنسبة لها.

من جهة أخرى اختبر الباحثان حوارات بين نفس الجنس أي بين النساء فقط، فكانت إدارة الحوار بالتتابع بين المرأتين مع جمل غير مكتملة البناء لكنها وافية المعنى. كما احتلت التعبيرات الضمنية حيزا مهما من الحوار. وأشارت دراسات أخرى إلى قابلية المرأة في التشعب في الأحاديث، وتلك خاصية غير موجودة لدى الرجال.

يقال إن الأدب مرآة الشعوب وانعكاسات الواقع تعود على الأدباء بالإلهام وترجمته بعمل أدبي يسجل كل هذه الأفكار والانطباعات والوقائع والتجارب. فمارسيل بروست الأديب الفرنسي الشهير وثق الصيغ اللغوية المستخدمة من قبل كلا الجنسين من خلال شخصيات روايته الضخمة “البحث عن الزمن الضائع”. في هذه الكوميديا البشرية لعبت اللغة دورا هاما في تجسيد الشخصيات. بالرغم من احتياج كل الشخصيات تقريبا إلى الكلام غير المباشر في ظروف معينه وبالمعنيين الايجابي والسلبي إلا انه خص النساء به مُعَززا بلغة الإشارة من حركات العيون ونبرة الصوت. استخدمت سيدات الطبقة الارستقراطية عنده التعبير الضمني وغير المباشر للمناورة والمداعبة والسخرية وفي المجاملات والنميمة. في الحقيقة إن هذا العمل ليس مقياسا ما لم تتبعه دراسات علمية على شريحة واسعة لتأكيد وجهة النظر هذه. لكن المتفق عليه ولدى جميع الباحثين استخدام المرأة للكلام غير المباشرindirect) ( والضمني  ( implicite)للتعبير عن حاجاتها. فكانت طريقة إحدى شخصيات العمل (Mme Verdurin) في الإجابة على باقة ورد مرسلة لها بجملة أعاقبك je vous gronde » » وما تقصده كان الشكر (je vous remercie) لكن بطريقتها الخاصة وبشكل معاكس. وهذا نوع من البلاغة في اللغة (badinage) وتعتبر طريقة حاذقة للمديح أو الذم لتلطيف الحوار.

قد يؤدي هذا الاختلاف اللغوي في التعبير كما في المفردات إلى خلاف في وجهات النظر. خلاف سببه طبيعة الاختلاف بين الجنسين. فطبيعة المرأة وميولها غير طبيعة الرجل وميوله مما يؤدي إلى اختلاف الموضوعات وعليه التباعد في المفردات العامية منها والفصحى. خلافٌ أيضا رسخت جذوره في لغة المصطلحات الذكورية التي تطلق على المناصب والألقاب والتي لا يجوز تأنيثها لأنها كانت في الماضي حكرا على الرجل وتعلل أيضا بالمساواة بين الجنسين. وجهة النظر هذه يشترك بها المجمع العلمي العربي والأكاديمية الفرنسية حيث لا يجيز كل منهما تأنيث أسماء المناصب والوظائف الإدارية بالرغم من إن اغلب هذه الوظائف والمناصب تدار اليوم من قبل سيدات جديرات بها. فكلمة أستاذ لا تأنث في الفرنسية وكلمة عميد لا تأنث في العربية. تبقى هوية المرأة مستترة تحت هذه الألقاب وان أُنثت لأصبحت مجالا للسخرية كما يحصل اليوم عندنا مع كلمة “نائبة”.

من جهة أخرى هناك تمييز مجحف ضد المرأة في إطلاق بعض التسميات عليها، ففي المقالة الأنفة الذكر لمجلة الأديب العراقي يقول الكاتب محاولا تفسير أسباب الاختلاف اللغوي بين الجنسين : « ثمة العديد من الكلمات المتقابلة الجنس التي تحمل إيحاءات سلبية عندما تخاطب النساء، في حين إن نفس تلك المصطلحات تحمل دلالات ايجابية عندما تقال على الرجال ». يعطي مثالا على ذلك كلمتي الأعزب والعانس فيقول «حيث ينظر إلى العازب كرجل سعيد يتمتع بالحرية، فان العانس لطالما تستدعي صورة المرأة القبيحة الهزيلة…». نضيف على ذلك التفريق بين المرأة المتزوجة والتي يطلق عليها تسمية سيدة، أما غير المتزوجة فتخاطب بمفردة الآنسة في حين لا يوجد مقابل لهذه التسميات عند الذكور. فالرجل سيد في كل الأحوال والظروف ولا تنطبق عليه قاعدة قبل وبعد. حتى إننا لا نعرف الغاية من هذا التمييز هل هو التقليل من شان أو لغايات ذكورية أخرى. قد تكون محاولة للتعرف على الحالة الاجتماعية بطريقة يعتقد عند البعض بأنها متوارية لا تجرح إحساسا ولا تفضح غاية. من الجدير بالذكر في بعض اللغات العالمية تُختزل المرأة في ضمير المخاطب أنت فلا يمكن تحديد جنس المخاطب إلا بتكملة الجملة أو من خلال السياق العام للنص كما في الفرنسية والانكليزية (tu, you ) أما اللغة  العربية فإنها أنصفت المرأة في هذا الجانب بكسر التاء. أضف إلى ذلك من قواعد إقصاء المرأة في اللغة : عند مخاطبة جمع النساء وفيهن ذكر واحد يُشمل الجميع بقواعد مخاطبة المذكر فلا حق يعطى للنساء رغم الأغلبية.

أسس علمية

من تجاربنا الشخصية نستطيع أن نجزم ببعض المسلمات والحقائق. بالإضافة إلى إن هذه الدراسات ليست عبثية بل تستند على أسس علمية وموضوعية لأنها تقوم على تجارب الباحثين وخلاصة لعمل دؤوب وطويل. فقد حاول المختصون في هذا المجال أي في عام اللغة الاجتماعي إيجاد الفروقات وأسبابها. نعم هناك لغة خاصة بالمرأة وبالمقابل لغة خاصة بالرجل تختلف باختلاف موضوعاتهما وميولهما وطبيعتهما وشكل الواقع الذي يعيشانه. لكن نتوقف عند الاستخدام غير المباشر للغة, والسؤال الذي يُطرح هنا أليست هذه ستراتيجية متبعة عند الجنسين؟ فكما تلجأ إليها المرأة عند الحاجة يلجأ إليها الرجل عندما يقتضيه الأمر وعندما لا يستطيع إيصال فكرته أو رغبته إلا بهذه الوسيلة؟

قد يزول الخلاف بزوال الاختلاف. فالتفاهم والتقارب والتواصل والحوار أنجع وسيلة للارتقاء بالفكر ومن ثم تقريب وجهات النظر لرأب الصدع ومد الجسور بين اللغتين فلا يعود هناك صدام فكري ولا لغوي. لكن الاختلاف يبقى قائما لأنه مسألة هوية يحاول كل من الجنسين الاحتفاظ بها للتعبير عن وجوده في الحياة.

الهوامش

 هناك عدة مقالات منشورة على الويبسايت تتحدث عن هذا الموضوع منها : http://www.hommepage.fr/elle.phparticle=1521

http://www.psychologies .com/Couple/Vie-de-couple/Hommes-Femmes/Livres/Les-hommes-viennent-de-Mars-les-femmes-viennent-de-Venus

– مقالة لديمتروس ثاناسولاس، ترجمة علاء هاشم، العدد 11بغداد، 2015 ص 200.

 https://

halshs.archivesouvertes.fr/file/index/docid/520332/filename/Bailly_2009_Difference_sexuelle_dans_

la_langue_imaginaire_ou_verite.pdf

ttp://ideruditorg/iderudit/

5  h6943ac  ص 28.

– مارسيل بروست، البحث ع الزمن الضائع ، الجزء الأول، عن دار النشر كاليمار، باريس، 2008 ص 215.

– مقالة ل يمتروس ثاناسولاس، ترجمة علاء هاشم، ص 201.