حلّاق الشِّعر – مروان ياسين الدليمي

مروان ياسين الدليمي

1 : (الدرس الأول في الخيبة )

لم يكن في نيّتي أن أصبح جنديًا.
كان المسرح كل ما أعرفه،
أو على الأقل، كل ما أردت أن أتعرف عليه.
دخلت كلية الفنون
وأنا أحمل على ظهري حقيبة ممتلئة بالأسئلة،
وأحلامًا لا صوت لها ،
تنتظر من يمنحها دورًا في نصٍ ما،
على خشبة ما.
أربع سنوات أمضيتها بين النظريات،
أسماء المخرجين، صراع المدارس، حوارات لم تُكتب بعد.
كنت أقرأ المسرح كما لو أنه وسيلة لفهم العالم، لا لتمثيله فقط.
كنت شغوفًا،

ليس بالشهرة، بل بشيء يشبه الحقيقة.
الفن بدا، وقتها، الطريق الوحيد إليها.
لكني لم أكن أعلم أن ثمة طرقًا أخرى،
أسرع،
وأكثر قسوة،
توصلك إلى الحقيقة نفسها، لكن بثمن لا يُحتمل.

لم يكن هناك إنذار.
في آخر سنة،
في اللحظة التي بدأتُ فيها أضع ملامح مشروعي الأول،
وصَل الأمر: استدعاء للجيش.
كانت الحرب قد بدأت بين العراق وإيران،
وكنت من بين آلاف آخرين،
سُحبوا من دفاتر مشاريعهم إلى خنادق الموت.
لم يكن هناك وقت للتفكير.

 

بين ليلة وضحاها، كنت على الحدود.
لا خشبة.
لا أضواء.
لا جمهور.
فقط طين، وبنادق، وأوامر لا تحمل سوى الصمت.

هناك،
اكتشفت
أن الإنسان يمكن أن يتحول إلى سطر غير مكتمل في رواية لم يكتبها أحد.
أن الحياة، رغم ما يُقال، لا تملك خطّة بديلة.
كان ذلك درسي الأول في الخيبة.
الحرب لا تكتب مذكراتها، لكنها تكتبك.
وفي كل يوم هناك،
كنت أُحذَفُ من الجملة التي كنت أظن أنها حياتي.

 

لم تعد الأحلام شيئًا يمكن أن يُنسج.
كل شظية كانت تمزقُ منها جزءًا،
وكل انفجار كان يعيد تشكيل المعنى، لا بل ينفيه تمامًا.

سبع سنوات.
أن تقول “سبع سنوات” أمر،
وأن تعيشها… شيء آخر تمامًا.
ثلاث مرات أنقذني شيء لا أعرف اسمه.
بعضهم يسميه القدر.
بعضهم يسميه الحظ.
بعضهم يسميه الله .
لا أعرف.
فقط أعلم أني خرجت من هناك حيًا، لكن ليس كما دخلت.
عندما عدت، لم أكن أحمل حقيبة.
لم أكن أملك حتى صوتًا داخليًا واضحًا.
كانت الحرب قد أخذت كل شيء:
اندفاعي،
يقيني،
وهشاشة الأمل التي كنت أعيش عليها.
كل ما بقي كان الصمت.

2: (على المسرح الخطأ )

أقول لنفسي أحيانًا:
ربما لم تكن خنادق الحرب سوى مسرح بلا كواليس.
خشبة مائلة،
وأضواء مكسورة،
ونصّ كتبه الجنون،
يُعاد تمثيله كل يوم.

لم يكن أحدنا بطلاً.
لم نكن شخصيات.
كنا مجرد أجساد تتبادل المواقع مع الموت.

حين وصلت إلى الجبهة، لم يكن في ذهني شيء.
لم يكن هناك متّسع لأي شيء.
ما قرأته من دراما،
ما درّسته عن الفعل والصراع والعقدة،
بدا فجأة تافهًا،
غريبًا،
بلا جدوى.

هنا،
كل شيء يُحَلّ بالدم.
كل مشهد يُعاد، ولا أحد يصفّق في النهاية.
السماء كانت رمادية،
ترمش بالقذائف لا بالنجوم.
الأرض ناعمة ومبللة،
لكنها لا تحتضنك.
الريح تحمل الغبار لا الرسائل.
والوقت ،
كان مجرد لعبة رقمية تتكرر فيها الخسارة بلا حفظ تلقائي.
كانوا يسألون: مَن يعيش ؟
والإجابة الوحيدة كانت: من لم يمت بعد.

لا أسماء، لا حكايات.
فقط أصوات تتبعثر مع الانفجار،
وجثث تُجرُّ مثل أكياس ممتلئة بالوحل،
دون أن يسأل أحد عن تفاصيلها.

في تلك السنين،
لم أفكّر بالفن.
لم أفكر بالكتابة.
فقط كنت أعدّ الأيام كما يعدّ السجين المسامير في الجدار.
لا لتصنع شيئًا منها،
بل لتُذكِّر نفسك بأنك ما زلت موجودًا.

ثلاث مرات اقترب الموت مني بشكل مباشر.
مرة انفجرت قذيفة خلفي مباشرة،
وموجة الهواء رمتني كما يُرمى حجر في بحيرة ساكنة.
مرة أخرى، توقّف زميلي في المشي ليربط رباط حذائه.
الخمس ثوانٍ التي تأخر فيها أنقذتني.
القذيفة سقطت حيث كنت سأقف بالضبط.
أما الثالثة،
فكانت في اليوم الذي دخلتُ فيه إلى بيتٍ ظننته خاليًا.
كنت أبحث عن كسرة خبز ،
وحين دفعت الباب بكتفي،
انفجرت عبوة ناسفة كانت موضوعة خلف الستارة.
الزجاج اخترق الجدار،
لكن جسدي ظل واقفًا عند العتبة.
كأنَّ الباب صدّ عني الموت،
أو أن الخبز الذي لم أجده
هو ما دلّني على الطريق دون أن أعرف.
في كل مرة، كنت أخرج حيًا،
لكنني أفقد شيئًا من نفسي لا أستطيع تسميته.

هناك … على المسرح الخطأ،
أدركت شيئًا واحدًا:
أن أكثر العروض تراجيدية هي التي لا جمهور لها.
ولما انتهت الحرب،
لم يكن هناك تصفيق.
لم يكن هناك ستارة تُسدل.
خرجنا كما نخرج من حلم طويل،
مشوّش،
متعب،
ولا نعرف إن كنا نائمين أم مستيقظين.
خرجت من الجيش ولم أكن أملك شيئًا.
حتى الحلم،
الذي حملته ذات يوم مثل ورقة قبول جامعي،
كان قد تمزق بالكامل.

3: ( نهاية بلا تصفيق )

عندما انتهت الحرب، لم أحتفل.
لم يكن لدي ما أحتفل به.
خرجت من الجيش كمن يُنتزع من حلم ثقيل،
لا مستيقظًا تمامًا،
ولا نائمًا كليًّا،
فقط عالق في الحافة بين ما حدث وما لا يمكن تصديقه.

لم يكن في استقبالي أحد.
لا لافتة،
لا يد على الكتف،
لا سؤال من نوع: “كيف كُنتَ تحت القصف؟”
كانوا قد اعتادوا على غيابنا،
وربما على فكرة أننا لا نعود أبدًا.
عدت إلى المدينة التي تعرف اسمي لكنها لا تملك لي عملًا.

كنت مُدمّى من الداخل،
لكن الجراح لم تكن مرئية.

تسلّمت حريتي،
لكن بدون تعليمات،
بدون خريطة.
هل أعود إلى المسرح ؟
أي مسرح ؟ .

البلاد كانت راكعة تحت رحمة العقوبات،
الناس يصطفون على طحين مغشوش،
الكهرباء تنطفئ كما تنطفئ الرغبات،
والمال عملة نادرة في جيب فارغ.

وجدت نفسي أقف في طابور لم أختره.
أصبحت عاملاً:
مرّة صبّاغًا،
أرسم جدران الآخرين بلون أبيض بارد، لاظلّ فيه لما حلمت به.
ثم بناءً،
أرفع أحجارًا لا علاقة لي بها، لجدران لن أعيش فيها.
ثم بائعًا،
أبيع ما لا أملكه،
ما لا أعرفه،
في سوق مزدحم باليأس.
ثم مصوّرًا لأعراس لا تخصّني،
ألتقط السعادة في لقطات مضبوطة،
وأنا أعرف أنها لا تدوم، ولا تنتمي لي.
وفي النهاية، كنت حلاقًا.
ثلاثة عشر عامًا وأنا أجلس على كرسيّ لا يُشبه الخشبة،
أمام مرآة لاتعكس وجهي،
بل وجوهًا أخرى تأتي وتذهب.

كنت أحلِق شعر الآخرين، لكن في داخلي، كنت أقصّ الزمن نفسه.
كل خصلة تسقط،
كأنها لحظة من عمر مضى، لا تعود.

كنت أراقبهم في المرايا.
أشاهد كيف يحركون رؤوسهم بثقة،
كيف يتحدثون عن أحوالهم،
كيف لا يسألونني شيئًا.
لم يعرفوا من أكون.
ولم أسألهم أن يعرفوا.

كثيرًا ما كنت أفكر في سنوات الدراسة.
كيف انتهى بي الأمر هنا ؟
هل كانت كل تلك الكتب،
العروض،
النصوص،
تمارين الأداء،
مجرّد فصل في مسرحية أكبر كتبها آخرون؟
لم يكن في الأمر بطالة فحسب ،
بل اختفاء.
اختفاء بطيء ،
مؤلم، لجانبٍ من نفسي كان يريد أن يبقى حيًا.

لم أمت.
لكن شيئًا في داخلي ظل يتساقط، كل يوم،
كما يسقط الشعر على الأرض.
ولا أحد يلاحظه.

4: ( صالون الضياع )

الصالون كان صغيرًا.
بلا نوافذ تقريبًا،
بلا هواء حقيقي.
المرآة عتيقة،
فيها خدوش تُشبه التجاعيد التي رأيتها تكبر في وجهي عامًا بعد عام.
كرسي الحلاقة في منتصف الغرفة،
كأنه بئر بلا قرار.
جلستُ عليه كما يجلس المنفي في بلد لم يختره.

كان لي مقص،
وكان لي مشط،
وكان لي صمت.
ولم يكن لي شيء آخر.

لم أكن أكره المهنة.
بل، كنت أقدّرها بطريقتي.
فيها شيء من الطقس،
من الطهارة،
من الشكل الذي يمنحه الإنسان لنفسه ليبدو أقلّ انكسارًا في عيون الآخرين.
لكنني كنت أعرف أنها لم تكن لي.

كنت أعيش كما يعيش من يؤدي دورًا لا يؤمن به،
لكنه يؤديه بإتقان.

كان الزبائن يأتون ويذهبون.
يتكلمون كثيرًا،
عن السياسة،
عن الغلاء،
عن نسائهم،
عن الكرة،
عن الهجرة،
عن اللاشيء.
وكانوا يضحكون، كثيرًا ،
وأنا أحني رأسي فوق رؤوسهم،
ممسكًا بالمقص وكأنني أمسك بتوقيت نبضهم.
أراقبهم في المرآة.
كل وجه مِرآة أخرى.
بعضهم ينظر إلى عيني في الزجاج.
البعض لا يفعل.
لكن لا أحد سألني قط: “من أنت؟”
ولا أحد قال: “يبدو أنك لا تنتمي لهذا المكان.”

في بعض الليالي،
بعد أن يُغلق المحل،
كنت أجلس وحدي وأحدّق في المقص طويلاً.
لم يكن سلاحًا،
لكنه بدا أحيانًا كأنه تذكرة سفر معلّقة.
كم مرة تخيّلتُ أنني أقصّ شعري،
كلّه،
حتى أصل إلى جمجمتي،
وأضعها أمامهم على الطاولة،
قائلاً لهم : هذا أنا.
هذا ما بقي مني.

كنت أكتب أحيانًا.
بخجل.
بخوف.
أكتب على هوامش الوقت.
على قصاصات فواتير.
على دفاتر مدرسية قديمة.
وكانت الجملة تولد ببطء.
كأنني أخرجها من جرح،
لا من قلم.

أحيانًا،
حين أكون منهكًا،
أفكّر: هل هذه حياتي؟
أم أنني توقفت عن العيش منذ زمن، ونسيت أن أُلاحظ؟ .

في اليوم الثالث عشر بعد السنة الثالثة عشر،
أدركت أنني لا أستطيع البقاء.
كان شيئًا في الهواء قد تغيّر.
ربما كان صوتًا داخليًا،
أو رعشة خفية في الأصابع.
وقفتُ خلف الزبون الأخير،
ونظرت إلى صورتي في المرآة.
لأول مرة،
لم أرَ “الحلاق” .
رأيتني.
في تلك اللحظة، قررت أن أعود.
لا إلى المسرح،
بل إلى شيء يشبهني.
إلى الدرس،
إلى الكلمة،
إلى الصور التي لم ألتقطها بعد،
لا بالكاميرا،
بل باللغة.

5: (مرآة تعيدني إليّ )

لم تكن العودة سهلة.
لم تكن حتى واضحة.
لم أستيقظ في صباح ما وأقول:
“انتهى زمن المقص، وجاء زمن الكلمة.”
الأمر لم يكن تحوّلاً مفاجئًا،
بل شيئًا يشبه استرداد الذاكرة بعد حادث طويل.
ببطء،
بتردد،
كأنك تستعيد صورًا مشوشة من حلم غامض.

في عام 2006، دُعيت للتدريس في معهد الفنون.
لم أطلب ذلك.
جاءني العرض كما تأتي الأشياء التي لم تعد تجرؤ على الحلم بها.
ربما لأن أحدهم تذكّرني.
أو ربما لأن الفن، بطريقته الغريبة، لم ينسني.
عدت إلى الصف،
وكنت أكثر صمتًا من أي وقت مضى.
كنت أشرح لطلابي معنى التراجيديا،
وأنا أحمل في داخلي سبع سنوات من الحرب،
وثلاث عشرة سنة من صالون الحلاقة،
وكأنني النَّصُ الحيّ لِما لايُقال.
أرِيهم كيف تُبنى الشخصية، وأتساءل سِرًّا:
هل يعرف أحد كيف نعيد بناء أنفسنا بعد كل هذا ؟
كنت أشرح الصراع، وأنا أتنفسه.
وفي الخارج، بعيدًا عن زمن الدوام، بدأتُ أخرج أفلامًا وثائقية.
أحمل الكاميرا وأدخل في القصص التي لم تُروَ.
قصص الآخرين ؟
نعم.
لكن، في كل لقطة، كنت أحاول أن أنقذ شيئًا مني.
ثم جاءت الصحافة،
لا كخيار مهني، بل كامتداد للحاجة إلى الفهم.
كتبت.
كتبت كثيرًا.
شعرًا،
روايات،
كتبًا نقدية.
لا لأقول إنني موجود،
بل لأتأكد من أن صوتي لم يختف تمامًا.
كنت أكتب كما يتنفس الغريق.
لا ترف في ذلك.
لا مجد.
فقط نجاة.
لم يكن النشر سهلاً.
لم يكن الاعتراف مضمونًا.
لكن لم أعد بحاجة إليه بالطريقة القديمة.
ما كنتُ أطلبه بصمت،
أن تبقى يدي قادرة على أن تكتب جملة ذات معنى.

في كل عمل جديد،
كنت أعيد ترتيب فوضاي.
كنت أضع كرسي الحلاق بعيدًا،
قصيدة بعد أخرى،
رواية بعد رواية،
كما لو أنني أكنس أثر ذلك الزمن من تحت جلدي.
والأهم: لم أعد أطلب من الناس أن يروني.
كنت فقط أحاول أن أرى نفسي، من جديد،
في مرآة لم يعُد فيها سوى انعكاسي،
واضحًا،
كاملاً،
حتى لو كان مثقوبًا.

6: ( المقصّ في الذاكرة )

من بين كل ما كتبته،
وكل ما صنعته،
وكل ما عشته،
ما عَلِقَ في أَلسِنَةِ بعضِهِم كان شيء واحد فقط : “الحلاق”.
ليس كتفصيل،
بل كل الحكاية.
وكأنهم أمسكوا بخيط صغير من حياتي،
وربطوا به عنقي،
ثم تركوا بقيّة الخيوط تتعفن في الظل.

لم يقل أحد: هذا شاعر،
روائي،
أو صانع أفلام،
ولا حتى خريجًا جامعيًّا ! .
لم يقولوا:
هذا مدرس في الفنون، عاش الحرب، وقاوم الجوع، وكَتَبَ ليبقى.
قالوا فقط: “حلاق”.
بعضهم كان يقولها ببراءة،
وبعضهم بضحكة نصف خفيّة،
وبعضهم بلؤم مكتوم.
وكان يمكنني أن أتجاهلهم، لو لم أعرف ما يُراد منها.
الكلمة لم تكن وصفًا،
بل طعنة.
وسكينها ليس في معناها،
بل في ما تُخفيه من نيّة.

الاحتقار
لا يحتاج إلى شتيمة.
أحيانًا يحتاج فقط إلى تقليل.
أن يُختزَل إنسان في مهنة عابرة.
أن يُنسى كل كفاحه،
فقط لأنّ أحدهم لم يحتمل أن يراك تُواصل،
تُنجز،
تنهض.

لكنني أعرف، الآن، ما لا يعرفونه:
أنني حملت المِقص كما يحمل آخر قلمه.
أنني جلست على كرسي الحلاقة كما يجلس آخر على مكتب تحريري.
وأنني،
وأنا أحلق رؤوس الآخرين،
كنت أُصفّي أفكاري،
أسمّي أوجاعي،
وأُفكّك النصّ الذي صرت أكتبه بعد سنين.

هُم لا يعرفون
أن الشِّعرَ يمكن أن يولد في مكان بلا كُتُب.
أن القصيدة يمكن أن تنمو في يدين خشنَتين، كانتا تغسلان الرأس قبل قليل.
أن الفن ليس مهنة، بل مقاومة.

لكنني لست غاضبًا.
لا أقول هذا مِن كرم،
بل مِن معرفة.

الغضب يأكل ما تبقّى من القلب،
وأنا احتجت هذا القلب لأكمل الكتابة.

أنا لا أنكر أنني كنت حَلاقًا.
لكنني أنكر أن هذا وحده أنا.

أنا كنت حلاقًا…
وكانت القصائد، في داخلي، تقصّ رأسي كل يوم.

7: ( ضدّ المحو )

أكتبُ.
لا لأُخبر العالم من أنا،
بل لأُذكِّرَ نفسي أنني ما زلت موجودًا.

في هذه البلاد،
في هذا الزمن،
في هذا الجسد الذي مشى فوق ألغام الحرب،
ونام على وسائد الفقر،
وجلس لثلاثة عشر عامًا أمام مرايا لا تعكس إلا تعبًا بلا اسم.
أكتبُ،
لأن المحو حرفة أخرى،
لا يمارسها الطغاة وحدهم،
بل أيضًا أولئك الذين يعيشون بيننا،
صغارًا،
طريّين،
يحملون إبرة الخبث في نظراتهم،
ويغزلون بها شِباك التحقير.
هؤلاء حاولوا أن يُطفئوا ناري بلفظة.
“حلاق.”
كأنَّ الكلمة سطل ماء.
لكنهم لم يفهموا أن الجمر لا يُطفأ بالماء،
بل يشتعل أكثر حين يُهان.

أنا أكتب، إذن،
ضدّ النسيان،
ضدّ المسح،
ضدّ اختزال الإنسان في صورة واحدة.
أكتب لأني نجوت،
لا بالصدفة،
بل بالمثابرة.
أكتب لأن الكتابة، بالنسبة لي، ليست اختيارًا،
بل رد فعل على كل ما أرادوا مني أن لا أكونه.

كتبت أربع مجاميع شعرية،
ثلاث روايات،
مقالات نقدية،
نصوصًا تُشبهني.
كتبت لأن المقص لم يكن كافيًا،
ولأن الحياة التي تُرى من مرآة الحلاقة،
تحتاج دائمًا لمن يُفسّر صمتها.

في كل صفحة، أنا أقاوم.
وفي كل سطر،
أنا أستعيد شيئًا نسيه الزمن منّي.
ليس المجد ما أبحث عنه،
بل الدقة.
أن أترك أثرًا يشبهني.
بسيطًا،
عميقًا،
لا يصيح،
لا يركض،
لكنه يظل هناك،
كظلّ حقيقي في عصر الصور الكاذبة.

وإن بقي أحدهم يصرّ على رؤيتي من خلال مهنةٍ لم تجرّح كرامتي أبدًا،
بل منحَتني نَفَسَ الصبر، فسأقول له ببساطة:
نعم،
كنتُ حلاقًا.
لكني أيضًا
كتبت، حين كنتم تصمتون.
تكلّمت، حين كنتم تهمسون.
وقفت، حين كنتم تنحنون.
أنا، في النهاية، رجل لا يُختصر.

خاتمة:
إلى من قاد هذا العبث
إلى الحرب، أولًا، تلك التي ابتلعته دون أن تسأله : هل أنت مستعد؟
جرَّت جسده من بوابة الفن إلى خنادق الموت،
وقايضت دفاتره المدرسية بلون الدم والتراب.
سبع سنوات نَزَفَتها من روحه، ولم تعتذر.
مزّقت أحلامه ثم مضت،
ككل الجلادين،
دون أن تلتفت لما خلَّفته من خراب.

وإلى الذين كانوا يكتبون القصيدة وهم آمنون،
يشربون القهوة على الأرصفة،
يثرثرون في المهرجانات،
يتفلسفون في المقاهي،
بينما كان هو يَحلِق الرؤوس في زمن الحصار كي لا يمدّ يده للذل.
أولئك الذين يدّعون الثقافة،
ويتقنون فقط الرجم بالغمز،
والازدراء المقنّع،
والسخرية من حياة لم يعرفوا قسوتها.
هُم،
بكل صراحة، شركاء في الإساءة.
ليس لأنه كان حلاقًا،
بل لأنهم جبناء.


لأنهم ما استطاعوا أن يكونوا شيئًا ذا قيمة،
فراحوا يقلّلون مِن كلِّ مَن صَار.
هم يعرفونه،
لكنهم يرفضونه.
لأن سيرته تُربكهم.
نجاته تُربكهم.
إصراره يُربكهم.
ولأنهم، ببساطة، لا يحتملون أن يكون الفن ابن الجوع،
لا ابن الامتياز.
هو لم يطلب منهم تصفيقًا،
بل فقط أن لا يبصقوا.
لكنهم فعلوا،
لأنهم ظنّوا أن التقيؤ عليهم لا يُظهره، بل يُخفيهم.
وخاب ظنّهم.
هم كثيرون،
وأكثر مما ينبغي.
يزاحمون الضوء ويعيشون من فتات بعضهم.
يتواطأون مع النسيان،
ويقيمون الصروح على أنقاض من لم يملك الوقت،
أو المال،
أو الحظ،
ليكون في الصورة.
لكنهم الآن،
كلهم،
يواجهون نصَّهُ.
نصَّهُ الذي لا يعتذر،
لا يبرّر،
لا يطلب إذنًا.
نصّهُ الذي هو مرآة قاسية،
حادّة ،
تشقّ الجهل بنصل التجربة.
هو لم يُهزم.
هم المهزومون.
بلا حرب،
بلا ميدان،
بلا معنى.
هو موجود، رغم الحرب، ورغمهم.
يكتب.
يفكر .
يجوع .
ينجو.
ويظل، كلما نادوه “حلاقًا”، يبتسم ويواصل.
لأنه يعرف:
أن القصيدة الأخيرة، دائمًا، له.