حفل رئاسي.. المخفي من تاريخ الرعب

حفل رئاسي.. المخفي من تاريخ الرعب

جاسم الحبجي

” حفل رئاسي ” رواية للكاتب العراقي سعد العبيدي صادرة عن منشورات ضــــفاف -بيروت –  2015 في طبعتها الاولـــــــى بـ 247   صفحة . وكما يشير عنوانها الجانبي الذي وضعه الكاتب فالرواية هي ” وقائع غير مروية من احداث مجزرة قاعة الخلد عام 1979. في راي الشخصي أصنف الرواية ضمن الروايات السياسية – التاريخية فهي تتكلم عن التاريخ السياسي للعراق المعاصر في عهد حزب البعث وتحديدا بداية استلام الرئيس العراقي السابق صدام حسين المجيد للسلطة خلفا للرئيس احمد حسن البكر . وموضوعة الرواية تتكلم عن ما سمي بتاريخ العراق المعاصر ب ( مجزرة قاعة الخلد 1979) هذه المجزرة التي قام بها صدام حسين بعد استلامه للسلطة مباشرة حيث استدعى قيادات حزب البعث العربي الاشتراكي في هذه القاعة بعد استلامه للسلطنة واتهمهم بالتآمر على الحزب والثورة وزج رفاقه بالسجن وقام بمحاكمتهم محاكمة صورية كما يثبت الكاتب في روايته واعدم قسما كبيرا منهم من الكادر المتقدم ومنهم منظر الحزب عبد الخالق السامرائي ومحمد عايش وعدنان حسين واخرون. والبقية زجهم بالسجون بأحكام تتراوح ما بين سنة الى خمسة عشر سنة . استطاع الكاتب ببراعة من تصوير الكثير من الوقائع الخفية التي تخص هذه الحادثة التاريخية التي لم يمط اللثام عنها الا بعد سقوط صانعها ومهندسا الذي حكم العراق بنظام بوليسي لم يشهد له التاريخ مثيلا. لقد استخدم الكاتب ببراعة مهاراته وخبرته السيكولوجية والأدبية والسياسية ومعلوماته التي حصل عليها بعلاقاته الخاصة والعامة كما يبدو لي استخدمها لصنع رواية مأساوية تصور لنا جزءاً بسيطاً من حياة العراقيين من النخبة السياسية وصانعي الأحداث السياسية التي راحوا ضحية لها بسبب حب الكراسي والمناصب لقد كان اغلب ضحايا مجزرة الخلد هم من الناجحون في مجال عملهم وزراء او سياسيين عسكريين قيادات في شتى المجال حتى ان بعضهم يتساءل لماذا اغلب الضحايا او المتامرين كما يسميهم الرئيس هم من الناجحون والمخلصون في أعمالهم وممن خدم وطنه بحب وتفان واخلاص ولم يكونوا يميلون للعنف والكراهية إذا كانت هناك مؤامرة فعلا ولكن لم يكونوا هم ابطالها بل الرئيس هو من كان بطلاً وصانع هذه المؤامرة كان يتامر على رفاق الامس يريد ان يتخلص من كل سياسي وعسكري ناجح ممكن ان ينافسه على الكرسي مستقبلا وهكذا كانت مجزرة قاعة الخلد من صنع خيال الرئيس انها رواية بوليسية لا وجود لها اختلقها الرئيس ليتخلص من كل رموز الحزب البارزة ليبقى هو القائد الأوحد والزعيم الأوحد والرئيس الأوحد والرفيق الأوحد صانع الحرب والسلام بطل الأمة المغوار والمنظر الوحيد وصانع امجاد الامه .الرواية تتبع ما بين السطور وما بين الأحداث المخفي منها استطاع الكاتب بجهد استثنائي ان يحصل على المعلومات المهمة والجديدة ويوظفها بخبرته الأكاديمية والعلمية لينتج لنا نصا أدبيا رائعا تمتزج فيه السياسه بالتاريخ والادب والخيال ويعطينا صورة مأساوية لما كان يحدث في عراق صدام حسين من مآس اغرب من الخيال العلمي ورغم ان الرواية فيها الكثير من التفاصيل الا انها كما أشرنا ركزت على المخفي والمهمل وغير المروي من هذه المجزرة او الحدث التاريخي وقد تتبع الكاتب حكاية مجموعة من الضحايا من النخبة السياسية لحزب البعث وهم مجموعة من السفراء العراقيين في أوربا في اسبانيا وألمانيا وفرنسا ومن الكادر المتقدم لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي صنعوا بعض الاحداث المهمة في حقبة البعث مثل تأميم النفط العراقي وحل المسالة الكردية وغيرها من المشاكل التي واجهت العراق في زمن حكم البعث ايام الرئيس احمد حسن البكر وكيف ان صدام حسين استدعى هؤلاء السفراء الذين جاءوا بكل سهولة لأنهم لم يفكروا يوما انه سيتجرأ عليهم ولم يتوقعوا ان يكون مصيرهم الإعدام أو السجن او الاغتيال في السجن بِسْم الثاليوم او الحرق او التعذيب حتى الموت لكن هذا ما حصل ولم ينجوا منهم الا بعدد الاصابع الذين استطاع ان يرووا فيما بعد هذه المآساة الخيالية . الرواية يمكن للمؤرخ او السياسي او الأديب و الصحفي او المثقف او الناقد ان يقرأها وان يستلهم الدروس والعبر منها او ان يخضعها لمعايير النقد السياسي او الأدبي التاريخي فهي رواية تحمل في طياتها كل ذلك .