جهد معرفي يسبر أغوار الماضي – غيداء عبد الرحيم الساعدي

قراءة في كتاب تاريخ الدولة الفاطمية لمحمد بحر العلوم

جهد معرفي يسبر أغوار الماضي – غيداء عبد الرحيم الساعدي

رغم قلة المصادر وندرتها إلا أن العلامة الدكتور السيد محمد بحر العلوم (رحمه الله تعالى) ومنذ أربعينات القرن الماضي كان قد تمكن من خلال بحثه هذا والمتمثل بثلاثة أجزاء من الكتابة عن خمسة خلفاء, ثلاثة ضمنهم في الجزء الأول (المهدي – القائم – المنصور) فيما ضم الجزء الثاني الخليفة الرابع وصقر فاطم (المعز) وخص الجزء الثالث الخليفة (العزيز بالله) خامس الخلفاء الفاطميين وجانباً من حياة الخليفة (الحاكم بأمر الله), غير ان هناك جزء رابع لم ينجز لجملة من الأسباب كان أهمها ان العلامة رحمه الله كان قد كتب بحثه هذا ثم تغرب مرغماً في عهد الدكتاتور صدام الذي حكم عليه بالإعدام غيابياً حيث ابتعد عن الوطن لأكثر من ثلاثة عقود ونصف تاركاً أعماله الفكرية في العراق ومن ضمنها هذا البحث النادر وقد شاء الله ان يستأنف العمل عليه بعد كل هذه السنين, ليتمكن رحمه الله من التبحر في تاريخ الدولة الفاطمية ونشأتها وكيف أنها نافست الدولة العباسية في بغداد من خلال أعمالها المجيدة, متعكزاً على ما نقله المؤرخين الموثوقين أمثال ابن خلدون وابن الأثير والمقريزي وغيرهم موضحاً كيف ان العباسيين تسنموا عرش الخلافة وتشبثوا به أيما تشبث معتمدين شتى الأساليب ومارين بأدوار امتازت تارة بالقوة وأخرى بالضعف حتى أُطلق عليها حينذاك بعصر الانتعاش المؤقت وهي الفترة ما بين (256- 295), ونسبهم الذي أختلف فيه المؤرخون بسبب الخلفاء العباسيين الذين أعيتهم الحيل ووهنت قواهم في سبيل الحط من مقام الفاطميين لئلا يتلاشى عرشهم بسبب ظهور الفاطميين في مصر, ولكنهم ضعفوا عن التنكيل بدعوتهم لان دعوة الفاطميين قد أثرت على سيطرتهم أشد التأثير كونهم مثلوا القوة الفتية الطموحة الآخذة في النماء والتي تريد مد نفوذها وسيطرتها بدلاً من الخلافة العباسية المنهكة. لقد استند رحمه الله في بحثه المتخم بالروايات والهوامش الدقيقة والتي تعزز بدورها أهميته لدى المختصين في التاريخ الإسلامي كونه يتناول مرحلة مهمة وحساسة قلَّ عدد الباحثين فيها, مستندا الى مصادر موثوقة لتكون مرجعاً لكل المهتمين في هذا المجال.

الجزء الأول

تناول الجزء الأول من البحث إمام الإسماعيلية ومؤسس الدولة الفاطمية عبيد الله المهدي وقيامه بأعمال الرياسة الروحية وهيمنته على شؤون الدعوة وطرق نشرها وسيرها في بلاد فارس واليمن والمغرب وكيف انها تكللت بالنصر وبدأت بالانتشار والظهور وامتداد القوى الفاطمية على مصر وقيام الحملات الثلاثة شديدة الوطأة على مصر ليبلغ منها مأربه, وكيف كان لهذه الحملات أثراً كبيراً في نشر التشيع في تلك البلاد طوال حكم الدولة الإخشيدية (322 – 358 ه) على الرغم من انه جدَّ في هذا المشروع الخطير إلا أنه لم يفلح.

كما تطرق أيضاً الى تركيزه في الحكم وسياسته مع المغرب ومع الأدارسة وخوضه الحروب واستيلائه على بلاد المغرب ونجاح الفاطميين على الأدارسة من الناحيتين الدينية والسياسية. وأيضاً تناول الخارجون عليه وعلاقته مع صقلية وعلاقته مع العباسيين.

فيما تناول كذلك القرامطة ونشأة حزبهم وشيوعه وقرامطة البحرين وما هو موقف أبي سعيد الجنابي مؤسس الدولة القرمطية في البحرين من الخليفة الفاطمي المستقر عبيد الله المهدي وخلفاء أبي سعيد ومن بينهم أبو طاهر الجنابي وموقفهم تجاه المهدي.

قائد مغوار

القائم بأمر الله هو ثاني الخلفاء الفاطميين الذين ضمَّنهم البحث موضحاً كيف انه كان قائداً مغواراً لا يستغني عنه ابوه الذي دفعه كثيراً في معترك الوغى ليصلي به أعداءه ويدافع عن حوزة ملكه متحملاً مسؤولية تربية دولة والده الناشئة, وقد أوضح الباحث بحر العلوم رحمه الله ودون اسهاب في سرد الأحداث التي لاقاها والد القائم ثانــــــــية, ان القائم في زمان خلافته لاقى أنواع الأذى والألم.

أما ما جاء في هذا البحث حول الخليفة الثالث وهو المنصور بنصر الله ومشاركته لوالده القائم في أكثر حروبه على الرغم من عدم تمتعهما في لذة الملك والخلافة لما لاقاه من الخارجي أبي يزيد وحتى سنة 334 هـ, حيث وفاة القائم والسبب الذي دفع المنصور من القيام بشؤون الملك دون أن يعلن عن وفاة أبيه, وكيف جعل المنصور القائد الخارجي يكر على عقبيه, وعلاقته بصقلية والقرامطة وقد ختم بحر العلوم حديثه عن كل من الخلفاء الثلاثة الذين تم ذكرهم في الجزء الأول بشرحٍ موجز عن صفاتهم الشخصية وأخلاقهم ومولدهم ونشأتهم.

الجزء الثاني

أما الجزء الثاني من البحث فقد أهتم بدراسة المعز لدين الله رابع الخلفاء الفاطميين بدءاً من مولده ونشأته وتسنمه لولاية العهد قبل تجاوزه العقد الثاني من العمر وحياته السياسية والإدارية والدينية والعلمية الناجحة التي جعلته يدير دفة الحكم بانتظام ثم حكمه في المغرب وسيطرته على مصر وفتح الشام وعلاقة الفاطميين بالقوى الموجودة والمتمثلة بالعباسيين والقرامطة والحمدانيين.

الجزء الثالث

لقد تناول الجزء الثالث من البحث في الفصل الأول منه سيرة العزيز بالله الفاطمي منذ ولادته ونشأته وتوليه للعهد ووفاته فيما تناول في الفصل الثاني سياسته الخارجية تجاه هفتكين والقرامطة والبويهيين والمفرج بن دغفل الطائي وبكجور وسعد الدولة, وتحدث المؤلف عن الدعاية الفاطمية في بلاد اليمن ثم صاغ تساؤلاً مفاده: هل نجح الفاطميون في اليمامة؟ ثم تطرق الى الحكم الفاطمي بأفريقيا والمغرب.

في الفصل الثالث من الجزء الثالث تحدث المؤلف عن حياة العزيز بالله الفاطمي وسياسته الداخلية وأنظمة الحكم, وتطرق الى طرح تساؤل مفاده : هل تزوج العزيز بنصرانية؟؟ وقد خصَّ في الاجابة عن هذا السؤال ان الروايات النصرانية تؤكد زواجه بنصرانية وانجابها له عددا من البنين فيما لا تشير الكتب الإسلامية الى هذه الناحية.

وناقش المؤلف في هذا الفصل أيضاً جانباً من حياة الحاكم بأمر الله من حيث ولادته ونشأته وصفاته التي أجمعت الروايات عليها حيث السخاء والكرم والعدل.

لقد وضع لنا السيد بحر العلوم في بحثه هذا الخطوط العريضة التي يمكن الاستفادة منها في دراسة تأريخ العهد الفاطمي الذي غُيَّب كثيراً في الكثير من المصادر العربية.

وحرص رحمه الله على تدوين الأحداث وعرضها بشكل موضوعي بنَّاء يؤدي الى الغرض كاملاً وشعوراً منه في ان المكتبة الإسلامية بحاجة الى اصدار حديث يشرح فيه أهداف ورؤى تلك الحقبة مستعيناً بمجموعة كبيرة من المصادر والمراجع العربية والانكليزية التي تكبد عناء ترجمتها وتحقيقها وقتذاك الكثير من الجهد والمال والوقت رغم قلتها وصعوبة الحصول عليها.

1- معلومات عن الكتاب

عنوان الكتاب : تاريخ الدولة الفاطمية

المؤلف : العلامة الدكتور السيد محمد بحر العلوم

الطبعة : الأولى

سنة الطبع : 2018م

دار النشر : العلمين للنشر

عدد الأجزاء : ثلاثة أجزاء

عدد صفحات كل جزء : الجزء الأول 296 صفحة

الجزء الثاني 316 صفحة

الجزء الثالث 255 صفحة

المراجعة والتحقيق : أ .م .د حيدر لفتة مال الله من كلية الآداب بجامعة الكوفة

2- معلومات عن المؤلف

ولادته : من مواليد مدينة النجف الأشرف في سنة 1927 م

نسبه : ينتهي نسبه الى السيد ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم الغمر بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب

وفاته : في السابع من نيسان عام 2015

تراث المؤلف التاريخي:

عدد الكتب المطبوعة : 14 كتاباً

عدد البحوث المطبوعة : 18 بحثاً

عدد الآثار التحقيقية التاريخية : 3

عدد الآثار التي قدم لها المؤلف : 9

عدد الآثار التاريخية المخطوطة للمؤلف : 4

عدد آثار السيد بحر العلوم في حقل التراجم : 33