جعفر علي.. لكي لا تمر الذكري السنوية لرحيله مرور الكرام

جعفر علي.. لكي لا تمر الذكري السنوية لرحيله مرور الكرام
مبدع موسوعي يرسي دعائم المسرح الجاد ويتصدي للأعمال الهابطة

صباح المندلاوي
تعرفت علي الفنان الراحل جعفر علي للمرة الاولي في اواخر الستينات حينما حملت له رسالة من فنان الكاريكتير الراحل حميد المحل وفيها يطلب تقديم ما يمكن تقديمه لي من مساعدة لغرض تسهيل قبولي في اكاديمية الفنون قسم المسرح عام 1968.
واذ حان موعد الاختبار من لجنة القبول في الاكاديمية واغلبهم من الاساتذة الاجلاء واذكر منهم: ابراهيم جلال سامي عبد الحميد واسعد عبد الرزاق وجعفر علي.
سألني الاستاذ جعفر: ما الذي يدعوك لاختيار فرع المسرح في اكاديمية الفنون الجميلة؟ قلت له: ثمة رغبة حميمة في ان اخدم شعبي عبر نافذة المسرح وما ينطوي عليه من قيم انسانية وثورية نبيلة وباساليب متنوعة وجمالية اكتفي بما ورد علي لساني من اجابة. بقية اعضاء اللجنة بدأوا باختباري ايضا كل وحسب اختصاصه. مرت ايام وظهرت النتائج فاذا بي اقبل في كلية الاداب وفي اكاديمية الفنون الجميلة حيث ان معدل تخرجي من الثانوية كان يزيد علي السبعين باربع درجات. اخترت الاكاديمية وانتظمنا نحن الطلبة في صفوف عدة.. ها هو الاستاذ جعفر علي يتولي تدريسنا مادة (الاذاعة والتلفزيون). بل ويعود له الفضل في القيام باول زيارة لمبني الاذاعة والتلفزيون في الصالحية وكجزء من التطبيقات العلمية والتعرف علي اقسام الاذاعة وسير العمل فيها. خلال تجواله في اروقة الاذاعة كنا نتلمس احترام وتقدير العاملين فيها له. اذ سبق وان شغل منصب مدير التلفزيون في مطلع الستينات بعد ان انهي دراسة الاخراج السينمائي في جامعة ايوا الامريكية عام 1961، ما اكثر ما كان يحدثنا عن الافلام السينمائية او شاهدها اثناء دراسته في الخارج وفي احيان يترجم ما يراه ضروريا من المقالات في هذا الميدان ولفائدة الباحثين والمتتبعين.
لازلت اذكر جيدا واذ لم تمض اسابيع علي دخولنا الاكاديمية حتي صرنا نشهد بين اونة واخري فيلما متميزا في نادي الاكاديمية وباشرافه ومن هذه الافلام (العام الماضي في مارينياد اخراج الان ربنيه من فرنسا وهو من الافلام المثيرة التي يتدخل فيها الحلم بالواقع ويتجاوز السائد والمالوف ويحمل المبتكر حتي نخال اننا امام لوحة سريالية دون ان ننسي التقديم الجميل للفلم والملاحظات النقدية من الفنان الراحل. وبحكم اتقانه اللغة الانكليزية وهو الذي درس الادب الانكليزي في كلية الاداب جامعة بغداد وتخرج فيها عام 1956 فضلا علي سفره الي امريكا وحصوله علي الماجستير في السينما والتلفزيون لاحقا تراه يترجم من الكتب والمقالات ماله علاقة بالسينما والتلفزيون والمسرح. في مطلع السبعينات يحمل الينا نحن طلبة الاكاديمية مسرحية بعنوان (فيت روك) لميغان تيري وهي من ترجمته مفكرا في اخراجها لصالح الاكاديمية وعنوان المسرحية كما لو يقترب من (الروك اندرول) الرقصة الامريكية الشهيرة وللدلالة علي الخسائر التي تكبدتها القوات الامريكية علي ايدي الفيتناميين وهم يخوضون حرب المواجهة والتحدي.
وما زلت احتفظ بين اوراقي نص اللقاء الذي اجريته معه والذي نشر في جريدة الجمهورية عام 1970 مسلطا الضوء علي ما تحمله المسرحية من قيم وقضايا جاءت نتيجة المعاناة والتمرد ضد الحرب الاستعمارية في فيتنام وبما يؤكد الرغبة الانسانية في ان يسود السلام علي الارض وعن الفرقة المسرحية التي قدمت هذه المسرحية نراه يقول: (في عام 1966 عندما حاولت هذه المجموعة تقديم مسرحيتها (فيت روك) لم تجد غير الساحات العامة والمقاهي لان ابواب المسارح في برودواي لا تفتح الا للعروض التي تجد اقبالا تجاريا). قدمت هذه المسرحية في العراق في حصن الاخيضر بكربلاء وفي الهواء الطلق ومثلها طلبة الاكاديمية علي اختلاف مراحلهم واذكر منهم الفنان حسن عبد وجواد الاسدي وعقيل مهدي وعبد الجبار كاظم وعز الدين طابو، فكانت بحق تجربة جديدة ومهمة اثارت صدي حسنا واهتماما ملحوظا في الوسط الفني كنت يومها امثل دورا في المسرحية دور الجندي الخائف من اهوال الحروب ولا زلت اذكر جيدا صورة المخرج الراحل جعفر علي بقامته القصيرة وهو يحمل الاكورديون ويعزف ببراعة ملحوظة ليربط بين مشاهد المسرحية بل ليذكي ضرباتها وردود افعالها فيما بعد اكتشفت انه يجيد العزف علي البيانو ايضا ويمارس الرسم بل ان اغلب تصاميم وديكورات المسرحيات التي يخرجها كان يصممها بنفسه وكان فنانا تشكيليا متمكنا ومحترفا حقا انه كان متعدد المواهب سريع البديهة ذا شخصية مرحة دعاباته الساخرة وتعليقاته الذكية تلفت الانتباه ما اكثر الطرائف والملح التي كان يرويها في اروقه الاكاديمية او في فرقة مسرح اليوم ليلطف الاجواء وليشد الحضور الي التواصل والعطاء وتحدي الظروف الصعبة والامكانيات الشحيحة وصولا نحو الاحسن والابهي.
دماء شابة
لقد وجدنا فيه الاستاذ الموسيقي المتفتح المبدع الساخر اللاذع، الجريء، الشجاع المفعم بالروح الوطنية والتقدمي في افكاره وطروحاته ومن هنا كان محط ارتياحنا واعجابنا، وبلا شك حينما تقدم لتأسيس فرقة مسرح اليوم ومعه نور الدين فارس ونجيب عربو والتي اجيزت في الرابع من اب عام 1969 واختير رئيسا للفرقة تقديرا لمكانته وخبرته حتي بادرنا نحن مجموعة من الطلبة للانتماء اليها ورفدها بالدماء الشابة مع حرصنا علي الحضور يوميا للمشاركة في باكورة انتاجها (الغريب) للكاتب نور الدين فارس ومن اخراج الفنان الراحل جعفر علي والمسرحية تعكس اغتراب الانسان في مجتمع يتأكله الجشع والطمع والنزوات الشريرة واللاانسانية مثل الشخصية الرئيسة شدهان الذي جسدها الفنان ناظم شاكر الي جانب كوكبة من الوجوه المعروفة واللامعة ومنها: قاسم حول ، عبد الوهاب الدايني، بسام الوردي، فاطمة الربيعي، علي فوزي، علي رفيق، اديب القليه جي ، وداد سالم، فيصل المقدادي، ازهر جواد، فاضل الحلاق، صفوت الجراح، عباس الجميلي، علي كامل، عز الدين طابو وكاتب هذه السطور قدمت المسرحية في الخامس من كانون الاول عام 1970 علي خشبة المسرح القومي في كرادة مريم. وتتوالي الاعمال الاخري التي تجمعنا يوميا في باحة الفرقة الكائن في عمارة الطريحي – شارع السعدون مع هذا الفنان القدير الذي لن ننسي دوره البارز في غرس حب المسرح والتعرف اليه عن قرب وبما يعزز التوجه من اجل مسرح عراقي انساني المضمون وبما يكرس ان المسرح للشعب وبكل تألق وابداع وبعيدا عن الهبوط والانحطاط والسذاجة والارتجال.
لقد اخرج في عقد السبعينات المسرحيات التالية للفرقة
1- الغريب
2- ضرر التبع تاليف تشينحوف وقد مثلها الفنان المبدع قاسم حول وقدمت بمناسبة يوم المسرح العالمي
3- قصة حديقة الحيوان تأليف ادوراد البي . وقد جاء في كلمة المخرج ضمن بروكرام المسرحية.
(العالم الرأسمالي يحيل الانسان الي الة صماء تقوم بوظيفة واحدة هي انتاج البضاعة وجني الربح
والعالم يحيل الانسان المرهف الي حالة من التمزق الذي لا يطاق وحين لا يدرك هذا الانسان حقيقة الصراع الطبقي فانه يدور في فلك دوامة تعتصر قواه وتستنزف طاقاته وتجعله يعيش قلقا دائما وشكا في حديقة حيوان كبيرة هي المجتمع الرأسمالي وينتهي في غموضه بالعدم).
4- السؤال تأليف محي الدين زنكنة.
5- وبالاضافة الي عمله كمخرج مسرحي عرفناه ممثلا وها هو يمثل دور السجين في مسرحية (مواطن بلا استمارة) لكاتبها عبد الصاحب ابراهيم ومن اخراج الفنان وجدي العاني.
قدمت هذه المسرحية ضمن احتفالات يوم المسرح العالمي وكانت احدي الاعمال المتميزة لكنها لم تمنح الجائزة وهناك من يعتقد بأن السبب هو ان كاتب المسرحية تبعية ايرانية وربما الممثل (جعفر علي) تلاحقه مثل هذه التهمة ايضا.
اعمال عالمية
ولم تكتف الفرقة بتقديم اعمال مسرحية تركت اصداء ايجابية ومهمة في الساحة المسرحية بل سعت لتقديم اعمال تلفزيونية عالمية ومحلية متنوعة ولنا ان نشير الي بعض منها وهي من اخراج الفنان الراحل جعفر علي
1- صمت البحر لفيركور وبطولة الفنان الراحل بسام الوردي
2- الرجل الذي فقد رائحته تأليف عارف علوان وبطولة قاسم حول واديب القليه جي وتمثيل نجيب عربو وعلي فوزي وفاروق اوهان وكاتب هذه السطور
3- سترة توصاه اعداد جعفر علي
4- شناشيل وهيب تأليف نور الدين فارس وتمثيل سليمة خضير
5- زهرة السلطان اعداد جعفر علي وتمثيل وداد سالم وعلي فوزي وكاتب هذه السطور
6- الابرة واللهب تأليف نور الدين فارس
7- القضية رقم 2 تأليف عارف علوان وقد سجلت هذه التمثيلية للتلفزيون ولم تبث كونها تتصدي لموضوع الفساد الاداري والبيروقراطية وقد ادي دور البطولة فيها الفنان علي فوزي بالاضافة الي اغلب اعضاء الفرقة.
اما علي صعيد السينما فقد اخرج الافلام التالية
1. الجابي لصالح مؤسسة السينما والمسرح عام 1965 وقد مثل دور البطولة فيها الفنان اسعد عبد الرزاق
2. المنعطف عن رواية (خمسة اصوات) للروائي غائب طعمة فرمان
3. سنوات العمر – لم تسمح لجنة رقابة الافلام بعرضه
4. نرجس عروس كردستان.
كذلك عمل مخرجا منفذا لفلم (حمد وحمود) من اخراج ابراهيم جلال.
ويعد الفنان الراحل واحد السينمائيين المبدعين ممن كانوا يحلمون بقيام سينما عراقية بديلة تتجاوز السائد والمألوف وتحلق عاليا في فضاءات من السحر والجمال والخيال وتغترف من الواقع المؤلم والمرير الكثير. ولعل مما عجل في رحيله عام 1998 هو ما تكالبت عليه من فواجع وماس برحيل زوجته (ام سندي) وكذلك كريمته سندي تلك الطبيبة التي اتهمت بانها تقف خلف وفاة احد رجالات النظام السابق المهمة. يذكر ان الفنان الراحل اعتقل في التاسع عشر من اذار عام 1963 وقد اطلق سراحه في الثاني من ايار عام 1963 بعد ان لم تثبت التهمة بحقه ولاحقا اشرف علي اصدار سلسلة بعنوان مختارات من المسرح العراقي – واذكر من بين المسرحيات التي نشرتها هذه السلسلة (جسمان ومظلة) للفنان سعدون العبيدي (سترة توصاه) اعداد جعفر علي (حسن افندي) لطه سالم (المدمن) لتوفيق البصري (زهرة الــــــسلطان) اعداد جعفر علي. بقي ان نذكر ان الفنان الراحل من مواليد عام 1933 وفي محلة علاوي الحلة – بالقرب من سينما قدري – بغداد – ويعد واحدا ممن ارسوا دعائم المسرح الجاد والسينما والواقعية الجديدة وتصدوا بقوة وشجاعة للاعمال الهابطة الهزيلة ومن اجل فن حي اصيل يتوهج بالحب والحياة ويبدد العتمة.
في الذكري السنوية لرحيله – في السابع من شباط – الجماعات المعنية والمؤسسات الفنية مدعوة لان تحتفي به وتكرمه من خلال جلسات استذكارية او تنظيم زيارة لضريحه والتفكير باطلاق اسمه علي احد المعاهد او احد المهرجانات السينمائية المسرحية هذا بالاضافة الي جمع وطبع اثاره وتخصيص جناح لما تركه من افلام ومسرحيات وسيناريوهات واعمال تلفزيونية وكتابات متنوعة فهو بعض الوفاء لمن نذروا انفسهم للدفاع عن فن شعبي هادف ورفيع يقارع الجهل والتخلف وقوي الشر والظلام ومن اجل ثقافة وطنية بناءه وبديلة.

/2/2012 Issue 4116 – Date 7- Azzaman International Newspape

جريدة «الزمان» الدولية – العدد 4116 – التاريخ 7/2/2012

AZP20