تَنَمُّر. تَنَمُّر – علي البدر 

تَنَمُّر. تَنَمُّر – علي البدر

أفكار تبدو متناقضة أحيانا، أمر غريب حقا والأغرب منه تلك المحاولات المتواصلة التي حاول أستاذ الرواية غرسها في نفوسنا بأن الإنسان شرير بطبعه، متقمصًا أفكار مؤلفها «وليام كولدنك» وروايته «أمير الذباب»! وغالبًا ما يسخر من رأيي المعارض رغم بعض مصادري التي تتعلق بالدين وغيره، وآخرها  كتاب «إميل» لمؤلفه جان جاك روسو. الإنسان حسب البيئة التي يتربى بها. وما الضير أن يكتسب الأستاذ من طلابه بعض الصفات التي يفتقدها؟ التربية عملية مشتركة. وعندما لا يكذب الأبوان يكون الأبناء ميالين إلى الصدق أكثر من الكذب والعكس صحيح. الابن إذن يساهم في تغيير سلوك الأبوين. هذه هي الحياة. أخذ وعطاء.

حاورتُ المدير:

–     يا أستاذ. ما هذا التصرف الغريب الذي فاق حدوده؟

– أما تراه؟ طالبا مشاكسًا لا يفيد معه أي شيء. المدح والثناء، التهديد والوعيد. الضرب والركلات والكفخات. كلها لا تفيد. لا ندري ماذا نعمل!  وبنفس الوقت مهمل في دروسه.  يشاكس الطلاب. يسرق الأقلام والدفاتر . وقد علمت أنه يتيم وأمه ضعيفة البصر وهو تحت وصاية خاله القاسي.

– ما رأيك لو نضع له خطة لإصلاحه؟ قلت بحماس.

– أوافق. لأخلصَ من تأنيب الضمير على الأقل.

– ألمهم. إنه طفل فاقد الحنان وبحاجة إلى صدر حنون يحتضنه. يرى أصدقاءه مع آبائهم ويبقى هو في الحسرة. أمٌّ عمياءَ عاجزةٌ، وخالُهُ رجلٌ جاهلٌ وقاس. لابد أن نتبناه ونمنحه الحنان من خلال احترام طفولته وغرس الثقة بنفسه.

– حلو. كلامك حلو. والبداية؟

– تكلمْ معه وازرع الثقةَ بنفسه. اجعله مراقبَ الصف. يسجل الطلاب المشاكسين بالساحة. مَن يضرب أو يتصارع مع آخر.

– ولكن كيف نجعله مراقبًا وهو قد تعود السرقة؟ أستاذ. هذا حرامي وكل الطلاب تعرفة؟

– واترك خزانة الصف الخشبية بدون قفل وأخبره بأنها مفتوحة واجعله يراقب الطلاب الذين يتجاسرون ويفتحونها، ولابد من حساب الأقلام والموجودات فيها. افتح الخزانة أمامه وليعلم ما بداخلها لتشبع حب الاستطلاع لديه. قل له أن يغسل جسمه ويمشط شعره ويلبس حذاءً نظيفًا. أعطه حنانًا يا أخي. ضع راحةَ يدِكَ على رأسه وشجعه. صدقني إنه طالب محروم من حنان الأب ويعامَلُ بمنتهى القسوة وفاقد الشيء لا يعطيه. رغباته مكبوتة وهو يصرفها بطريقة غير سوية، تتعارض مع الدائرة الاجتماعية. يؤذي الآخرين لأنه لم ير إلا القسوة. يا أخي. كيف يعامل الآخرين بحنان وهو لم يذق طعمه، وعقلُهُ الباطنُ فارغٌ منه؟ نحن بحاجة إلى قدوة تمنح الحب وتزرع الأمل والثقة بالنفس.

وكانت المفاجأة عندما قدم لي المدير تقريرًا عنه بفرح وتفاؤل.

   –     تَدَخَّلَ الطالب بحلِّ نزاعٍ بين طالبين. وكان نصيبه بعض الركلات والضربات.  لم يلاحَظ أي نقص أو شكوى من الطلاب عليه. وهو دائمًا وسط التلاميذ يعاملهم بود واحترام.

– هذا ما توقعته ولابد أن يكون هدفنا زرع المحبة وترسيخ الأسلوب التربوي وهذا دور المدرسة الأول وليس التلقين وإرهاق الطالب بالحشو بالمعلومات. من يتصور أننا ندرس اللغة العربية كل يوم ولسنين طويلة وقد لا نستطيع التحدث بفصاحة ونعجز عن إعراب جملة بسيطة؟ كيف هي الأمور مع تطبيق المبادئ التربوية وبدون إعداد المربي المؤهل؟ ولمصلحة من أن يتجاهل المربي دوره في تطوير السلوك الإيجابي البناء رغم ظروف الإرباك والفوضى؟  بالإصرار وحسن النية، نساهم بخلق المجتمع الآمن السعيد. ولا أدري هل ما زالت تلك الرواية الشريرة تدرس الآن أم أنها ذهبت في مهب الريح؟ تساءلت وأنا أنظر إلى مجموعة شباب يعتدون على أستاذ جامعي متوجها إلى محاضرته وآخرون في هياج يحاصرون المدرسة ويتعاونون مع سائق الستوتة وهو منهمك وبحماس في غلق بابها وشرار ماكنة اللحام يتطاير منه. إغلقت التلفاز وحاولت النوم لكنني بقيت ساهرًا حتى الصباح.