تمثلات المفارقة والهمّ الإنساني في قصص حسين الجاف – سمير الخليل

تمثلات المفارقة والهمّ الإنساني في قصص حسين الجاف – سمير الخليل

يسعى القاص حسين الجاف في مجموعة قصصه التي اقترح تسميتها بـ(أحزان الجنرال) إلى تأسيس نسق سردي يرتكز على روح المفارقة، ورصد الهمّ الإنساني، ولحظات مأزومة يلتقطها من معترك الواقع المكتظ وخضمه بالظواهر والتناقضات وصراع الذات مع الآخر وصراع (الذات) مع كينونتها وهواجسها الداخليّة، ولذا نلحظ في هذه القصص أنّها عبارة عن رصد اجتماعي لأبطال يعانون دوماً من صدمة بين رؤية ذاتية أو حلم أو تطلّع لكنّهم يصطدمون بحقيقة تحول من دون تحقق تلك التطلّعات، وتجسيد هذه الكيفية والتركيز على أزمة الشخصيّات يعكس مدى الخلل والنكوص الذي يهيمن على بنية الواقع بفعل عوامل وأبعاد متعدّدة منها ما هو سياسي أو اجتماعي أو طبقي أو تاريخي، وتعبّر لحظة التأزّم تصويراً لمساحة ومديات الصراع الناشب بين (حلميّة) الشخصيّات وكوابيس الواقع التي تنهال على الشخصيّة وتحطّم كيانها في لحظة فارقة تحمل كثيراً من المسحة التراجيدية، وعلى الرغم من هذه الأجواء المأزومة والمكتظة بالمباغتة غير أن المفارقة بوصفها الأساس الذي تقوم عليه بنية معظم القصص التي تعكس ميلاً يشعر فيه المتلقي باتجاه كوميديا سوداء تفصح عنها هذه القصص الملتبسة والناتجة عن توّتر أو صدمة أو حنين إلى الماضي أو ضياع بعد أمل وتطلّع.

سمة مركزية

يوظف الكاتب حسين الجاف روح المفارقة التي تمثّل سمة مركزية لهذه القصص وينطلق منها ليحقّق نوعاً من الرصد الداخلي لأزمة الواقع وأزمة الشخصيّة، وخضوع الأبطال إلى سلطة الواقع لكن أبطال هذه القصص لا يكفّون عن الحلم واستشراف القادم على أمل تحقيق ما تصبو إليه الشخصيّات وهي غارقة في أتون واقع يمسك التفاصيل بقوّة لا تضاهي قدرتها الذاتيّة، وهو المنحنى في شكل الصراع يعبّر عن ثنائية التداخل والتأزم بين الذات والموضوع والإنسان بكلّ فردانيته وذاتيته إزاء بيئة ومحيط الأبعاد السيوسيولوجية، وغالباً ما نجد في استهلال القصص ملمحاً لا يوحي بالنهاية وذلك من أجل تحقيق المباغتة أو لحظة التنوير الختامية التي تقف بالضد من انسيابية الحدث البدئي ثم تبدأ مرحلة التصاعد ليكتشف المتلقي – ما يكتشفه البطل – من حدث يقلب موازين لحظة الهمّ وتحوّل البطل إلى تخلخل أو صفة (تراجع) وانكفاء.

وما يميّز القصص وهذا النمط من السرد هو التنوّع في طبيعة المفارقة الباعثة على الكوميديا السوداء فهناك مفارقات ترتبط بالواقع الاجتماعي وافرازاته، وهناك مفارقة تنتجها الحروب والأزمات وضياع الأحلام أو وجود قوّة ميتافيزيقية قاهرة مثل (ظاهرة الموت) التي ركزّت عليها بعض القصص.

قصة (أحزان الجنرال) تعبّر عن خيبة الجنرال ذي النياشين والرتب العالية وهو يشهد انهيار جدار برلين وانطلاق حرية الحركة بين الجانب الغربي والشرقي من دولة ألمانيا، وهو يذرف الدموع لأنه قد تعب وعانى ببناء الجدار بل بنشوء وقيام هذا الجدار الذي يعشقه ويمثل مجده الضائع، “فقد مضى كل شيء وانتهى كل الذي كنت تعمل باخلاص من أجل أن يتحقّق في زهوة عمرك، فالتغيير هو منطق الحياة وأرى أن تصمد الآن وقد اضناك التفكّر والتذكّر والبكاء على اطلال الماضي” (قصة أحزان الجنرال)، ونلحظ في هذه القصة التي تمثّل انموذجاً لنمط هذا السرد المؤثر، بأنها تعبّر عن صراع سايكولوجي ووجودي بين الماضي والحاضر وأن التغيير هو القانون الذي يمسك وينظم تفاصيل الكينونة الإنسانية التي لا تنفع معها الأمجاد والنياشين العسكرية والأسطرة الشخصيّة ، والزاوية الأهم هو نزعة الأنانية لدى العسكر المتمثلة بالجنرال الذي لا يرى في تهديم الجدار وحدة الشعب الألماني وانتصار انسانية الإنسان على أمجاد القوة والبطش، وتلك اشارة ذكية بأنّ التغيير يشمل حتى الآيديولوجيات التي يعتقد مناصروها واتباعها بأنها خالدة أبداً، هذه القصة مميزة حقاً في فكرتها وانسانيتها ونقدها للتسلط العسكري، وتؤكد خيبة الجنرال في مجده الضائع وطموحه وشموخه واعتداده، ونجد في قصة (مات.. من هو .. لا أحد يدري..؟)، فالعنوان هذه المرة قد انطوى على مفارقة مبعثها (الجهل) بالحدث الجلل فحين يجتمع الناس أمام أحد البيوت لاجراء أو المشاركة في مراسيم الجنازة وبعد لأي وحراك يسفر الأمر بأنّ لا أحد قد مات، ولم يكن الأمر إلاّ نوعاً من العراك اليومي بين الزوج والزوجة “فانفضّ الجمع المنشغل بحرصه على تقديم الواجب والمشاركة في أحزان الجيران الذين فقدوا أحد أفرادهم، وانصرف الجمع مصدوماً لما جرى وهو يضرب كفاً بكف”. (القصة).

ويبتكر المشهد المفارقة في قصّة (المناسبة) حيث يتضح أن مجلس العزاء قد تحوّل إلى مراسيم زواج بعد حدوث المفارقة، فأصحاب مناسبة الزواج لم يفكروا بالقريب الذي مات وإن الحياة ستستمر وهذا قانونها الأزلي، وتبدو قصة (غداً يعود أبوك) ترسيمة سردية تمثّل سيرة الكاتب وتجربته في التعليم الثانوي وخدمته التدريسية في مدينة الثورة (آنذاك)، ذلك الحي الشعبي المكتظ بالناس والأحزان وتسرد القصة حياة المدرس الذي عمل بوصايا أستاذه بأن يتأنّق ويتجمّل ويرتدي أجمل ملابسه وأبهى ما يملك لكنه يصطدم بالواقع البائس واخبار الشهداء والقرابين والجنائز التي تترى وآلام الثكلى ويحدث التناقض بين الحلم الشخصي الذاتي والفردي والواقع التراجيدي الحزين، “ثم لمح على حين غرّة فتاة جميلة فارعة الطول تخرج من البيت وتطلق صرخة عظيمة تكفي لبكاء كلّ أهل الأرض على فقيدها وبعلها الشاب ثم سمعها بصوت يقطعه النشيج القوي الخانق…”. (القصة)، والقصة تجسّد أثر الحرب وافرازاتها وهي تزرع الأحزان والخيبات وتدمّر النسيج الاجتماعي وتشيع الفقد والقنوط والألم وتحوّل الحياة برمتها إلى هم مقيم، ومعاناة البطل الإنسانية وهو يتعاطف مع محيطه بروحه التربوية العالية.

خصائص شخصية

وتتناول قصة (عاد ولم يعد) مفارقة قائمة على خصائص الشخصيّة غير المستقرّة وغياب هذه الشخصيّة المتكرر بحجج وتبريرات عديدة وبعد غياب طويل تظهر هذه الشخصيّة ويتابعها البطل ليلحق بها في زحام السوق: “فريد… فريد لكنّه أجابني وبأعلى صوته وقال: كان اسمي فريد” وهذه اشارة لنمط الشخصيّة الغريبة التي تمتهن الغياب والحضور لتحقق ما تصبو إليه وفق هذه اللعبة وأسلوب التلاعب والزيف والقدرة على التلّبس والتقمّص والخداع.

ترتكز قصة (إلى ارنيستو جيفارا) على مفارقة تعبّر عن معنى عميق في تقديم تلك اللحظة المأزومة التي تجسدت على شكل (كوميديا سوداء) ذات دلالة، والتقاط زاوية مؤثرة من مشهد اعدام الثائر الإنساني ورمز التحدّي (جيفارا) وما انتاب الراعي الذي وشى به إلى الأميركان فقتل في قرية نائية في إحدى دول أميركا الجنوبية، ولم يدرك الراعي فداحة الخطأ الذي ارتكبه بحق من يدافع عن العمّال والفلاحين والرعاة، وتصوّر القصّة لحظة الوعي المقترن بألم المكابدة لهذا الراعي، “أدرك الراعي الغشوم الجهول في لحظتها فقط أنّه أنذل أنذال الأرض طرّا، لم تنته حكاية (جيفارا) ولن تنتهي أبداً، لكن ثغاء الحملان ظلّ يملأ الأجواء كلها بالنحيب، وبلابل الروض في المروج القريبة لم تزل تمطر الأسماع بالأناشيد الحزينة”. (القصة)، وقد تميزت القصة بالإختزال وتوظيف المفردات الشعرية التي تتناغم مع مضمونها وحقّقت تميزاً في قراءة لحظة مأزومة وتوثيق حدث كان له الأثر الكبير على مستوى ذاكرة ونضال الشعوب ضد الهيمنة والجبروت لدولة الكاوبوي وتصدير الزيف والعنف والأكاذيب إلى العالم. وترصد قصة (النياشين) لحظة فارقة في حياة الأسرة التي غادرها المجد الذي كان قاب قوسين منها، فقد كان ربّ الأسرة مرّشحاً لمنصب رفيع لكن هذه الأمنية لم تتحقق وظلت الأمّ – بعد رحيله – تمسح وتعتني بالصّور الشخصيّة وهي تزيل غبار الزمن والحسرة وظل الأولاد ينتابهم الحزن ولم يكمّلوا أو ينجحوا في أي مجال، حتى استحال هذا الشعور النكوصي إلى عقدة للفشل، والقصّة تصوّر حالة فيها كثير من التأطير السايكولوجي وترّكز على فكرة أن الإنسان لا ينبغي له أن يتقبّل

بينما تتوغل قصّة (عباس لم يعد) في تصوير أجواء السلام ونهاية الحرب ولجوء الدولتين إلى التفاوض والهدنة ومعاهدات السلام الجديدة وبينما يستبشر الناس خيراً بهذه المناسبة التي طال انتظارها، ومثلّت بحضورها عيداً حقيقياً، ونهاية مأساة البشر وهم يقضون في السواتر والخنادق، والقصة إدانة واضحة لمنحى الحرب ووحشيتها وموت الناس فيها بطريقة مجانية، وفي غمرة هذه البشائر وبداية الخلاص من قسوة الحرب وضراوتها لم يأت عباس من خطوط المواجهة، “عاد تباعاً كثير من الجنود من ابناء المحلّة إلاّ أبنها عبّاس فقد تأخّر هذه المرّة”. (القصة)، وقد أنهك هذا الاحساس قلب الأم التي أرّقها الانتظار واستبدّ بها القلق والخوف، وتحقّق الشؤم حين لمحت جنازة لفّ فوقها علم الوطن فأدركت النهاية وأدركتها النهاية والقصّة تنطوي على مفارقة ارتكزت على الحدث اللاّمتوقع والمضاد لمشاعر الشخصيّة وتطلّعاتها، والقصة في الوقت نفسه تدين الحرب وما تنطوي عليه من بشاعة الفقد واغتيال أحلام الأمهات.

وترصد قصة (بئر محمود) معاناة فتاة تعشق حبيبها (محمود) لكنّها لم تهنأ معه طويلاً فقد اختار الرحيل والهجرة وظلّت هي وحيدة تكابد أحزانها وعلى الرغم من العهد والحفاظ على الود وظلت تزور (بئر محمود) الذي تركه وكأنّها تدور حول مزار مهيب “لم تسمع سوى صدى ارتطام العملة المعدنية بإحدى الصخور القابعة في أعماق البئر فعادت إلى الدار وهي تبكي، لتحتضن وسادتها الخالية الباردة مرة أخرى وتفكّر في أمر آخر يجمعها بحبيب الطفولة مرة أخرى”. (القصة).

وتجسد قصّة (المتقاعد) عوالم الانكسار والفراغ الذي يعانيه رجل تقاعد عن العمل في دائرته بعد أن أفنى أربعين عاماً من العمل المتواصل، إذ نجد في الصفة ملمحاً سايكولوجياً في لحظة فارقة ومأزومة حين تطلع الذات إلى ما فيها الذي تحوّل إلى مجرّد ذكرى بعيدة، “الله ما أسرع مرور الأيام… أربعون عاماً وتزيد بحلوها ومرّها لاسيما في ظل راحة الضمير… ياه… إنها مرّت وكأنها لحظات”. (القصة) ونجد نصاً متميزاً في التقاط مفارقة مأزومة جسّدتها قصة (الجلاد) التي تصوّر لحظة لقاء السجين الذي أطلق سراحه مع جلاد السجن الذي كان مودعاً فيه، وفي لحظة غريبة شوهد الجلاد وهو يصعد إلى باص (المصلحة) ويتكالب عليه الناس للإمساك به، لكنّ السجين الثوري يسعى إلى تخليصه من أيدي الذين تجمعوا حوله وينقذه من موت محقق لكن المفارقة حين ينطلق الجلاد متخلصاً من هذه الواقعة وقد تردد في داخله إحساس مؤذٍ لهذه المصادفة اللّعينة، بعد أن ردّ السجين هجوم الغاصبين “لكن الجلاد السابق وهو ينزل من الباص مهاناً وجّه كلامه للثوري القديم قائلاً بكل صلافة: لو كان الله قد قدّر لي أن أعدمك لما واجهت مثل هذه الإهانات هذا اليوم في هذا الباص”. (القصة).

وأمّا قصة (الرحيل) فتجسّد مأزومية أخرى في فضاء الإحتدام والاحتراب وارهاصات الإرهاب التي سادت في زمن موحش حين عشق كثيراً فتاة جميلة لكن البطل في القصّة يقرر أن يصارحها ويكشف لها عن مكنونات شعوره تجاهها وقد حقّق حلماً ورغبة متوّهجة لكنه يصطدم بنهاية الفتاة حين يخطفها رحيل أهلها بسبب التهديد الذي وصل إليهم فقالت له: “أنا راحلة مع الأهل مهاجرة، قالت هذا وكأنّها غرزت خنجراً ساماً في قلبي، وأردفت أن رسالة مجهولة في مظروف شديد البياض وصلت إلى أهلها وبضمنها اطلاقة برونزية بلون الذهب شديدة اللّمعان تقرع في آذاننا جرس الرحيل”. (القصة).

تناولنا بعض النماذج التي كشفت عن قدرة القاص حسين الجاف على التقاط اللحظة الوجودية المأزومة وصياغتها على شكل مفارقة تكسر أفق التوقع وهي تقدم قراءة مشهديّة لثنائية التناقض بين الذات والواقع المحتدم بفعل الحروب والأوجاع والأزمات.