تل السلاح والميدان الواقعي التجديد خارج التجّريب

تل السلاح والميدان الواقعي التجديد خارج التجّريب

عبد علي اليوسفي

منذ فجر القصة العراقية في عقد العشرينات ومنذ سيدها الرسمي (محمود احمد السيد ) وهي تسعى سعياً حثيثاً نحو مسارب التجريب ، مستفيدة من ما يكتبه هنا او من القصة الغربية والوافد والمترجم من الغرب .

وثمة تجارب متقدمة في مسيرة القصة العراقية لايمكن حصرها في هذه المقدمة القصيرة . اطلعنا عليها في قاموس القصة العراقية الشهير (نشأة القصة العراقية ) للمرحوم الدكتور عبد الاله احمد وهناك تفاصيل كثيرة . ان بوادر التجريب في القصة بدأ واضحاً للمتتبع في اربعينات وخمسينات القرن الماضي في كتابات –  عبد الملك نوري- نشيد الارض –  وفؤاد التكرلي  . مجموعة ( الوجه الآخر ) ومهدي عيسى الصقر –  في (غضب المدينة ) واخرين الا ان تجارب هذه الاسماء المذكورة هي الواضحة في هذا المضمار واكدت مسار التجريب

ثم تأتي مرحلة الستينات لتبدأ القصة مشوارها الفعلي في مختبر التجريب بل  بلغ اقصى مدياته . على ايدي قصاصين على درجة من العظمة والرقي محمد خضير ، جليل القيسي ، احمد خلف ، لطفية الدليمي وعبد الستار ناصر . ونزار عباس . وفهد الاسدي ومحمد روزنامجي وجمعة اللامي وما ان ننتقل الى العقد السبعيني حتى تطالعنا تجارب مبدعة استفادت من محمد سعدون السباهي ، شوقي كريم حسن، وحميد المختار وعبد الستار البيضاني . وعيد الرضا الحميد وحسن متعب وحمد صالح والاخير  من القصاصين الذي طرح الجرأة الفنية والادبية بأقصى  طاقة الا ان الموت لم يمهله كثيراً . وترك لنا مجموعته ( الملاذات ) ورواية (خراب العاشق ) وقصصا في ادراج النسيان ولابد من التوضيح هنا ان الجيل الستيني هو الجيل الاوفر حظاً وذلك لتوفر المناخات السياسية ووجود نقاد مهنيين سلطوا الضوء على قصصه مثل الناقدين الشهيرين . فاضل ثامر ، وياسين النصير وكذلك الدكتور عمر الطالب وباسم عبد الحميد حمودي وتجب الاشارة الى قصاصين اكملوا مسيرة القصة العراقية برؤى وتجارب جديدة مثل ، جابر خليفة جابر ، قصي الخفاجي ، خضير فليح الزيدي ، اسماعيل ابراهيم عبد ، سعدي الزيدي ، صلاح زنكنة ، عبد الامير المجر ، عباس لطيف ، محمد علوان جبر ، كاظم حسوني ، اسعد اللامي ، حسن البحار ، حميد الربيعي . و د. عمار احمد واخرين .

الا ان القصة العراقية طيلة هذه المدة ظلت اسيرة النقاد والشعراء والقصاصين والمثقفين والمهتمين بالسرد

بمعنى اخر سر النخبة . انها تكتب للنخبة . ويمكن القول ان التجارب التي تخوض في غمار  التجريب والحداثة تبقى هكذا بعيدة عن اخيلة وثقافات عامة الناس من المعلمين والموظفين والعمال والفلاحين والطلاب وبقية شرائح المجتمع الكاسبة .

نخوض هذه المقدمة ونحن نروم تقديم مجموعة –  حصار الايام ، تل السلاح –  للقاص يوسف عبود جويعد والذي ابتعد في مجموعته التي بين ايدينا عن مناخات التجريب في انتاجية وتفاعل الافكار والمتخيل السردي والرؤى الشعرية وتقنية الفن التشكيلي ، ومنولوج المسرح او السرد المركب والفنتازيا ، وتغريب العوالم . ولعبة الخمرة من استنهاض الافكار .. والتجأ الى اسلوب المدارس الواقعية الانتقادية ، والواقعية الاجتماعية وحتى الواقعية الاشتراكية وكان ميدانه الشارع العراقي ، الحي ، الزقاق ، البيت ، الدائرة ، الرصيف ، وابطال قصصه من عامة الناس المسحوقة . البروليتاريا حسب مصطلح اليساريين . وراح بتوغل الى اعماق هذه الشخصيات همومها وتطلعاتها واخفاقاتها .

وقد نجح القاص الى درجة كبيرة في رصد هذه الشخصيات والغور في اعماقها وفي وصفها وقد ساعده هذا على ما اعتقد انحداره من هذا الواقع الشعبي لانه يعيش في منطقة شعبية . لمدة طويلة . وقد اكتسب منها ما يغذي مشروعه القصصي . ويمكننا الاستدلال بسهولة على ذلك من عناوين قصصه ( اثار باقية ، الانتقال ، الدائرة ، الدرس ، الرصيد ، الساحة ، القوارير ، النصيب ، اوجاع في الذاكرة ، باقون ،  بيوت من الطين ، تل السلاح ، حصار الايام ، حياة جديدة ، خيال في زمن صعب ، ركام من الرماد ، طائر السلام ، غذاء الروح ، قساة القلوب ، حكاية صبي ، لحن حزين ، لم يكن حلماً ، مفاجأة ، ملاذ امن ، نوبات الصرع ، هذا الشبل ، وجوه بلون الارض ) وربمـــا هو ادرك ان النزول  الى ميدان الواقع وتسمية الاسماء بمسمياتها هي الافضل الآن . وحتى اننا نرى الدراما التلفزيونية والمسرحيات نحت منحاً شعبياً واقعي حتى تتمكن من استقطاب الجمهور . اما صديقنا القاص يوسف عبود جويعد فعمد الى استقطاب القارئ ربما سبقنا بهذه الخطوة .