تضاريس قاسية من العزلة والإكتئاب وألفاظ ذات تحديات دلالية

قراءة في مجموعة أشجار خريف موحش    1-2

تضاريس قاسية من العزلة والإكتئاب وألفاظ ذات تحديات دلالية

نادية هناوي سعدون

الخارج نصي العنوان والغلاف وتوابعهما كمتعاليات نصية /

 الخارج نصي بناء معماري يهندس بنية النص الشعري ليندرج في خانة المتعاليات النصّية: TRANS TEXTUALITY و”هي كل ما يجعل نصّاً يتعالق مع نصوص أخرى، بشكل ضمني أو مباشر. وقد خصص لها جيرار جينيت كتاباً بأكمله سماه: PALIM PSESTES. SEUIL. PARIS 1983 حدد فيه أنماط (المتعالقات النصّية) “

وهذا التشكيل البنائي بمستوياته وعلاقاته إنما يقوم على الترصيف الكلامي والتنضيد الجملي والاصطفاف اللفظي للعبارات والانتقاء الترميزي للعلامات والإشارات.. فضلا عن اعتماد التناصات الجديدة من نصوص سابقة أو معاصرة وهندسة فضاء الصفحة متنا وحاشية فراغا وتأثيثا عتبة وإفضاء تموضعا وتمظهرا استهلالا وهامشا ليغدو النّص الخارج نصي” خلاصة لعدد من النصوص التي تمحى الحدود بينها.

والطبيعة القرائية لهذه المتعاليات النصية إنما تقوم على أساس الاستعمال الإجرائي السيميائي بغية الكشف” عن نظام العلامات في هذا النص على أساس أنها قائمة بذاتها فيه؛ لا مجرد وسيط عبثيّ؛ وذلك بتعرية البنية الفنية لـه بصَهْرها في بوتقات التشاكل والتباين، والتناصّ والتقاين (أو التماثل)، والانزياح الذي يزيح الدلالة عن موضعها الذي وُضعت فيه، أو لـه في أصل المعاجم، ويمنحها خصوصيّة دلالية جديدة هي التي يحمّلها المبدع في لغته؛ وذلك بتوتير الأسلوب، وتفجير معاني اللغة، وتخصيب نسوجها…”

وفي مجموعته الشعرية (أشجار خريف موحش) يتوجس الشاعر الدكتور سعد ياسين يوسف من يوتوبيا ممكنة توجد بين ما مطلوب مناله وما مرجو مآله في ظل عالم صعب يعكر صفو الطبيعة بتفاصيلها كلها فتتشوه صورتها المثالية لتغدو متزينة بالأوشحة السوداوية حيث مشاهد الدم والقتل والترويع والعنف.

 وبهذا التجسيد المأساوي ـ الذي غالبا ما يصطدم به الشعراء الرومانسيون ـ يستحيل نيل اليوتوبيا لتتحول من كونها يوتوبيا متاحة منالا إلى يوتوبيا مستحيلة مآلا .

ويتضح هذا التجسيد بدءا من عتبة الإهداء حيث اليوتوبيا حاضرة منالا بالربيع المبهج  ومستحيلة مآلا بالرصاص الذي أشرع له الآخرون صدورهم فكان المتحقق من هذين التقابلين الصوريين مؤسلبا فقد غدا الربيع خريفا وصارت البهجة وحشا :

(( إلى الذين اشرعوا صدورهم

للرصاص

أملا بربيع مبهج

ولم يكن سوى

خريف موحش))

 ومما عزز فحوى هذا المنظور الغلاف الأمامي الذي جاء بالقطع المتوسط وقد انقسم إلى منطقتين النصف الأعلى منها انقسم بدوره إلى قسمين تقاسمتهما ثلاث وريقات تين متهاوية كدلالة على نهاية المآل بالخريف حيث الذبول والسقوط والانحدار وفي استعارة مكنية للكل /الأشجار بالجزء/ الأوراق.

 وقد حلت أبنية صلدة جامدة محل الأشجار وتكدس بعضها فوق بعض في دلالة على أن الحياة التي كانت تغص بالأشجار قد غادرت وحلَّ محلها الموت والجمود وقد عضد اللون الأصفر البني هذا التوجس.

واحتل اللون الأخضر المزرق الربع الأخير من صفحة الغلاف الأمامي وشغل كلية الغلاف الخلفي بما يدلل على أن محصلة الاصفرار الخريفي وقتامة الإحساس به هي بمثابة التأكيد للوحشة الشتائية التي ضاعت فيها مباهج اللقاء والألفة.

وفي الغلاف الأمامي كُتب العنوان أشجار خريف موحش باللغتين العربية بخط أحمر والانكليزية بخط اخضر براق وفوقهما كتب اسم الشاعر بلون برتقالي وبحجم اصغر من حجم العنوان.

وتضمن الغلاف ما قبل الخلفي للمجموعة التي بلغ عدد صفحاتها 140 صفحة إصدارات الشاعر مع تنويه إلى أن الغلاف الأمامي من تصميم الفنان التشكيلي د. صبيح كلش

أما الغلاف الخلفي فطغى عليه اللون الأخضر المزرق كدلالة على الوحشة والهيام وقد تصدرت صورة الشاعر الجزء الأعلى منه وتحتها سيرة الشاعر الذاتية ومؤلفاته وقد كتبت باللغة الانكليزية.

نصوص الديوان

وأسهمت النصوص العشرون التي ضمتها المجموعة في تعزيز هذا التصور الرومانسي لتلك اليوتوبيا الضائعة التي جمعها قاسم رؤيوي مشترك هو البكاء رثاء وترتيلا والرماد لونا وتحصيلا والنعي موتا واستغاثة والتوجس انكسارا وذبولا.

 وقد عضد هذا القاسم قاسم صوتي مشترك تمثل في البناء التفعيلي للنصوص إيقاعا وموسيقى كما كانت الاستعانة باللغة الانكليزية في إعادة كتابة قصيدة أشجار خريف موحش دون سائر النصوص الأخرى نوعا من التشكيل الصوتي المعزز للمنظور الرومانسي الذي اختلج حواس الشاعر.

وقد تضمن معمار هذه النصوص اهداءات وحواشي هي بمثابة تعالقات نصية مع مرجعيات ثقافية سابقة فقصيدة (غربة نورس الصباح) مثلا استهلت بإهداء : (إلى : رفيق طفولتي صباح سعيد ) وذيلت بحاشية وضحت بعض أسماء الأماكن ومعاني ألفاظ وردت في متن القصيدة وقد وضعت في المتن نجمات صغيرة كإشارات إحالية على تلك الحاشية ، ناهيك عن قصدية الضبط بالشكل لكلمات بعينها وعلى طول النصوص وعرضها… والفراغ الذي فصل بين العنوان الرئيس والمتن الشعري وبما يعكس المنحى الشعوري الاغترابي..

وتضمن هامش قصيدة (ترتيلة لدمشق) احالتين استرجع فيها مفهوم باب الكعبة وانه اسم من أسماء دمشق كما استعملت الأقواس في المتن كإحالة إشارية على التناص الشعري مع بيت محيي الدين بن عربي:

(( قف بالمنازل واندب الاطلالا     وسل الربوع الدارسات سؤالا))

وقد توضع الإشارة الاحالية في العنوان نفسه لا في المتن كما في نص ( بخور الأمهات) وجاء في الحاشية إهداء الى (الصباح السعيد في غربته) وبما يعيد الى الذهن ان المهدي إليه هو صباح سعيد..  وأهدى قصيدة (جمر الكلمات) إلى شاعرة كرواتية اسمها سوزانا اوشتريتش جاعلا من الإهداء استهلالا لها مع حاشية تذييلية تحيل على معنى أسماء مدن كرواتية . وتحفل النصوص جميعها بقصدية توزيع السواد والبياض على سطح الصفحة الواحدة مع توظيف العلامات الكتابية كالحذف والفوارز والنقاط وأقواس التنصيص والتعجب والاستفهام .

فأما علامات الحذف التي جاءت على شكل نقاط متتابعة قد تشمل سطرا أو سطرين أو أكثر؛ فان الغاية منها تحريك مخيلة للقارئ كإشارة غير مباشرة إلى انفتاح النص ففي قصيدة (مرثية لسائق الغمام):

(( أسنان النسيان،

 يلقيها

خلف تلال الخوف..

…………….

……………

تكاثر فينا المحل ))

    نجد النقاط تلقي على قارئها تحديا نحويا أولا ودلاليا ثانيا كون الفاعل للفعل يلقي الذي هو فعل متعدٍ بنفسه محذوف إذ : من الذي يلقي بوحشة النسيان خلف تضاريس قاسية من العزلة والاكتئاب؟ وأين سيلقى بها ؟ وما على القارئ إلا التفكير في الإجابة عن هذين السؤالين اللذين تركهما الشاعر مفتوحين بغية ملء الفراغات المحذوفة مستعينا بذخيرته القرائية ومخزونه المرجعي الثقافي..

وفي قصيدة (من مقام الخسارات) ترد نقاط الحذف اثنتا عشرة مرة وتتوالى في القصيدة نفسها الاستفهامات بصورة تستفز قارئها وقد شغلت احد عشر سطرا من مجموع اثنين وستين سطرا فضلا عن علامات التعجب كما في السطر الآتي :

خساراتي … نسيت!!! وكذلك في السطر: خريف موحش !!! ، في دلالة واضحة على التأزم الشعوري إزاء مفردة خسارة تاركا للقارئ اختيار العبارة الملائمة:

(( فإذا ألقيت بنفسي

كيف أعود؟ ))

.. .. ..

فقد يكون الجواب لا أعود أو لا ادري أو لن أعود ليبقى الباب مفتوحا  للتأويل. وقد يبدو الجواب بعد (لا) مفتوحا من خلال النقاط التي ترد بعدها كما في نص( اغنية من رأى) :

لا………….

لا …………

وتتكرر ال(لا) الناهية ثمان مرات في نص (دم الكرستال) ثم تتكرر (به) أربع مرات و(قبل) مرتين ، وتأتي نقاط الحذف في المشهد الحواري الآتي:

(( قال:” فألقِ”

…. .. ))

 كإحالة دلالية تستدعي القصة القرآنيـــــــة عن موسى عليه السلام وعصـــــــاه التي ألقاها وقد كرر الشاعر القول ثانية وثالثة ليكون الجواب ( ليس لي غيرك ) . وقد توظف أقواس التنصيص كما في ” عكد التوراة” للإشارة إلى أن هذه الكلمات مستدعاة من موقف ما ؛ أو أنها متناصة مع آيات أو أشعار أو أساطير أو حكايات وتتكـــــرر في قيامة بابل يا النـــــداء أكثر من عشــــــرين مرة .

نقاط حذف

وللتكرار وظيفة تأويلية أيضا فمثلا أن تكرار كلمة (نقالات) خمس مرات في قصيدة (شجر الموت) جنبا الى جنب نقاط الحذف المتتالية قد أكد الخيط الرابط بين معاني: الموت والمرض والعجز والانهيار والضعف ووضع الأقواس الكبيرة حول كلمات مثل (أركانه وسوق السمارين) ندليل كتابي على تخصيص معنوي معين وقد يعمد الشاعر إلى استعمال النقاط بعد كلمتي العنوان كما في قصيدة (شجرة النزول ……) بما يعني أن العنوان غير مكتمل وفيها تكثر الحوارات بالشارحة التي تسبق الفعل قال والنقطتين الرأسيتين بعده:

(( قال: اخترتكِ شاهده

عفوك…….

ـ شاهدة الوأد؟ !! الطلقات إذا ما مرت  ))

وفي قصيدة (الهاجس) تستعمل النجمات كفواصل مقطعية تقسم النص إلى أربعة مقاطع ونلحظ ان علامتي الاستفهام في نص (آه لو تعلم ؟؟) إنما وضعتا لتغيب المخاطب ولنعلم من احد السطور في المتن أن المخاطب ليس مذكرا بل مؤنثا ليكون المحذوف من بنية العنوان الرئيس حرفان (آه لو تعلمين) وإما وضع علامتي الاستفهام في العنوان فكان بمثابة بديل كتابي عن الحرفين المحذوفين:

(( من يدركني ؟

من يمسح حزني؟

غيرك يا سيدتي

وحدك ))

الخارج نصي الهيمنة اللفظية كفاعل دلالي /

للهيمنة مدلولات عدة منها التمركز اللفظي والإيحاء الدلالي والتوطن المعنوي وامتلاك الفضاء الكتابي على سطح الورقة ولهذه الهيمنة فاعلية سيميائية تفتح آفاق التأويل باتجاه العنونة والمتن والهامش متفحصة السطور ومستجلية ما فيها من الصور والرموز والإشارات كشفا وبوحا واستنطاقا.

وعادة ما ترافق فاعلية تحريك المخيلة القرائية قصدية التدليل بحثا عن التقاطعات والتقابلات والاحتجاج على مكنونات البوح الشعري دالا ومدلولا.

 وإذا كان العنوان” مجموعة العلامات اللسانية من كلمات وجمل وحتى نصوص قد تظهر على رأس النص لتدل عليه وتعينه تشير لمحتواه الكلي ولتجذب جمهوره المستهدف”  فان تموضع العنوان كعتبة نصية إنما حقق تمويها دلاليا ونبدأ من قصيدة التفعيلة التي اختيرت عنوانا رئيسا للمجموعة كلها (أشجار خريف موحش) إذ تفرض لفظتا البحر والدم هيمنة معنوية لترسما مشهد المأساة الموجع في حركة دائرية متموجة بما يشبه حركة البحر في تموجه فهي تنتهي من حيث تبتدئ وتبتدئ من حيث تنتهي…

وعلى الرغم من ان غياب اللمحة الانزياحية للصورة الشعرية في إسناد الأشجار إلى الخريف إسنادا لغويا إلا إن مجيء الصفة (موحش) أعطى ذلك الإسناد انزياحا تشخيصا ليطفو على بناء القصيدة كلها وقد ساعد التوظيف العلاماتي المتمثل بتكرار علامة التعجب على تحقيق ذلك :

أشجار

خريف موحش!!!!

وبذلك تمتزج بنية المتن الشعري مع بنية العنوان لتصيرا كيانا واحدا ولكنه مركب دلالة وحركة زمانا ومكانا:

(( عند ضياء

يوصف “فجرا”

وصلنا كتف كتاب البحر ))

فالزمان/ الفجر يتماهى شعوريا مع المكان /البحر ليرسما مشهدا وجدانيا للبداية الانطلاق لكن المفارقة أن تلك البداية ليست للحياة بل هي بداية لكل ما هو مأساوي حيث الدم والتحطم والذبح والكذب:

 ((  نثار زوارقنا يطفو خشبا أدماه الموج،

رؤوس الأطفال المذبوحين

بنهم نبي كاذب ))

وتتوالى الألفاظ المتعالقة مع ذلك المشهد المنزوع من الحياة انتزاعا والبائس استلابا وهزيمة فلا الشمس تترك في الموجودات لونا ولا الأزهار تمتلئ نضارة ولا النخل يزهو شامخـــــــــا ولا الفراشات مضاءة :

(( أقلام الخشب المسلوبة لون الشمس

أزهارا يبست

صورا للنخل الواقف

ثملا.. فوق الجرف

يلوح لضفاف أخرى

 فراشات .. فقدت ضوء اللون ))

وقد أضفى تتابع متعالقات البحر(الضفاف ، الجرف، الأمواج، الشاطئ، النوارس ،الشمس، اليمامات) وطبيعة الإيقاع التفعيلي؛ تماسكا ووحدة لتصب الصور جميعها في بوتقة واحدة تحكي قتامة المأساة الممزوجة ببكاء رومانسي شفيف ومنها صورة الوقت وقد غدا هيكلا مسلوخا وكيانا مشوها:

(( عظام الوقت،

آذانا..مقطوعة..ووشوم هزيمة

كتف الشاطئ يبكي ))…   …

وتمركز ألفاظ( الفقد والبكاء واليباس والقطع والتسمر) في قلب المشهد المأساوي اعطى انطباعا رؤيويا أن لا حياة تنتظر الموجودات فكلها دفعت الثمن وهنا تظهر الذات المتكلمة/ الأنا لتعبر عن شعورها السلبي ووحشتها وخاصة البحر الذي هو مركز الوجود لا بإزاء ما حولها حسب بل بإزاء نفسها أيضا:

 ((  أرخيت لخطوي حبل الوصل

تسمرت

رميت بساعة ثكلي البحر،

ومضيت ..

أداعب

زغب الوحشة فيَّ ))

وتتصاعد الأحاسيس السوداوية بوجد شاعري يمنح المشهد المأساوي مزيدا من القتامة والرعب فللموت سعاة بريد وهم بمعاطفهم السود يرفعون سارية مجهولة وقد امتزج فيهم الزيت بالدماء والطين والدخان وما هؤلاء السعاة إلا قراصنة يغتالون الحياة تاركين الزمن خريفا والحلم رمادا :

(( سعاة بريد الموت

مازالوا

بمعاطف غيم اسود

رفعوا سارية

أدماها الطين الممزوج

بزيت الرغبات))

 ولذلك كله ما عادت الحياة حانية ولا الربيع مزهرا فقد نضب الماء واستبدل بالدم وتحول الغيم قشا والأشجار رمادا وأغصانها وحشة وحلَّ الخريف موحشا بلا خضرة والجرار فارغة إلا من الوجع والخوف والانكسار والتشظي:

(( أشجار

كف النسغ الصاعد فينا

أن يخضر ويمنح ألوانه

أغصان الوحشة

بالأجنحة المتكسرة

بأغان.. يتشظى الصوت

إذا غنتها النايات

بنهارات ربيع

أضحت

 أشجار

خريف موحش!!! ))

وفي قصيدة (قبل أن يلقي إلى البحر شراعه) نجد البحر فاعلا دلاليا يتحرك بأفق مفتوح في إطار بناء سردي بصيغة استرجاع لماض جميل فيه الطفل رمز الربيع والتجدد والزهو :

(( كانت الدنيا حقولا

صباحات وشمسا وأغاني

حلق الطفل الندي

في سماء الأمنيات ))

وتحدث الانعطافة التي غيرت الواقع المزهر إلى عالم متهاو وحزين إذ تهاوى البيت واستفاق الحزن والعصافير عطشى والأمهات واجمات والآباء منزوون ويأتي السؤال من تكون؟ وثم قائل يطلب :

(( قال:” فألق يا بني.. …. ))

ويكرر الطلب ثلاث مرات بنقاط حذف أهي الأشرعة أم النفس التي سيلقي بها في البحر؟! :

(( بحري المائج يصخب

وشراعي

محض خيط من حرير

فإذا ألقيت نفسي

كيف أعود؟ ))

   ويأتي الطلب مجددا قال فالق ليس لي غيرك ومكان الإلقاء هو البحر بمتعالقاته الشراع والملح واليمامات والزرقة والحجر والسنابل والجذع وليس الإلقاء هو ما يخافه الشاعر ولا التواريخ العتيقة ولا الحروف ولا الوجوه بل جل ما يخشاه نسيان الأسماء وفقدان التذكر الذي يعني الحكم عليه بالموت :

(( أغمضت عيني على

زرقة عينيه

وألقيت شراعي

كل ما أخشاه أن

تنكرني الأسماء

من حزني

أموت. ))

وتشكل الدماء والضياء صورة لونية لصرخة مستدعاة من عالم مندثر من ملحمة كان بطلها هو (أول من رأى) ليكون عنوان القصيدة ( أغنية من رأى) حيث الضياء والشمس والاشتعال تمتزج صمتا بالدماء لتنتج صرخة /أغنــية ولكنها بلا صوت..

 وعلى الرغم من أن لونها دموي قتلا وذبحا ( المعمور بالدم /يبست دماء /أين الدماء وأمواج الدماء وتغسلها الدماء من الدماء /ما سمعت الدم ) إلا إن صنيعها ليس الرصاص والعبوات والتفخيخ بل السلام ممثلا بالحمامات التي تفز من الضياء :

(( ستظل تغزل من خيوط الشمس

أغنية بلا كلمات

تشتعل الحروف

إذا ما أُوقظتْ من صمتها

وتضج في دمنا الرؤى

هي صرخة

تصعد في قلوب العاشقين