تراجع العقل العربي أزاء العاطفة والنقل
شكيب كاظم
وأنا أقرأ الكتاب المعرفي المهم دراسات أدبية للناقد والاستاذ الجامعي والمترجم المتمكن الدكتور لويس عوض 1915- 1990 الصادرة طبعته الاولى عام 1989 عن دار المستقبل العربي بالقاهرة، وفي فصل عنوانه العقاد والتراث يتحدث المفكر لويس عوض، عن نهج عباس محمود العقاد 28/6/1889- 12-3-1964 في دراسة التراث العربي، ولاسيما المسألة التي شاعت في عقود خلت، مع صعود موجات العنعنة القومية المقصية للآخر، والمدججة بالخوف منه، ومحاولة إسباغ الأولية والسبق لنا في كل أمر، وهو أمر فيه من الاعتساف ومجانبة العلم الشيء الكثير.
يقف لويس عوض عند دراسة العقاد لـ رسالة الغفران لأبي العلاء المعري 363- 449 هـ التي يقول فيها العقاد: لإن رسالة الغفران نمط وحدها في آدابنا العربية، وأسلوب شيق ونسق طريف في النقد والرواية، وفكرة لبقة لا نعلم أن احداً سبق المعري إليها، اللهم إلا إذا أستثنينا محاورات لوسيان في الاولمب والهاوية … فهي رحلة قديمة … ولكنه أعادها علينا، كأنه خطا خطواتها بقدميه وروى لنا أحاديثها كأنما هو الذي إبتدعها أول مرة … وعلى هذا النحو يمكننا ان نسأل عن حقيقة رسالة الغفران: هل هي قصة تأريخية أو بدعة فنية؟ وهل العمل الاكبر فيها للخيال أو للدرس والاطلاع؟ وهل كان المعري فيها شاعراً مبتكراً أم كان قاصاً أدبياً وحافظاً يسرد ما قد سمع ويروي عمن سبق؟ والصواب في أمر هذه الرسالة أنها كتاب أدب وتاريخ وثمرة من ثمار الدرس والاطلاع وليست بالبدعة الفنية ولا بالتخيل المبتكر.
كتب عباس محمود العقاد هذه الآراء الجريئة والصادمة للعقل البليد الساكن في مقاله الخيال في رسالة الغفران ونشرته… جريدة البلاغ القاهرية في 23/ تشرين الاول/ اكتوبر/ 1923 وأعاد نشر مقاله هذا الى جانب مقالات أخر في كتاب أسماه مطالعات في الكتب والحياة صدر سنة 1924. ما أعترض الدارسون، وما أستفز القراء، إذ كانت للعقل السيادة في الحياة، قبل أن يضرب العقل، ويعلو صوت العاطفة والصراخ في عقود تلت.
كان المجتمع رحب الصدر، ميال الى الحوار والنقاش، تلمس ذلك من سيل الردود والنقاشات، التي تراجعت من حياتنا وأوشكت على التلاشي في العقد الاخير من القرن العشرين، وإذ أطل القرن الحادي والعشرون على الناس، تلاشى الحوار والنقاش، فلقد أصبح صدر الناس ضيقاً، وأمسوا يميلون الى الاطراء الفارغ والمديح الذي يجانب الحقيقة. حتى بات المحرر الثقافي، اذا قدمت له مادة نقاشية سجالية، يجد حرجاً في نشرها إبتعاداً عن إزعاج الذات والآخر.
بعد عقود أربعة من نشر العقاد دراسته الرصينة هذه عن رسالة المعري الغفرانية، يعود الباحث الرصين، لويس عوض لدراسة رسالة الغفران، واذ اشار العقاد اشارة سريعة الى محاورات الأديب اليوناني لوسيان 125- 192 ميلادية وغيرها من النصوص الساخرة التي تهكم فيها لوسيان بالمعتقدات الشائعة عن الحياة الأخروية، فان لويس عوض درس دَيْن المعري للوسيان وغيره، ولأن المجتمعات العربية تراجعت، تراجع العقل إزاء العاطفة والمشاعر والنقل قامت القيامة ضد لويس عوض وأتهم بتهم شتى، أقلها تحطيم التراث العربي لصالح الآداب الاستعمارية! هو الذي طالته يد الابعاد عن الدرس الجامعي، مع كوكبة باهرة من أعلام مصر، بُعَيْدَ استيلاء الضباط على السلطة في مصر سنة 1952 فيمم وجهه شطر معاهد الولايات المتحدة الامريكية والغرب، وما عتم أن عاد الى بلده.
قال الدكتور لويس عوض حين كتب العقاد عن المعري … لم يثر في وجهه ناقد … وعندما قمت أنا بعد أربعين عاماً في بحثي على هامش الغفران بتوثيق دَيْن المعري للوسيان وغير لوسيان من اليونان والرومان، كتبت في هجائي المجلدات من هَجْر القول، فسبحان مغير الاحوال!. تراجع ص 63- ص 64 من الكتاب أنف الذكر..























