بعد النجاح في أنطاليا.. مهمة ترتيب البيت الكردي

                                 

نوزاد محمد مصطفى

يمر الشرق الأوسط في هذه الأيام بمنعطف تاريخي سياسي بالغ الخطورة، حيث لغة الصواريخ وقصف الطائرات، وانتشار الخراب والدمار ورائحة الدم والنزوح والتشرد… وموسيقى الشر مازالت تعزف ألحانها بجنون. في خضم هذه الأجواء تأتي مشاركة نيجيرفان بارزاني في منتدى أنطاليا الدبلوماسي حيث لم تعد حدثاً عابراً، بل محطة سياسية أباحت بحجم الحضور التاريخي المؤثر في المشهد السياسي والإعلامي الذي يحظى به إقليم كوردستان العراق، والمساهمة التي يؤديها بوساطة شخصية تتمتع بمقبولية فريدة مثل نيجيرفان بارزاني.

في أنطاليا، لم يكن المشهد محض اجتماعات دبلوماسية، بل إجراءات مخططا لها بعناية دقيقة، جمعت بين أطراف متناقضة من الفرقاء السياسيين، بل ومتباعدة في كثير من القضايا والأزمات، تمتد من الولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي، ومن إيران إلى تركيا، وصولًا إلى العالم العربي، حيث الاجتماع مع أحمد أبو الغيط، إضافة إلى الحوار الحي مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان… الأمر الذي يكشف ثقل وأهمية شخصية نيجيرفان في المشهد الإعلامي حيث رسم صورة واضحة، تشي بأننا إزاء شخصية لها القوة والقدرة والثقة الكبيرة في الخوض بمساحات سياسية شديدة الخطورة والحساسية.

هذه القدرات تؤكد هناك قناعة دولية وإقليمية ومحلية بممكنات ومؤهلات بارزاني. الذي يتفق الجميع عليه بوصفه شخصية مرنة غير صدامية، ولا يتصف بجمود عقائدي أو خاضع لمحور معين على حساب محور آخر، فهو شخصية متوازنة يتسم بقابليته على مد الجسور مع الآخر المختلف. الأمر الذي يجعل منه مساحة ايجابية لالتقاء المصالح المتعددة، على العكس من المناخ العام الذي تتجه فيه المنطقة نحو تعميق الانقسام والتشتت والتجزئة.

السؤال الكبير هنا، إذا كان على هذا المستوى من التعامل مع القوى الكبرى والمتعارضة وبهذه الأريحية والمقبولية، فمن باب أولى أن يمنح الفرصة لترتيب البيت الكوردي من الداخل.

فالواقع السياسي في إقليم كوردستان العراق ما يزال بحاجة ملحة لمعالجة الأمور التي تعيق العلاقات بين الفرقاء السياسيين، ومن الضرورة بمكان سد الفجوات ورأب التصدع الذي تعبر عنه حالة التباعد أو العناد التي تؤثر على الاستقرار العام. الأمر الذي يستدعي تولي نيجيرفان بارزاني بوصفه أحد أهم الشخصيات المميزة، والذي يحظى بالاستحسان والرضا بشكل واسع من قبل الجميع، فهو يمتلك المقومات اللازمة لتولي هذه المهمة: حيث علاقاته المتوازنة مع السياسيين كافة، فضلًا عن خبرته السياسية التي أثبتت نجاحها في مناسبات سابقة عديدة.

فالقراءة التأريخية لسيرة البارزاني، تظهر أنه كان قد لعب دوراً مهماً في تحقيق مكاسب للإقليم عبر علاقة الإقليم مع الحكومة الفيدرالية، ونجحه في معالجة أي خلاف بين المركز والإقليم لما يتمتع به من حب واحترام من قبل الأحزاب كافة، ومن جانب آخر يشهد التاريخ دوره في خلق صيغ للحوار والتفاهم بين الأطراف السياسية المختلفة في الإقليم. وهذا الكم الكبير من التجارب والخبرات التي يكتنزها بارزاني، تشي بأنه يمتلك الفرصة الأكيدة للعب دور الموحد للشروع في تجاوز الخلافات في ظل هذه الظروف الصعبة.

نرى ثمة ضرورة ملحة في المرحلة الراهنة أن يبادر الحزب الديمقراطي الكوردستاني بتكليف السيد نيجيرفان بارزاني، مهمة لمّ البيت الكوردي، بوصفه الشخصية الأكثر قبولًا ليس فقط بين الأحزاب الكوردستانية، بل أيضاً من قبل الأحزاب والشخصيات السياسية العراقية، إذاً فهو يجمع بين القبول المحلي والثقة الإقليمية والاحترام الدولي… عندما تتوفر هذه الاشتراطات في شخصية ما، يصبح الزيغ عن استثمارها خطأ سياسيًا جسيمًا.