
مبدعة ترسم طريقاً من المختبر إلى القصيدة
بغداد – الزمان
في عالم اعتاد تصنيف الناس بين أصحاب العقول العلمية وأصحاب الأرواح الأدبية، تبرز الشابة آية محمد الطائي بوصفها نموذجًا مختلفًا يكسر هذه القوالب التقليدية، إذ اختارت أن تسير في طريقين متوازيين يجتمعان في نقطة واحدة هي الشغف والإبداع. فهي تدرس علوم الكيمياء، وفي الوقت ذاته تحمل شغفًا مبكرًا بالكتابة والأدب، لتؤكد أن المعادلة والقصيدة ليستا عالمين متناقضين كما يظن كثيرون، بل يمكن أن يلتقيا في تجربة إنسانية واحدة.
بدأت رحلتها مع الكتابة في عمر الثانية عشرة، حين كانت تميل إلى القصص وتحاول صياغة نصوص بسيطة في أدب الأطفال. تلك البدايات المبكرة لم تكن مجرد هواية عابرة، بل تحولت مع مرور الوقت إلى شغف متنامٍ شمل الشعر والنثر والقصص القصيرة، وحتى محاولات متفرقة في الشعر الشعبي. وفي الوقت ذاته، كان اهتمامها بالعلوم، ولا سيما الكيمياء والخيال العلمي، يتشكل بصورة موازية، الأمر الذي جعلها ترى في المجالين مساحة مشتركة تقوم على الخيال والبحث والتعبير.
وترى الطائي أن العلاقة بين الكيمياء والكتابة أعمق مما يتصوره البعض، فالكيمياء ليست مجرد قوانين جامدة أو معادلات محفوظة، بل هي فضاء واسع للإبداع العقلي. فالعالِم، كما تقول، يبدأ دائمًا بسؤال: ماذا لو؟ وهو السؤال ذاته الذي يقود الكاتب إلى خلق قصة أو قصيدة جديدة. ومن هذا المنطلق، يصبح المختبر مكانًا لاختبار الأفكار كما تصبح الورقة مساحة لصناعة الصور والمعاني.
وتوضح أن أحد أبرز الأمثلة على هذا التداخل يتمثل في الكيمياء التخليقية، حيث يتخيل الباحث جزيئًا جديدًا قد يكون علاجًا لمرض مستعصٍ أو مادة ذات خصائص غير مسبوقة، ثم يبدأ العمل على تحويل هذا التصور إلى حقيقة. وهذه العملية، في جوهرها، تشبه إلى حد بعيد ما يقوم به الفنان حين يتخيل عملًا إبداعيًا ثم يمنحه شكله النهائي.
ورغم هذا الانسجام بين المجالين، لا تخفي الطائي أن الدراسة الأكاديمية تفرض تحديات كبيرة، إذ تتطلب وقتًا وجهدًا وتركيزًا مستمرًا، ما يجعلها تستحوذ على الجزء الأكبر من يومها. ومع ذلك، تؤكد أن انشغالها بالدراسة لم يؤثر في صوتها الأدبي أو طريقتها الخاصة في التعبير، بل أرجأ فقط بعض المشاريع والطموحات الكتابية إلى مرحلة ما بعد التخرج، حين تتوفر مساحة أوسع للتفرغ والعودة إلى الكتابة بعمق أكبر.
وتعدّ إدارة الوقت من أصعب التحديات التي تواجهها، فالدراسة العلمية تحتاج إلى انضباط ذهني واستمرارية، بينما تتطلب الكتابة صفاءً نفسيًا وحالة شعورية خاصة. وخلال فترات الامتحانات والضغط الدراسي يصبح التوفيق بين الجانبين أكثر صعوبة، إلا أنها تحرص على ألا تنقطع عن الكتابة تمامًا، ولو من خلال نصوص قصيرة أو أفكار سريعة تحتفظ بها لوقت لاحق.
وتؤمن بوجود تقاطع عميق بين العلم والشعر، فالعلم في جوهره محاولة لفهم الكون وكشف أسراره، بينما يسعى الشعر إلى فهم الإنسان ومشاعره وتحولاته الداخلية. وكلاهما يبدأ من الملاحظة والتساؤل والرغبة في اكتشاف ما وراء الظاهر.
وتستشهد بمقولة ألبرت أينشتاين الشهيرة: الخيال أكثر أهمية من المعرفة، معتبرة أن هذه العبارة تختصر العلاقة الحقيقية بين الإبــــــداع العلمــــــــــي والإبـــــداع الأدبي.
وعن رؤيتها للمستقبل، تقول إنها لا ترى نفسها مضطرة إلى اختيار مسار واحد على حساب الآخر، بل تطمح إلى النجاح في المجالين معًا. فهي، كما تصف نفسها، “كيميائية بقلب كاتبة”، يمنحها العلم الدقة والمنهجية، ويمنحها الأدب الدهشة والحس الإنساني، ويكمل كل منهما الآخر في صياغة رؤيتها للحياة.
في تجربة آية محمد الطائي تتجسد صورة جديدة للشباب العراقي الذي يبحث عن ذاته خارج التصنيفات التقليدية، ويؤمن بأن الموهبة لا تعرف حدودًا بين المختبر والمكتبة، وبين التجربة العلمية والقصيدة. إنها تجربة تؤكد أن المستقبل قد يصنعه أولئك القادرون على الجمع بين العقل والخيال، وبين المنطق والحلم.



















