
أزمة القيادة في ظل شرعنة الفساد – شُـهـب باسل طاقة
لم يعد الفساد في زماننا مجرد سلوك منحرف يُمارَس في الخفاء، بل أخذ يتسلل تدريجيًا إلى العلن تحت مظلات التبرير والتطبيع، حتى بات يُنظر إليه في بعض البيئات بوصفه جزءًا من «الواقع» الذي لا مفر منه. وهنا تحديدًا تتجلى خطورة ما يمكن تسميته بـ»شرعنة الفساد»،
أي تحويله من فعل مرفوض أخلاقيًا وقانونيًا إلى ممارسة مقبولة اجتماعيًا،
بل وأحيانًا وسيلة «ضرورية» لإنجاز متطلباتنا واحتياجاتنا في حياتنا اليومية.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس انتشار الفساد بحد ذاته، بل اعتياد الناس عليه وتكيّفهم معه. فعندما تصبح الرشوة، على سبيل المثال، إجراءً غير مستهجن لدى البعض،
فإننا نكون أمام تحول عميق في منظومة القيم، حيث يُعاد تعريف الصواب والخطأ
وفق منطق المصلحة لا المبدأ.
وفي قلب هذه الأزمة، تقف القيادة بوصفها المتأثر الأكبر. فالقيادة التي تُبنى
على القيم والمبادئ الصحيحة تفقد تدريجيًا رمزيتها، وتتلاشى حين تُحاصر بثقافة الفساد
أو تتماشى معها. وعندما تتآكل هذه الرمزية، يتراجع احترام التسلسل الإداري،
وتضعف هيبة القرار، ويصبح الالتزام بالتعليمات خاضعًا للأهواء لا للأنظمة.
وهنا تتحول المؤسسة من كيان منظم إلى ساحة من الفوضى المقنّعة.
منظومة كاملة
لقد تعلمنا منذ البدايات أن «الوحدة بأمرها»، وهي قاعدة لا تقتصر على السياق العسكري، بل تمتد إلى كل بنية تنظيمية وإدارية؛ فالمؤسسة بمديرها، والعائلة بربّها، والمجتمع بقادته.
وإذا كان القائد هو البوصلة، فإن انحرافها «ولو بدرجة بسيطة» كفيل بإرباك المسار بأكمله. لذلك، فإن فقدان القائد لرمزيته لا يعني ضعف شخصه فقط، بل يعني اختلال منظومة كاملة من العلاقات والثقة والانضباط وحب العمل.
إن استعادة التوازن لا يمكن أن تتحقق عبر الشعارات أو الإجراءات الشكلية،
بل تتطلب إعادة الاعتبار لمنظومة القيم التي يقوم عليها العمل المؤسسي.
فالاستقامة في العمل ليست خيارًا تجميليًا، بل شرطًا أساسيًا للاستقرار والكفاءة.
كما أن المساءلة ليست أداة للعقاب فقط، بل وسيلة لحماية النظام المؤسسي والاداري
من الانهيار التدريجي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية القائد القدوة، الذي لا يكتفي بإصدار التوجيهات،
بل يجسدها سلوكًا وممارسة. فحين يرى العاملون قائدهم ملتزمًا بالعدل، حريصًا على الحقوق، رافضًا لأي شكل من أشكال الفساد، فإن ذلك يخلق بيئة عمل صحية تقوم على الثقة والانتماء، وتعيد للوظيفة معناها الحقيقي بوصفها خدمة لا منفعة.
في الختام، تبقى معركة الفساد ليست صراعًا مع أنظمةٍ جامدة بقدر ما هي مواجهة
مع النفس قبل غيرها؛ فـ»من أصلح سريرته أصلح الله علانيته»، وما يترسخ في الضمير ينعكس حتمًا على الواقع. إن القيم حين تضعف، تفتح الأبواب لكل انحراف، لكن حين تستيقظ.
سقوط قيم
تعيد ترتيب الفوضى ولو بعد حين. فإن إصلاح القيادة هو بداية الطريق،
وهو الشعلة التي إن أُضيئت أضاءت ما حولها. ولعل الأمل يكمن في أن المجتمعات،
مهما طال بها الطريق، لا تفقد قدرتها على التصحيح؛ «فـالحق لا يموت ما دام وراءه مطالب». وبين سقوط القيم وعودتها، يبقى الإنسان هو الفيصل، إما أن يكون جزءًا من المشكلة أو بذرة للحل. فهل نختار أن نكون شهودًا على التراجع، أم شركاء في استعادة المعنى؟
وعليه، انطلاقًا من التجربة الميدانية، تشكلت لدي قناعة راسخة بأن إيمان المرؤوسين بقائدهم يُعدّ أحد أهم ركائز نجاح الإدارة وفاعلية القيادة المبدعة؛ فالثقة ليست عنصرًا ثانويًا،
بل هي الأساس الذي تُبنى عليه دافعية الأداء وروح الانتماء. وهذه الحقيقة تضعنا أمام تناقض مباشر مع مظاهر الفساد، التي تقوّض هذه الثقة وتفرغ القيادة من مضمونها.
ولا يقتصر هذا الأثر على مستوى المؤسسات، بل يمتد ليطال الدولة في بنيتها وكيانها. فحين يتغلغل الفساد في مفاصل الدولة، ويتحول إلى سلوك مألوف يُضرب به المثل،
عندها تبدأ هيبتها بالتآكل تدريجيًا. وتصبح ايضاً فاقدة لقدرتها حتى على فرض احترامها
في المحافل الدولية والإقليمية، ويتراجع وزنها بين الدول، لتصبح أكثر عرضة للانتهاك والتجاوز،
من الضعيف قبل القوي. وفي هذا السياق، يبقى الفساد نقيضاً دائماً للوطنية، وعدواً صريحاً لهيبة الدولة واحترامها.
«هنا تبدأ الحكاية… وهنا تُكتب النهاية التي نستحقها…»



















