الملا مصطفى بارزاني:جدل العلاقة بين الكرامة الشخصية والأنفة القومية

د‭.‬نزار‭ ‬محمود

في‭ ‬مقهى‭ ‬في‭ ‬دهوك،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأماكن‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬كردستان‭ ‬العراق،‭ ‬تجذب‭ ‬انتباهك‭ ‬صور‭ ‬ونصب‭ ‬للقائد‭ ‬التاريخي‭ ‬الكوردي‭ ‬الملا‭ ‬مصطفى‭ ‬البارزاني‭. ‬هذه‭ ‬الصور‭ ‬والنصب‭ ‬تذهب‭ ‬بك‭ ‬الى‭ ‬التاريخ‭ ‬النضالي‭ ‬لهذه‭ ‬الشخصية‭ ‬التاريخية‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬منذ‭ ‬بعيد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬وتأسس‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ ‬عام‭ ‬1921‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حرية‭ ‬وكرامة‭ ‬الشعب‭ ‬الكوردي‭ ‬ووفق‭ ‬رؤى‭ ‬قومية‭ ‬ووطنية‭ ‬تبناها‭ ‬ورفاقه‭ ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬ذلك‭ ‬الشعب‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬لن‭ ‬أتطرق‭ ‬باستفاضة‭ ‬الى‭ ‬تاريخ‭ ‬الحركة‭ ‬الكوردية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬والتي‭ ‬عاشت‭ ‬انتفاضات‭ ‬وحروباً‭ ‬ومعارك‭ ‬سياسية‭ ‬مع‭ ‬جميع‭ ‬انظمة‭ ‬الحكم‭ ‬ابتداءاً‭ ‬من‭ ‬العهد‭ ‬الملكي‭ ‬مروراً‭ ‬بجميع‭ ‬جمهورياته‭ ‬وحتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬وبالطبع‭ ‬مع‭ ‬اختلاف‭ ‬اشكالها‭ ‬ودرجاتها،‭ ‬وانما‭ ‬سيجري‭ ‬طرح‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬شخصية‭ ‬حول‭ ‬محركات‭ ‬الفعل‭ ‬المتمرد‭ ‬والمقاوم‭ ‬والمناضل‭ ‬لأكبر‭ ‬قيادات‭ ‬الحركة‭ ‬الكوردية‭ ‬المتمثلة‭ ‬بالملا‭ ‬مصطفى‭ ‬البارزاني،‭ ‬والد‭ ‬رئيس‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬والاقليم‭ ‬الكردستاني،‭ ‬مسعود‭ ‬البارزاني،‭ ‬الذي‭ ‬نظم‭ ‬قبل‭ ‬بعض‭ ‬الوقت‭ ‬استفتاءاً‭ ‬لاستقلال‭ ‬كردستان‭ ‬العراق،‭ ‬لكن‭ ‬الظروف‭ ‬والمواقف‭ ‬الدولية‭ ‬لم‭ ‬تؤيد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬غالبيتها‭.‬

معروف‭ ‬أن‭ ‬للكورد‭ ‬لغتهم‭ ‬الخاصة‭ ‬رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬لهجاتها،‭ ‬ولهم‭ ‬خصوصيات‭ ‬ثقافتهم‭ ‬رغم‭ ‬التداخل‭ ‬مع‭ ‬الثقافات‭ ‬التركية‭ ‬والعربية‭ ‬والفارسية‭. ‬كما‭ ‬تميزت‭ ‬أغلب‭ ‬أماكن‭ ‬سكن‭ ‬الكورد‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الجبلية‭ ‬من‭ ‬العراق،‭ ‬وهي‭ ‬المناطق‭ ‬المحصورة‭ ‬بين‭ ‬الحدود‭ ‬البرية‭ ‬للدول‭ ‬الثلاث‭: ‬تركيا‭ ‬وسوريا‭ ‬وايران‭.‬

ولهذه‭ ‬الأسباب‭ ‬الجغرافية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية،‭ ‬ولكون‭ ‬الشعب‭ ‬الكوردي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬يشكل‭ ‬القومية‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬العراقي‭ ‬عربي‭ ‬القومية‭ ‬في‭ ‬الغالب،‭  ‬بات‭ ‬الشعب‭ ‬الكوردي‭ ‬لفترة‭ ‬ليست‭ ‬بالقصيرة‭ ‬منعزلاً‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬حياته‭ ‬وممارساته‭ ‬اليومية‭. ‬هذه‭ ‬العزلة‭ ‬“الثقافية”‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬التثاري‭ ‬مع‭ ‬الشعوب‭ ‬الأخرى‭ ‬والتي‭ ‬انعكست‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬التطور‭ ‬الحضاري‭ ‬والاجتماعي‭ ‬لهم‭.‬

ولقد‭ ‬كان‭ ‬لانتهاء‭ ‬الخلافة‭ ‬العثمانية‭ ‬التركية‭ ‬وتزامناً‭ ‬مع‭ ‬انتعاش‭ ‬“الموديل”‭ ‬القومي‭ ‬لنهضة‭ ‬الشعوب‭ ‬والأمم‭ ‬آثاره‭ ‬في‭ ‬ايقاظ‭ ‬الوعي‭ ‬القومي‭ ‬لدى‭ ‬الكورد‭ ‬كذلك،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬مقومات‭ ‬ذلك‭ ‬النهوض،‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وتقاطعه‭ ‬مع‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬السائدة،‭ ‬محلية‭ ‬واقليمية‭ ‬ودولية،‭ ‬ومصالحها‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬لم‭ ‬تساعد،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬ولم‭ ‬تسمح‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬النهضة‭ ‬مع‭ ‬غياب‭ ‬الصيغة‭ ‬السيادية‭ ‬المتمثلة‭ ‬بالدولة‭.‬

هذه‭ ‬الحال‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬تركت‭ ‬آثارها‭ ‬في‭ ‬عقول‭ ‬ونفسيات‭ ‬ووجدان‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬الكردي،‭ ‬ودفعت‭ ‬بقياداتهم‭ ‬الى‭ ‬تحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬تقدم‭ ‬النضال‭ ‬من‭ ‬أجلها‭.‬

هذه‭ ‬القيادات‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تتسم‭ ‬بجملة‭ ‬من‭ ‬السمات‭ ‬لكي‭ ‬تلقى‭ ‬تأييدها‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬من‭ ‬تمثلهم‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬الكوردي،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭:‬

‭- ‬الاخلاص‭ ‬والاستعداد‭ ‬للتضحية

‭- ‬الرؤية‭ ‬الفكرية

‭- ‬القدرة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬وجدت‭ ‬في‭ ‬شخصية‭ ‬الملا‭ ‬مصطفى‭ ‬البرزاني‭ ‬تعبيراً‭ ‬عنها‭.‬

لقد‭ ‬استطاع‭ ‬الملا‭ ‬مصطفى‭ ‬البرزاني‭ ‬أن‭ ‬يكسب‭ ‬قضيته‭ ‬أنفة‭ ‬قومية‭ ‬انطلقت‭ ‬من‭ ‬خصائص‭ ‬كرامته‭ ‬الشخصية‭ ‬المتمثلة‭ ‬بشعوره‭ ‬بالبخس‭ ‬الانساني‭ ‬والاجتماعي‭ ‬لابناء‭ ‬شعبه‭ ‬في‭ ‬اطار‭ ‬مجتمعات‭ ‬الاكثرية‭ ‬القومية‭ ‬والثقافية‭ ‬التي‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬كنف‭ ‬دولها‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬نضال‭ ‬البارزاني‭ ‬قد‭ ‬تكلل‭ ‬في‭ ‬مكتسبات‭ ‬شعبه‭ ‬الكردي‭ ‬أيام‭ ‬جمهورية‭ ‬عبدالكريم‭ ‬قاسم‭ ‬وعودته‭ ‬من‭ ‬منفاه‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬ليعزز‭ ‬الاخوة‭ ‬الوطنية‭ ‬العربية‭ ‬والكردية،‭ ‬والذي‭ ‬عبرت‭ ‬عنها‭ ‬اهزوجة‭: ‬هربجي‭ ‬كرد‭ ‬وعرب‭ ‬يك‭ ‬حزام،‭ ‬ولاحقاً‭ ‬في‭ ‬اصدار‭ ‬بيان‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬آذار‭ ‬عام‭ ‬1970‭ ‬والذي‭ ‬قام‭ ‬عليه‭ ‬قانون‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬لكردستان‭ ‬العراق‭.‬