
د فيان فاروق
اربيل
اليوم، رفعت المعارضة في إقليم كردستان صوتها، ودعت الناس بالخروج إلى الشوارع، أملاً بزخم صاخب من الهتاف عبر الجماهير التي عولت عليها. لكنها حين التفتت حولها، لم تجد سوى عشرات معدودة من الجمهور، بالكاد بلغ عددهم زهاء المئة من المتظاهرين. في حين ظلت الشوارع ظلّت هادئة، كأنها تردّ على الدعوة بصمتٍ أبلغ من أي هتاف.
الناس لم يعودوا كما كان يظن قادة المعارضة. لقد خبروا وجوههم، وقرأوا نواياهم، وأدركوا ما يخبأ خلف الشعارات من أقنعة للمصالح. كيف يخرج شعب يئنّ تحت ثقل الظروف الاقتصادية ليهتف لمن كشف زيفهم؟ إن وعي الناس اليوم أصبح السدّ الذي يصدّ الكذب مهما تلون بشعارات الديمقراطية.
والمفارقة أن هذه المعارضة التي تتشدّق بالحرية، ليست سوى دائرة ضيقة من الأقارب يجمعهم الدم أكثر مما تجمعهم الفكرة، وتشدّهم المصالح أكثر مما يشدّهم همّ الوطن. يتحدثون عن الديمقراطية بينما يمارسون العصبوية في مجالسهم، وكأن السياسة غنيمة يتوارثونها كما يتوارثون الأسماء.
الأمر الذي زاد الهوة اتساعًا بين المعارضة والناس، والمثير للغرابة أن أبناء هذه المعارضة أنفسهم غارقون في عالم الاستثمارات الضخمة بالشركات، والعقارات، والمشاريع الاقتصادية التي تُدرّ الملايين، وعندما يتحدثون عن الفقر والجوع، يبدو الأمر وكأنهم غرباء عن المشهد! فالشعب يرى بأمّ عينيه منازلهم الفخمة وحساباتهم المنتفخة، فيتساءل: كيف لمن يعيش في القصور الفارهة أن يدّعي تمثيل من يسكن بيوت الطين؟! فأي تخريب هذا للمنطق؟ وأي تناقض صارخ بالقول إزاء الفعل؟ فوعي الناس هو الجدار الذي اصطدمت به شعاراتهم.
لقد أرادوا أن يحرّكوا الناس، لكن الناس اختاروا أن يقاوموا بصمت. صمتٌ عنيد يقول: لن نكون مطيّة لمصالحكم. ورغم الجوع والضيق، فضّلوا الكرامة على الانقياد، وتركوا المعارضة تخاطب الفراغ.
إن ما حدث اليوم ليس مجرد فشل مظاهرة، بل شهادة ميلاد وعي جديد، وعي يقول إن زمن استغلال الشعارات قد انتهى، وإن الشعب الكردي بات أذكى من أن يُقاد خلف مجموعة ترفع رايات الحرية.
وللشعب نقول: تمسّكوا بوعيكم، فهو سلاحكم الأصدق في وجه كل من يحاول أن يبيعكم الوهم.
وللمعارضة نقول: لقد انكشفت لعبتكم، فإن لم تراجعوا أنفسكم وتضعوا مصلحة الوطن فوق الشركات والحسابات، فالتاريخ سيكتب أسماءكم في الهامش، لا في المتن.























