
المشروع لعبد الحسن نوري الحكيم أنموذجاً
الرواية مخاض صيرورة
الزمان
تضم رواية “المشروع” أحداثاً واقعية جرت في الماضي وأخرى جارية وتخيلات لما قد يقع في المستقبل، صهرت معاً وتشابك الواقع والخيال لتكوّن لوحة كاملة، نابضة بألوان الحياة، تَحْمِل في تشكيلها لمحات ذاتية، وصورا عن أفراد عاشوا فعلاً، ومروا في مسيرة حياة الكاتب بكل ما يحملونه من صفات وعقلية ومشاعر وتصرفات أو بتركيز على جوانب منها، وآخرين ولدوا في مخيلته حاملين معهم شخصياتهم وسِيَر حياتهم ضمن إطار اللوحة.
لا يمكن أن يأتي المخاض لفكرة أية رواية وولادتها، إلا وأمام الراوي مسيرة حياته كلها، بما تحمله من تجارب وأحداث، يغترف منها ما يشاء وسير حياة الذين مروا عليه في أيامه وأعوامه الماضية، يلتقط منها حدثاً هنا، تصرفاً معيناً، حديثاً تفوهوا به رسخت في عقله الباطن، علاقات أقاموها مع الغير، قراءات بقيت نابضة في ركام الذكريات والتذكر.
هكذا ولدت فكرة رواية “المشروع” وتوالت كتابة أحداثها، فالمشروع الزراعي، بالنسبة للراوي، واقعٌ عاش مسيرته من خلال البحث والتقصي، وزاره لجمع المعلومات عنه وهو طالب علم، وأصبح المسؤول الأول له بعد عودته إلى أرض الوطن، لإعادة الحياة إليه، وبعد طرده منه تابع تطوره، وراقبه أثناء تفككه وحلم ببنائه بالصورة التي رسمها له في مخيلته.
بصدور الكتاب الرابع “الحلم” إكتملت رواية “المشروع” بأجزائها الأربع، كتبت خلال الأعـــــوام 2017 – 1989تسعة وعشرون عاما” من التفاعل المتذبذب مع أحداثها وصيرورتها، تأتي فترات نسيها الراوي تماما ووضعها في زاوية النسيان واندمج بحياته الخاصة ومتاعبها وكتاباته الأخرى ضمن اختصاصه وهواياته الكتابية من شعر وقصة ومقال صحفي عن مشاكل العراق وأبناء مجتمعه، وتهيأت فترات أخرى كانت الأولوية لكتابة أحداثها والإندماج مع شخوصها.
كانت فكرة الرواية الأساسية هي تعرية االعقلية الإدارية للدولة في تعاملها مع أحد المشاريع الزراعية الإستراتيجية، الذي تكلف الراوي بقيادته خلال تسعة أعوام، فبطل الرواية هنا هو مشروع زراعي، إلا أن إرتباط الراوي الوثيق به والتأثيرات والعلاقات الحميمية المتبادلة بينه وبين مسيرته وقدره وسيرة حياته وبصمات المشروع وأحداثها جعل من الراوي البطل الآخر للرواية.
لم يكن هدف الراوي كتابة رواية رباعية، وقد اتبع الطريقة العلمية في كتابتها، فقبل البدء بكتابتها خطط أحداثها الرئيسية، ومحطاتها المهمة وشخصياتها الفاعلة، وحينما بدأ بكتابتها سيطرت أحداثها على قلمه، وبدأ القلم يملي عليه تفاصيلها، وجعله، وهو يكتب، يعيش في عالم غير عالمه، لم يكن في غرفته جالساً أمام حاسبته، بل في مكان الحدث الذي تقوم أصابعه لاإرادياً برسم كلماته، لم يحاول كسر جماحها، وأخذت الأحداث تكوّن كيانا، فهي كثيرة ومشوقة، لم يرغب الراوي تجاوزها، وهكذا تحولت الرواية إلى رباعية، وقد إنتقدني أحد الأصدقاء وكان رأيه: إنه كان من الأفضل تكثيف الأحداث في كتاب واحد فقط، ولكن كيف يتم تكثيف أحداث رواية تمتد لستة وستين عاماً؟
سرد علمي
تدور أحداث الرواية خلال حقبة من الزمن تمتد لأكثر من ستة عقود ونصف بين عام 1970 لغـــــــاية عام 2005 وهي فترة طويلة مليئة بالأحداث وتحتاج إلى مساحة كتابية واسعة، وكان أمام الراوي حلان: إما إخراجها في كتاب واحد يصل عدد صفحاته إلى أكثر من الألف، أو تجزئتها إلى عدد من الكتب لا تتجاوز صفحات كل كتاب الـثلاثمائة صفحة، وفضل الحل الثاني وتجزئة الرواية إلى أربعة كتب، لأنه يسهل حمل الكتاب ومطالعته دون ملل، خاصة وأن الرواية تضم الكثير من السرد التقني-العلمي، الذي قد يُتعب المتلقي عند إدامته المطالعة، وحاول أن يجعل من كل كتاب من الكتب الأربعة رواية مستقلة بذاتها، لذا لا يشعر القارئ بفقدانه شيئاً إذا قرأ أحد الكتب ولم يستطــــــــع الحصــــــول على الكتب الأربعة معاَ.
مشروع زراعي
حاول الراوي جعل بطل الرواية مشروعاً زراعياً، دون أن يدع الدكتور “سالم” يستلم بطولتها، فهل نجح في ذلك؟ يترك الجواب للمتلقي، وهنا لا بد من القول بأن “المشروع” موجود في الحقيقة والواقع، وإن لم يرد اسمه على امتداد الكتب الأربعة: “النهوة” و”التحدي” و”العقوبة” و”الحلم”، وأي قارئ مطلع على قليل من جغرافية العراق لا بد وأنه سيعرف إسم المشروع، خاصة وإن المحافظة وعاصمتها القريبة من المشروع وبعض المعالم داخل المشروع قد وردت أسماؤها الحقيقية على امتداد الرواية، كذلك “الدكتور سالم” موجود حقيقة وإن تم تغيير اسمه، فالرواية تضم جوانب من سيرته الحياتية مطعمة بالكثير من الخيال والأحداث التي لا تمت بشكل مباشر بأية صلة مباشرة به، إلا أنها تشرح الواقع الاجتماعي والسياسي والإداري خلال أزمنة المشروع المتعاقبة، فالمشروع والدكتور “سالم” مترابطان ببعض ويشكلان بطلاً حقيقيا للرواية في الظروف والأحداث التي تم ذكرها.
ولكي لا تتحول الرواية إلى تقرير عن المشروع، كان لا بد من إيجاد ملحمة حب بين الراوي وإحدى فتيات مدينته، والتصدي لمشكلة “النهوة” العشائرية، وتحقيق مسيرة عائلية ناجحة، فـ”سمر”، الحبيبة، والزوجة المتفانية، ورفيقة العمر، بطلة الرواية، هي في الحقيقة لا وجود لها ومن نسج الخيال، وكل الأحداث المرتبطة بها هي أيضا من متطلبات السرد في هذه الرواية، لشرح بعض العادات والتقاليد المتخلفة في المجتمع العراقي ولتقديم صورة مثالية للزوجة التي تقف إلى جانب زوجها في الملمات والشدائد، تشد أزره وترفع من معنوياته وتقدم له الرأي الصائب، وتقاسمه حلو الحياة ومرها، وقد تصور الكثيرون الذين قرأوا الرواية، وبعضهم من المقربين للراوي، أنها زوجته الحقيقية، وجزءً من حياته الخاصة الفعلية.
نسج الخيال
كل الفصول في الكتب الأربعة المرقمة فردياً هي من نسج الخيال وتمثل حياة الدكتور سالم في سنوات مستقبلية لم نعشها بعد، وتقدم أنموذجا للعيش المثمر والنشاط الدؤوب لخدمة المجتمع في زمن الشيخوخة، فكل الأنشطة التي يقوم بها مع زوجته يمكن أن يقوم بها أيضاً الآخرون لو امتلكوا قليلا من حب الخير وبعثوا ما يكمن في نفوسهم من قدرات ذاتية للمبادرة، إنها صورة لخارطة طريق للوصول الى المجتمع المثالي. المدن الأربعة: “الحضارة” و”العروبة” و”واسط” و”سمراء” ليست موجودة بالصورة التي وردت في الرواية، مدينة “سمراء” مرتبطة بالمرحلة الثالثة من مجمع المشروع، التي لم تأخذ طريقها إلى التنفيذ، فهي غير موجودة إلا في المخططات الهندسية للمشروع ولا يوجد لها إسم أصلا”، مدينة “الحضارة” هي المدينة المركزية لمجمع المشروع وقد تم تنفيذ عدد من العمارات السكنية، وإسالة مياه، وعدد كبير من الدور الجاهزة فيها أثناء تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع، وسكنتها أسر فلاحية وبقيت على وضعها؛ مدينة العروبة، هي حاليا مركز الناحية، تكونت بدون تخطيط مسبق حول إدارة المشروع، وطُورت قليلا أثناء المرحلة الأولى بتنفيذ بعض الأبنية الخدمية وعدد من العمارات السكنية، وقد سميت في حينه بهذا الاسم؛ مدينة “واسط” هي نفس المدينة التي كانت تضم دوائر الناحية قبل أن تنقل إلى مدينة العروبة، وقد خطط لتطويرها مع تنفيذ المرحلة الثانية لمجمع المشروع.
يضم السرد في الفصول المرقمة زوجياً في الكتب الثلاثة الأولى (النهوة، التحدي، العقوبة) وفي كتاب “الحلم” لغاية الفصل الرابع عشر، مسار المشروع والشخصيات والشركات العاملة وإدارة الدولة وظروف الوطن، وهي حقائق وقعت فعلاً، وتم تصويرها حسب حدوثها زمنياً وبأسلوب يسهل على المتلقي تجسيدها في فكره ومتابعة حدوثها، عدا ما هو مرتبط بـ”سمر” فهو محض خيال. أما الفصول المرقمة زوجيا في الكتاب الرابع، “الحلم”، من الفصل الرابع عشر صعودا فهي أحداث خيالية تقع في زمن مستقبلي، تمثل حلم الراوي في كيفية بناء المشروع وإدارته في المستقبل.
صورة العراق
الرواية بمجملها هي محاولة لرسم صورة العراق آنذاك وأسلوب إدارته، عبر نظام روتيني متخلف، غير مرن، والمصاعب التي يواجهها الموظفون التكنوقراط الذين يحاولون توجيه سير البلاد نحو الصيغ الأصولية في الحكم وإدارة الدولة، إلا أن العراق، رغم توفر موارد النفط المالية، والثروات الطبيعية وعوامل الإنتاج، ورغم وجود العــــــقول النيرة من أصحاب الشهادات العليا والخبرات، لم يتقدم إلى أمام وبقي يتراوح في مكانه، لا بل، وبسبب تأثيرات القوى الخارجية وأطماعها وطيبة العراقيين الخيرين، وفقـــــدان الأمن، والحروب ضد قوى الشر، تراجـــــــــع خطوات إلى الوراء، لذا ينطبق علينا نص الآية الكريمة رقم 5 من سورة “الجمعة”: “مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التـــــــَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا”.























