الفنانة وداد الأورفه لي .. مسيرة حافلة بالوجع والإبداع
وجدان عبد العزيز
الانسان المبدع يتخطى مرحلة العيش الواقعي الاعتيادي الى مرحلة اثارة الاسئلة ومحاولة الاجابة عليها ، فعندما نعيش لأنفسنا تبدو الحياة قصيرة ضئيلة، تبدأ من حيث بدأنا نعي، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود، أما عندما نعيش لفكرة فإن الحياة تبدو طويلة عميقة تبدأ من حيث بدأت الإنسانية، وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض ، ونحمل رسالة الإبداع الفكري وصولاً إلى أبعد من مجرد التعامل مع الواقع، إلى مرحلة التأثير الإيجابي في صياغة الواقع وبلورته ومحاولة حل الاشكالات المسايرة له .. من هنا جاء كتاب (سوالف) للفنانة وداد الاورفه لي ، ضم “19” فصلا معززا بالصور ، ليعطي اضاءات من حياتها الزاخرة بالكثير من المفارقات والمغايرات التي لن تمر مرور الكرام ، بل تركت بصمات استثمرتها الفنانة الاورفه لي وراحت تجمع شتات موهبة ، رست وتفجرت في الفن التشكيلي ناهيك عن ابداعات موسيقية هنا وهناك وفعاليات ذهنية اخرى .. فكانت حياتها عسيرة جـــــدا منذ ولادتها ، حيث تاريخ الولادة 25/7/1929 م في بغداد ، فتروي الفنانة عن لسان عمتها : (والحمد لله بعد مخاض عسير تمت الولادة ، وكان المولود وداد ، فخرجتُ الى الدنيا كما وصفتني عمتي بلون ازرق وشبه ميتة ، ورموا بي في ارض الغرفة ظنا منهم اني ميتة ، وطلبوا من “الداية” أي الجدة ان تهتم بالام لانها الاهم … ثم تروي العمة “بقينا بانتظار امكِ ان تصحو ، وان حالتك ميؤس منها ، وعلى حين غفلة رأينا الطفلة المرمية على الارض تحرك يدها ، تسارعن نحوها وبكى الجميع فرحا وقمنا بتنظيفها ” .. وهكذا كانت ولادة الفنانة وداد عسيرة ، كما كانت مجمل حياتها ، الا انها ثبتت واستثمرت مسيرة حياتها بالابداع والبحث عن الخلود وسط مجتمع عراقي متخلف وذكوري في عقود الاربعينيات والخمسنيات ، وتنقلت بين مدن العراق بحكم عمل والدها ، كرئيس محاكم العراق انذاك ، قضت طفولتها في بعقوبة ، حيث دخلت الكتاتيب اضافة لدراستها في المدرسة ، وبدأت مشوار حياتها ، ثم الى محلة الاروفة ليه في الباب الشرقي وسط بغداد ، حيث تكتض بالبساتين وتسكنها الكثير من الطوائف اضافة للمسلمين المسيح واليهود ، وعبر مسار السوالف في كتاب تكون من عدة فصول ، حملت سيرة ذاتية من الولادة حتى النضوج ، وكما اسلفنا تنقلت بين مدن العراق ، ثم تنقلت بين المانيا ونيويورك والاردن وباريس ، ثم العودة الى بغداد وهكذا كون زوجها الراحل يعمل بالسلك الدبلوماسي ، وحينما استقرت بعض السنين في ارض الوطن تعينت معلمة في مدرسة الكرخ النموذجية 1952م ، ثم مدرسة السعدون النموذجية ، لتكمل دراستها في كلية الملكة عالية باجازة دراسية وبنصف راتب ، أي سبع دنانير وخمسمئة فلس ، ولان الفن يعيش في دواخلها ، التحقت بمرسم في الكلية يفتح بعد الظهر يشرف عليه د.خالد الجادر ، وفي النادي الاولمبي افتتح معرضا سنة 1956 م اشتركت فيه بلوحتين افتتحه جلالة الملك فيصل الثاني ، واساتذة المعهد منهم فائق حسن واكرم شكري واسماعيل الشيخلي وعطا صبري وغيرهم ، وكانت صفحات الكتاب كما اسلفنا ، قد عززتها بصور مع الملك وغيره من المسؤولين والاساتذة ، ومن نوادر الفنانة الاورفه لي انها اشتركت في معرض المرفوضات ، وهو مجموعة من اللوحات التي رفضتها اللجان من العرض في المعرض .. وفي عام 1956 م واثناء دراستها في الكلية ، التحقت في معهد الفنون الجميلة ، القسم المسائي ، وتعرفت على الفنانة نزيهة سليم ، ثم في سنة 1957 تُنقل من التعليم الابتدائي الى التعليم الثانوي .. وفي سنة 1961 م يخطبها حميد العزاوي حيث تستمر غرابة حياتها ، فيأتيها خطيبها بخبر اصدار امر بنقل خمسة من موظفي وزارة الخارجية الى المانيا ، وهناك بالمقابل خبر بالتريث عن النقل بسبب تقشف الدولة انذاك ، لهذا لابد من السفر مع خطيبها ، وهي لم تجهز نفسها للزفاف والزواج ، وهذا يشبه غرابة ولادتها .. وكان الاحتفال بزواجهم بالمطار وفي الطائرة ..وهناك في بون يكون معرضها الشخصي الاول افتتحه السفير العراقي د.جابر عمر .. وتتوالى مسيرتها الفنية بالمعرض الشخصي الثاني في نيويورك عام 1966م افتتحه السفير العراق عدنان الباججي ، ثم المعرض الشخصي الثالث في عمان ـ الاردن عام 1968م وعرض ايضا في لندن .. وحينما استقر بها المقام في بلدها العراق اسست قاعة الاورفه لي عام 1983م وعرضت فيه معرضها الشخصي تهاويل تراثية ، وكانت اول قاعة ليست حكومية في عهد نظام صدام حسين ، وتبقى تتنقل الفنانة الاروفه لي بين العراق ومدن العرب والعالم ، فيكون معرضها الرابع في عمان ـ الاردن .. ثم باريس حيث تعلمت صناعة المينا وفن الباتيك أي الطبع على القماش ، ثم العودة الى بغداد بعدها الى اسبانيا ، حيث قصر الحمراء وفن النمنمات ، بعد هذا الى السودان وتذكر الفنانة الواناً من عاداتهم .. بعد هذا يسافروا الى تونس الخضراء ، ومسرح قرطاج الدولي بعد هذا تكون العودة الى الوطن العراق .. وفي 22سبمتبر 1980م تندلع الحرب العراقية الايرانية وفي هذا الوقت يكون معرضها الشخصي الخامس من النمنمات التراثية العربية ، هذه المسيرة الحافلة والتنقلات المتنوعة ، استقر بها المقام وعائلتها في الاردن الشقيق ، حيث تؤلف البومها الموسيقي المهم وتواصل ابداعها …
{ كتاب (سوالف) للفنانة وداد الاورفه لي /دار الاديب للصحافة والنشر / الاردن ـ عمان الطبعة الاولى 2015























