الفحولة السياسية
د. سعد غالب ياسين
لا نقصد بالفحولة المعنى البيولوجي وانما نعني بها تحديداً دلالات المعاني المضمرة وايحاءات المقاصد التي تضفيها الثقافة العربية على الفحولة في الأدب والشعر والسياسة، كما فعل ابن سلام عندما صنّف الشعراء المجيدين في طبقات وسماهم بالفحول وانْ كانت الخنساء البكاءة بتعبير النابغة الذيباني من بينهم. امّا الفحولة السياسة فهي بُنية قيمية واجتماعية ونفسية تشكلت عبر مراحل تاريخية طويلة وأصبح حضورها لا شعورياً في الخطاب السياسي والممارسة العملية. الفحولة السياسية لها قيمة محورية تدور في صورة الذكر شديد الوطئة، صعب المراس، قوي الشكيمة وصاحب الغلبة على أقرانه. الفحولة السياسية تعني الجسد المنتج لدلالات الرجولة وعلاماتها الفارقة التي تعكس وجوباً للهيمنة والثقة من ناحية ومعادلاً ذاتياً معاكساً للضعف والوهن والترع.
المهم ان يكون جسد وايماءات وحركات وصوت السياسي منتجاً لدلالات القوة المجردة والفروسية بمعانيها الاجتماعية ذلك لأن علامات الضعف وان كانت تصدر عن شخصية ذكورية الاّ أنها تصبح بسبب آليات الاستدعاء الذهني والنفسي ذات دلالات أنثوية تقترن بقيمة الجسد الأنثوي المغلوب على أمره. وهذا ما لا تريده ولا تستطيع ان تستسيغهُ الذائقة العربية من أيام الجاحظ، فالحجاج بن يوسف الثقفي الى المتنبي والجواهري وغيرهم. ثم لنكون واضحين وصريحين ألم يستهونا المتنبي دائماً، ما الذي استهوانا في أبي الطيب؟ ما السرّ الذي يجعل المتنبي قريباً من الأجيال العربية في كل عصر وزمان؟ ألفصاحته؟ وجزالة لفظه وتفوق معناه وروعة حكمه؟ أم لرجولته وفروسيته وعنفوانه؟ أستطيع ان أجزم ان الذي استهوى الشباب العربي رجولة المتنبي وفروسيته، فخاره لا نسيبه، وحتى في نسيبه كنّا ولا نزال نرى المتنبي عاشقاً لا يضعف، ونسراً لا يُقتنص وطيراً لا تفتك به العيون التي في طرفها حور حتى وان كان لا يدري أطويلٌ طريقهُ أم يطولُ.
كنّا ولا نزال نذكر المتنبي حين يقول
فلمّا أنخنا ركزنا الرمـــــــــا حَ بين مكارمنا والعلــــــــــــى
وبتنـــــــــا نُقبّلُ أسيافنـــــــــا ونمسحُها من دماء العدى
لتعلم مصرُ ومن بالعراق ومن بالعواصم أني الفتـــــى
واني وفيتُ وأنــــــــــي أبيتُ وأني عَتَوتُ على من عَتـــا
وما كُلّ من قال قولاً وفى ولا كُلّ من سيمَ خسفا أبـــــــى
لله درُّك يا أبا الطيب كأنك ترسم لنا اليوم صورة زعامات عربية كان ديدنها ان تكون ما أراد المتنبي لنفسه، صورة الفتى الذي لا يشق له غبار في كل العواصم العربية قديمها وجديدها.
ليس عيباً بالتأكد ان تعشق النفس العربية اباء المتنبي ومروءته، كبرياءه وشموخه لكن العيب ان تنطلي علينا لحظة الاستبطان وصورته عندما نواجه السلطة الاستبدادية فننخدع بوجه فتانا الأوحد فنحبهُ وربما نعشقهُ وكل ذلك بسبب تمويه الصناعة الاعلامية التي تستدعي مخيالنا وذاكرتنا لنسقط فحولة الجاحظ والمتنبي وأبي فراس الحمداني والمعتصم وسيف الدولة الحمداني على الزعامات التي نريدها تجسيداً للقوة والشهامة. ولا نريد ان نرى فيها منقصة أو ضعفاً لأن حلمنا الطفولي لا يزالُ ندياً وعذباً وطرياً بدلالات الأماني الشجية التي تستعصي على الانكسار.
وحلمنا الطفولي للفحولة بكل تشكلاتها السياسية والثقافية له علاقة عضوية كما نعرف بالتربية والتنشئة الاجتماعية، ببرمجة الثقافة التي تضع الذكورة قيمة مركزية في سلم التثمين والتقدير على المستوى الفردي والجماعي. وبالتالي فان دور الخطاب العربي لكل تجلياته وتنويعاته لا يعدو ان يكون فعالية رمزية لاعادة تنشيط وانتاج هذا الحلم مع كل محاولات اسقاطه على الرموز السياسية القديمة والجديدة.
ولذلك قام الخطاب السياسي العربي على المبالغة من دون أي تقدير عقلاني لتوازن القوى وقوانين اللعبة الدولية وللممكن فالسياسي عندما يمتلك القوة بمعانيها المادية المجردة يميل الى استخدامها بأقرب فرصة فاذا لم يستخدمها يريد استعراضها والتلويح بها وكأنها عضلات ذكورية بحيث تبدو المسألة شخصية أكثر منها سياسية لردع الآخر. المشكلة ان يظهر خطاب الفحولة السياسية بصورة شعر النقائض والتمرين الكلامي البعيد عن حدود الواقع وممكنات الضرورة في حدودها القصوى فيتناسى في لحظة ان جمهور هذا الخطاب ليس القبيلة او العصبة الحزبية او السياسية وانما النخب السياسية العالمية والوجدان الانساني المعولم. دعونا نستمع لصوت الحجاج بن يوسف الثقفي لنرى صوته الفحولي المجلجل الذي يستعيده الخطاب السياسي بصور وألفاظ أخرى اقل جزالةَ وأضعف حيلة لكن المعنى القديم يعيد تنويعاته المضمرة في الخطاب المعاصر. قال الحجاج في خطبة له أيها الناس من أعياهُ داؤهُ فعندي دواؤهُ، ومن استطال أجله فعليّ أن أعجلهُ، ومن ثقُل عليه رأسهُ وضعتُ عنهُ ثقلهُ، ومن استطال ماضي عمره قصّرتُ عليه باقيه. انّ للشيطانٍ طيفاً وللسلطان سيفاً فمن سقُمت سريرتهُ صحّت عقوبتهُ ومن وضعهُ ذنبهُ رفعهُ صلبهُ، ومن لم تسعهُ العافية لم تضِق عنهُ الهلكة ومن سبقتهُ بادرة فمه سبق بسفك دمه. اني انذر ثم لا انظر، وأحذر ثم لا أعذر وأتوعدُ ثم لا أعفو انما أفسدكم ترنيق ولاتكم ومن استرخى لببهُ ساء أدبهُ. خطاب ذكوري لفحولة سلطوية تقوم على المبالغة لا التهويم، خطاب يضمر نسقاً يهاب القوة وقانونها للشيطان طيفاً وللسطان سيفاً. خطاب يستهجن الضعف ويزهو بالسيف الذي لا يبقي باقية لمعارضة سياسية او لرأي آخر.
خطاب يتكرر ويظهر بين حين وآخر ثم نجد من يريد استعادته واعادة انتاجه بألفاظ أخرى أقل حدةً وحميّةً وأكثر دهاءاً وتسامحاً من خطاب الحجاج الواضح والصريح والمجلجل وفي كل الأحوال تبقى الفحولة السياسية الوجه الأبرز للسلطة الاستبدادية قديمها وحديثها.
AZP07
























