العودة إلى أسئلة الحياة

موت محمود النمر العودة إلى أسئلة الحياة علي حسن الفواز باتت صور الموت تتكرر كثيرا في الحياة العراقية، حتى اكتسب هذا الموت- رغم قسوته- نوعا من العادية، ونوعا من التوقع، اذ يعيش الكثيرون عند عتباته، يعيشون قلق الانتظار والخوف والوجع..وحين يلامس الموت جسد الثقافة العراقية الاكثر تورطا بالقلق، والافجع تلمسا لما يتساقط من الحروب، تبدو الصورة وكأنها اكثر اسودادا، ليس لان الموت سيغرق كثيرا في عاديته، بل لان هذا الموت سينفتح على فضاءات اخرى، فضاءات لاحدود لها، اذ هي ذاتها القريبة الى فوبيا السجون والاسلاك والمطارادات، وهي مايخص المثقف العراقي المحشو منذ اكثر من ثلاثين عاما في مراثي الحروب والحصارات والمهاجر. هذا المثقف الاكثر عرضة لعوامل التعرية الثقافية والوجودية، مثلما هو الاكثر رعبا من حديث السلطات التي ظلت تطارده وتراقبه وترصد يومياته ووحدته المريبة.. محمود النمر الشاعر الطيب، والباحث من خلال الشعر عن لحظة وجود بهيجة ومنقذة، ظل يمارس مع الموت لعبة تبادل المواقع، اذ هو يترك الحياة اضطرارا بعد ان اخذت منه كل شيء، ولم تترك له سوى احلام مؤجلة وبعض قصائد يرشها هنا او هناك للايهام بالاطمئنان المغشوش.. تبادل ثنائية الحياة والموت مابين النمر والحضور تمثل اقسى فجائع التبادل القهرية، فالموت طاغية مرعب، لايشاطر احدا الاطمئنان، ولايضع عند وسادة احد احلاما ولا باقة ورد، ولاحتى مصروف جيب، لذا كان النمر يكرهه كثيرا، ولاسيما انه يعاني من الفقد الدائم، والفقر العلني، وهذا سمات لاتعني الموت كثيرا، لكنها تعني محمود النمر، اذ هو يعيشها برعب وانتظار وسخرية وخصومة، وشجارات صغيرة سرعان ماتنتهي بانطفاءة (عصبية) النمر الذي يعود الى هدوئه والى سخريته والى انتظاره ليوم اخر.. عمله في الصحافة كان جزءا من بحثه عن ماهو ضد الموت، لقناعته بان الصحافة التي تركض خلف الاشياء ستجعله بعيدا عنه، لكن الشعر الذي يحاصره دائما، كان يدفعه الى امكنة اخرى، امكنة لا اطمئنان فيها، لان كتابة القصيدة هي التورط في القلق، والتمرد على الوجود.. مابين هذه الكتابة او تلك ظل النمر يمارس لعبته القاسية في الحياة، وبحثه الدائب عن وجود يليق به، وان يخلصه من كل الضجر القديم والكآبات التي استوطنته بوصفه الجنوبي الازلي… محمد النمر..الذاكرة التي تستعي نفسها.. محمود النمر- رغم كل شيء- كان يلتذ بحيازته الكلام الصريح، الكلام الخالي من الاملاح والاصداف والاكاذيب، انه ذاكرة انسانية تمشي على قدمين…كائن بامتياز الحلم، وشغف الطيبة، ليس للشعر ابى الاّ ان يجاوره، وان يقلل من نسبة القلق تحت جلده، بل لانه كان اكثر تهجسا بالبحث عن معنى لوجوده، معنى يعيد له التواز والشغف بالحياة، ويخلصه من عقدة الجغرافيا التي تثير الضحك والضجر والكراهية احيانا…كان يحمل الجنوب مثل قميص لم يصب بالعطب، اذ تتكشف جنوبيته مع كل هاجس يلاحقه، ومع كل كلمة قاسية تعبر الى قاموسه…كان يجمع في قاموسه الاثير الكثير من المفردات والافكار، حتى بدت قصائده التي يكتبها وكأنها لاتتخلص من هيمنة ذلك القاموس/ الصدوق الذي يجاوره ابدا.. بالامس مات محمود النمر، وتخلى عن قاموسه وصندوقه واسراره وقميصه، وبانت القصيدة عارية بلا اغطية، وانفرط عقد الكلمات التي حرص على تجميعها مثل ماء مبارك..مات النمر الطيب والخجول والباحث عن اغطية لغوية واستعارات تبرر غضبه الذي ينكشف فجأة.. موت محمود النمر افقدنا الكثير من الاطمئنان، لانه كان يعيش لحظات وجوده بشيء من الحميمية، ورغم كل مايحاصره من وجع وفقر وهموم، الاّ انه كان اكثر تدفقا وانحيازا للحياة، يدافع عنها، ويعيش معها مايتيسر له من اوقات، حتى ان كانت مسكونة بالغبار، يظن دائما ان الشعر منقذه من القلق الوجودي، مثلما يتوهم ان الشعر سيكون حارسه ازاء الكثير من اللصوص الذي يلبسون الاقنعة والمعاطف الغليظة.. لم اصدّق حكاية موته، وربما كنت اتخيل ان سيهاتفني مثل كل مرة باحثا عن فكرة ما، او متسائلا عن موضوع كثيرا ما يضحكني، لانه لايصدقه احيانا، لكن بحثه الدائب عن حياة اخرى تدفعه الى المناطق الوعرة، بما فيها الوعورة الثقافية والمعرفية، تلك التي تصيبه بالتضخم والضحك… موت النمر خسارة لذاكرتنا، خسارة ليومياتنا التي كان ضاجا بها..كل الاصدقاء فغروا افواههم ازاء حقيقية هذه الخسارة، لانهم لم يصدقوا موت هذا الرجل الشاعر واليومي والكثير الحركة رغم وزنه الزائد دائما، ولعل الاسئلة التي تأتي عجولة وحادة وغريبة تؤكد هذه الغرابة، حتى ان البعض راح يتحرى ويتصل ويصرّ بالسؤال عن مصداقية الرحيل الابدي للنمر.. قد لايليق بالنمر ان نبكيه، وان نصدق تماما حكاية موته، لكن مايليق به هو استذكاره بوصفه واحدا من صنّاع يومياتنا الثقافية، وواحدا من حراس البوابة الاجتماعية لثقافتنا المصابة بالاوهام كثيرا، والمحشوة بالكثير من الاكاذيب ايضا، لانها ثقافة كارزمات وابراج ومركبات سريعة.. محمود النمر الضاحك على اكاذيب الثقافة، والمؤمن بحيوية الشعر بوصفه جوهر الصدق، سيكون بعد موته اكثرنا فرجة على اسئلتنا التي لاتصـــــــدق هذا الموت الغريب والعجول، والتي ستجره الى الحـــــــــياة التي كان يريدها رغما عن الجميع… فهو كان يحتفي بها كثيرا ويشعل لها الكثير من الفوانيس، ويرفع لها ايضا الكثير من اليافطات…