(الزمان) تحاور الشاعر منذر عبد الحر: 1 -2

(الزمان) تحاور الشاعر منذر عبد الحر:   1 -2

قصيدة النثر العراقية تتقدّم سواها بالخصوصية والتميز

عبد اللطيف الموسوي

أنا احاور الشاعر منذر عبد الحر  لا اعرف لماذا تبادر الى ذهني خاطر مفاده ما أحلى ان تكون شاعراً وإنسانا في آن واحد، هل لأنني لمست من خلال اجاباته ان المرء لايمكن ان يكون شاعراً حقيقياً إن لم يكن إنساناً بمعنى الكلمة ، لأن الشاعر لابد له ان يتعامل بصدق مع الشحنة الأولى للقصيدة ، على رأي عبد الحر، فكيف له ان يتسم بالصدق إن لم يكن إنساناً بمعنى الكلمة . ولأنني اعرف شاعرنا عن قرب وأعرف مدى انسانيته فأنني اقد ادركت مبكراً ان انسانيته هي سر شاعريته المبكرة فقد كان اول مقصيدة له قد نشرت في صحيفة عربية لبنانية تحديدا مع مقدمة لها من المحرر القفافي وهو امر نادر كما ان شاعريته الفائقة ترتبط بإنسانيته فها هو رغم السنوات الطويلة لازال يتذكر مراتع صباه في البصرة العتيدة ويذكر شعرائها المنسيين بمزيد من الفخر والتبجيل . وفي هذا الحوار تيقنت من انسانية شاعرنا عندمتا سألته عن الجملة النثرية التي لا ينساها فذكر لي مقطعاً من قصيدة تتحدث عن الحرب وهذا دليل على ان فواجع الحرب ومآسيها قد حركت انسانيته.الملفت في هذا الحوار الذي اقدمه بفخر لقارىء (الزمان) لم يكن اعتداد عبد الحر بنفسه فحسب وانما اعتداده بقصيدة النثر العراقية  التي قال عنها انها( ذات خصوصية وتميز تتقدّم بهما عن النماذج الأخرى ، عربيّة كانت أم عالميّة) .. لكي لا اطيل هاهي محصلة حواري مع الشاعر منذر عبد الحر:

{ ( قلادة الأخطاء ) هي مجموعتك الشعرية الأولى وقد صدرت عام 1992  فهل ثمة اخطاء في مسيرتك أديباً وانساناً وهل استفاد منذر عبد الحر من اخطائه؟

– الخطأ فكرة ، وأنا أرى أنه يبدأ مع الإنسان منذ يوم ولادته الأول ، لأن البياض يبدأ بالرحيل التدريجيّ من ورقة العمر . والخطأ هنا ، ليس بمعناه المتداول ، بل هو رؤية وموقف جماليّ ، وخيار فكريّ أيضا ، لذلك وضعت قلادة في عنقي أسميتها ” قلادة الأخطاء” وأنا أرى أنها أخطاء في غاية العذوبة والجمال والإنسانية.

{ بعد هذه السنوات الطويلة، لو طلبت منك تشذيب ومراجعة قلادة الاخطاء، فهل تقوم بذلك ام انها ليست بحاجة الى ذلك؟

– لن أشذّب ، بل سأضيف لها شذرات أخرى ، لأن ما منحتنا إياه حياتنا ، من خسارات وفقدان ومواجع وآلام تجعلنا متشبثين بتدوين ما نراه بكل إصرار وحرقة وتحدٍّ أيضا.

{ بين مجموعتك الاولى ومجموعتك الأخيرة ( صديقي الأمل ) الصادرة في2015 ست مجاميع شعرية اخرى، كيف تفاضل بين هذه المجاميع وكيف تصور لنا البارومتر الفني لها؟

– للعلم يا صديقي العزيز ، إن لكلّ مجموعة نكهتها وطابعها وزمنها ولذة قصائدها ، وهن مثل بناتي الحلوات المدللات ، اللائي أنتمي لهن وينتمين لي ،فلا فرق بينهن .

{ كتبت الشعر العمودي والنثر ، اين تجد نفسك ولماذا؟

– لكلّ قصيدة شحنة انطلاقتها ، وفي كل ما كتبت لم أحدد مسبقا شكل القصيدة ، لكنني بعد المضي في بنائها أشعر بطبيعة شكلها ، لأحرص بعد ذلك على معالجتها فنيّا ، وتدارك أدوات إنجازها ، لتكون ضمن النسق الفني الذي جاءت به ، لذلك فإن القصيدة هي التي تختار شكلها ، وما علي إلا الإستجابة .

{ ما اجمل بيت شعري قلته، وماهي الجملة الشعرية النثرية التي تراودك  اكثر من غيرها ؟

– سأقول أنني أحبّ بيتين من الشعر العمودي كتبتهما في بداية طريقي الشعري وهما :

تبقى الوجوه وإن شطّت بها السبلُ  والشوقُ ينخرُ ما قد ضمّت المقلُ

هذي الحياةُ فدعها في جذاذتها

نسعى إليها وغير الموت لا نصلُ

أما الجملة النثرية التي لا أنساها فهي من قصيدة اعتراف كتبتها منتصف تسعينات القرن الماضي وأقول فيها :

كلانا يحملُ زهوراً ذابلةً

خذي كفّي

منحتها الحربُ ندما

واختفت فيها الوصايا

ولوّحت

لوّحت كثيرا للغائبين

{ هل تتذكر اولى خطواتك في النشر ؟

–  نعم ، كانت محاولاتي الأولى بين باقة من أجمل وأروع الشعراء في محلة الجمهورية الشعبية في مدينتي الغالية البصرة ، كنا نتعاطى الشعر بهوس وعشق وجمال ، وكنا نتبارى في الحفظ والإنشاد ، وكنتُ على حياء أرسل بعض نصوصي البسيطة إلى الصحف المتخصصة ، وقد نشرت لي نصوصاً قصيرة في صفحات القراء ، حتى نشرتُ نصي الأول في مجلة” ألوان” اللبنانية وقد أخذ مساحة ممتازة ، مع مقدمة لمحرر الصفحة ، حينها دخلتُ عالم النشر ، كان ذلك منتصف عام 1979 .

{ شاعر عراقي تعتقد انه لم يأخذ استحقاقه من الشهرة والاعلام ولم ينصفه النقاد؟ وهل هناك شعراء اخذوا من الشهرة والمتابعة اكثر مما يستحقون؟

– نعم هناك شعراء رائعون لم يأخذوا فرصتهم الحقيقية في النشر ، وهم من زملائي في إعدادية الجمهورية للبنين ، حيث كانت منجما للإبداع ، ومن هؤلاء الشعراء ، توفيق حنتاو ومنصور مذكور ورعد السيفي وغيرهم ، وهناك من ظلم شعريته وبقي منزويا مثل الشاعر الدكتور مديح السويعدي ، أما الذين أخذوا من الشهرة ما لا يستحقونها ، فهناك الكثير من الأسماء والأمثلة ، ولعلّي سأثير ضجيجا لا أريده ، لو ذكرتُ بعضا منهم .

{ شاعر تمنيت ان تصل الى مستواه في الشعر العمودي وقصيدة النثر؟

– لم أسع لهذه الأمنية ، فأنا أعتزّ بتجربتي الذاتية رغم إعجابي بقدرات الكثير من الشعراء المبدعين في كل لون شعريّ .

{ تكتب الشعر والرواية والمسرحية ولديك مسلسل تلفزيوني وتعمل في الصحافة والاعلام، هل ترى ذلك تشتتاً، أم مواهب متعددة.. وماذا لو ركزت على جنس واحد هل كانت النتيجة افضل؟ مع يقيني انك تعد نفسك شاعراً قبل كل شيء؟

– ربما تنطلق كل كتاباتي من إحساسيّ بشعريتي ، لكنني لم أحدد يوما كتابة لون محدد من الفنون الأدبيّة التي ذكرتها ، ولكن هناك رؤى وأفكار لا يمكنها أن تتضح كما أريد في القصيدة ، فالرؤية الفكرية ، والرسالة الإنسانية ، والموقف الخاص لا يمكن للقصيدة أن تنزل إليه ، فهي في هذا الخيار ستكون سطحية مباشرة فيها من القصديّة الكثير ، لذلك ، تصاغ الأحداث سرديّا ، فأخضعها فنا لاشتراطات السرد ، أو تتطلب مني الأفكار إطلاقها دراميا فأخضع أدوات بنائها للمسرح أو الدراما ، وفي هذا ليس تشتتا ، وضياع جهد أو طاقة ، فأنا أرى العكس أن هذا التوزيع ينظّم الرؤى والأفكار ، ويجعلني مخلصا للشعر أكثر .

{ ما هي البوابة التي تفتحها القصيدة لك عند عناقك لها للوهلة الاولى هل هي  بوابة الطفولة، أم الحب أم المرأة، أم الذكرى… ؟

– بصراحة ، عندما أتعاملُ مع الشحنة الأولى للقصيدة ، أشعر بأنني أمتلك العالم كلّه ، وعليّ أن أتجول في ما أختاره من أنصع وأجمل الأشياء ، ولا أعني بالنصاعة والجمال هنا ، البعد الهاديء المسترخي في هذه الأشياء ، بل بما توفّره من تناقضات وتباعدات أستطيع لمّها بجملة أو مفردة أو مقطع شعريّ ، لتجتمع حولي كل المفردات التي ذكرتها في سؤالك من طفولة وحب وذكرى .

{ هل يلج منذر عبد الحر الى القصيدة ، أم القصيدة هي من تلج الى عوالمك؟

– لا أقسر نفسي على الكتابة ، لذلك فإن القصيدة هي التي تسعى إليّ ، وأحيانا أنتظرها طويلاً حدّ اليأس ، لذلك فأنا لا أراهن على قصيدة قادمة ، لأنني لا أدري هل تأتي أم لا ، وعليه فإنني أرى أن كل قصيدة أنتهي من كتابتها قد تكون هي قصيدتي الأخيرة .

{ تقنيات القصيدة؟

– التقنيات تأتي لاحقا ، أي بعد معاينة النص وإعادة قراءته ، فموضوعة القصيدة التي تطلقها الشحنة الأولى هي التي تحدد طبيعة الإحساس والبعد الجمالي الذي تحتمه مسارات القصيدة عندي ، لذلك فأنا أكتب القصيدة كتابات عدة، الكتابة الأولى لا أتدخل بها إطلاقاً .

{ يمكن للقصيدة ان تدخل الشاعر في دهاليز وكمائن ، كيف للشاعر ان يتفادى مطبات القصيدة وغوايتها؟

– على الشاعر أن يكون صادق التجربة في ما يكتب ، لذلك لن تكون هناك مطبّات أو كمائن حقيقية ، لأن الصدق الفني ، والحرية التي تتيحها مجازات وآفاق الشعر ، تجعل الشاعر بعيدا عن هذه الكمائن والمطبات ، فيجتازها بالبدائل الفنية المتاحة دائما .

{ هل ترى أن الشعر قادر على تغيير العالم ، وهل يمكن ان يتفوق مفعول الكلمة عى شراسة السلاح؟

– نعم ، الشاعر الحقيقي قادر على مواجهة العالم وتغييره ، ولكن على هذا الشاعر أن يمتلك أدوات العصر الذي يعيش صراعاته ، وبالتالي المقدرة على امتلاك الأسلحة المناسبة للتعامل مع الناس ، وبالتالي جعلهم ضمن بوصلة الشاعر وجغرافية قصيدته.

{ هل ترى  ان لقصيدة النثر العربية خصوصية ما عن نظيرتها في اماكن اخرى؟

– قصيدة النثر هي الشعر خالصاً ، وهي الفنُّ المرهف المفترى عليه من قبل النقد والنقاد والكثير ممن يحسبون في خانة الشعراء ، إن قصيدة النثر العراقية تحديدا، ذات خصوصية وتميز تتقدّم بها عن النماذج الأخرى ، عربيّة كانت أم عالميّة ، ولي شخصيا دراسات وبحوث تتناول هذه الموضوع بعلميّة ودرايّة وموضوعيّة وتشخيص .

{ هناك من يعتقد ان الشعر في غفوة وان الرواية تتجاوزه بكثير، برأيك ما الاسباب وهل يمكن ان يتغير الحال؟

– قضية تجاوز الرواية للشعر ، فهذا أمر اقتصاديّ تسويقيّ ، يتماهى مع حركة الحياة المعاصرة ، والقصد من هذا التجاوز ، هو المبيعات الأكثر ، وهو أمر يتعلّق بالرغبة في الاقتناء ، وكذلك الاسترخاء الذي يحمله فن السرد للمتلقي ، لكن الشعر ، بتوتراته وتقدمه على الذائقة التقليدية ، لا يستطيع أن ينافس كبضاعة ، ولا يستطيع أن يحقق المبيعات التي تحققها الرواية ، وهذا جدل ، قد يفضي بنا إلى التوسع في سياسة تسويق الأدب وأزمات هذه السياسة.