الرأس الكبير في رغبات منفلتة.. كشف الأحداث داخل بنية متماسكة
يوسف عبود جويعد
في رواية (رغبات منفلتة ) للروائي فوزي الهنداوي ، نكون مع السياق الفني الصحيح المطلوب لصناعة الرواية ، اذ نتفاجأ ببناء متماسك رصين داخل بنية النص السردي ، كوننا ننسى تماماً ان الاحداث التي نتابعها يقدمها راو ، بل ان الروائي استطاع ان يكون خلف الاحداث السردية ، ليكون المحرك المختفي دون ان نشعر بوجوده ، وهذه البنية النصية المجردة تظهر بشكل انسيابي متصاعد متواتر ، وقد خلت من كل الشواذ والزوائد ، والوصف الذي طالما لاحظناه ونحن نتابع بعض الروايات ، والذي يظهر حس وشخصية وتداعيات وذات الروائي ، حتى اننا نخاله يأخذ حيزا كبيراً من المتن النصي ، وهذا الظهور على حساب السياق الفني للمبنى السردي ،وهو يشكل حالة من حالات الاعاقة والتعثر في المسار الصحيح لحركة السرد ، الا أن الروائي فوزي الهنداوي استطاع ان يجيد صنعة وفن كتابة الرواية ، فخرج منها ليتيح للمتلقي ان يعيش مع الاحداث صافية مجردة ، أي ان الروائي قدم لنا المبنى السردي دون ان يشير الى وجوده في فضاء النص ، كما انه استطاع ان ينسجها بخيوط الرواية العاطفية الرومانسية التي تهفو النفوس لمتابعتها ، وهي في ذات الوقت احداث واقعية وقعت ابان حكم الطاغية ، بالرغم من انها تنحى منحاً رومانسياً ، كما ان الزمان والمكان افتراضياً وضمن السياق ، حتى أن المتلقي يتوق الى ان يكون بديلاً عن بطل الرواية ، حيث توفرت لديه فرصة حياتية نادرة الحدوث ، وداخل هذا المبنى نسج الروائي خيوط الدراما التي اضفت الى احداثها قوة جذب ممتعة ، ولم اكن مغالياً في وصف معالم الجمال في هذه الرواية ، او امتلاكها لمقومات الرواية الناجحة التي تصل في نسيجها الى مصاف الروايات العالمية ، وهذا بحكم خبرتي في تحليل ونقد الروايات الكثيرة التي مرت عليّ ، فأنني احس بان الروائي فوزي الهنداوي وكأنه احد االبناة المهرة الذين يلتزمون بحرفية البناء وهو يرص المبنى بالتتابع ، ولا يستطيع الرائي ان يكتشف البناء برمته الا بعد وضع آخر حجر فيه ، فعالم هذه الرواية يأخذنا في اتونها دون معرفة مسبقة لما سوف يحدث الا بعد المتابعة خطوة بخطوة ، ولكي نكتشف جمال النص وحبكته المتقنة ، علينا الرحيل معها ، فسيف بطل الرواية والذي يقوم بمهمة سرد الاحداث ، جميل ، رشيق ، حسن المظهر وانيق ، ومفضل لدى النساء ، وهو تواق للتعرف على الجنس الناعم ، والصدفة وحدها تأخذه ليقف في طابور طويل ، وتقف امامه امرأة حميلة شقراء ، ومن اثر التدافع يحتك بجسدها ، وبالرغم من احساس تلك الفتاة من انه ملتصق بها ، الا انها تواقة لمعرفته ، وأقامة علاقة لا تخلو من العاطفة الجنسية معه ، عندما يشتد الزحام تطلب منه ان يخرج معها للخروج من هذا الحشد والتدافع المتعب ، وأنا الآن لست بصدد عرض احداث الرواية الا أنني اريد ان اضع المتلقي في خضم هذا البناء ليكتشف مدى وضوح بنية النص السردي وابتعاد الروائي عنها ، وتوطدت تلك العلاقة ، ليكتشف سيف ان هذه السيدة والتي اطلق عليها اسم الملكة هي زوجة سفير ، وجاءت لبغداد لزيارة اهلها وقضاء فترة شهرين فيها ثم العودة وخلال هذه الفترة يستطيع الروائي جذبنا وهو يهيمن على حواسنا لنعيش حالة الوجد والهيام والعلاقة العاطفية الجنسية المتقدة ، ونحن نشعر بأن سيف يعيش مع الملكة حالة حب مكتملة ، حب الروح ، وحب الجسد ، وتستطيع الملكة اخراج سيف من حالة الفقر الذي كان يعيشها ، حيث اغدقت له العطايا والاموال ، وفتحت شركة كبيرة جعلته فيها المدير المفوض ، حتى ظهرت شخصية جديدة لتقلب موازين سير الاحداث ، ويزداد الصراع احتداماً داخل متن النص السردي ، وتلك السيدة ، التي ارتأى الروائي ان لا يفصح عن أسمها ، واطلق عليها اسم المدام هي امرأة متسلطة ، وهي عشيقة الرأس الكبير ، ويعني بذلك الطاغية المقبور ، أي انها عشيقة رئيس الدولة ، والكل يعرف ما يعني ذلك ، في ذلك الزمن الصعب ، وظهور هذه الشخصية اعطى للاحداث حدتها وتواترها ، ومنحنا شحنة كبيرة وتواقة لمتابعة الاحداث ، فلقد كانت عنصراً مهماً في رفع مستوى الحس الدرامي داخل النص ، وقد عشقت سيف بالرغم من تعلق سيف بالملكة ، والامر الذي زاد المدام بالتمسك بالسيف ، هو حث الملكة أي حبيبته الى اقامة علاقة معها من اجل ان تحصل منها على عقود تجارية ترفع المستوى المادي والمعنوي لشركتها ، ومن هنا يتأكد لنا اننا امام خيوط نسيجية سردية متداخلة ، منها واقعية الحدث وحقيقته ، والحس العاطفي فيها ، والحس الدرامي ، ووضوح الرؤيا السردية ، واللغة التي تشبه السهل الممتنع ، كما أن الروائي اعتمد على لحوار داخل مبنى النص ليكون عنصرا مهماً في تحريك الاحداث السردية نحو ذروتها ، فليست هنالك ضرورة الى الوصف المباشر ، بل انه اعطى للحوار مهمته الاساسية في نقل صورة الحدث ، حيث ظهر الصراع بين القوة والضعف ، اذ ان المدام عشيقة الراس الكبير ، قررت ان يكون سيف لها وحدها ، بينما انبرت الملكة للدفاع عنه ، وبما ان المدام تشكل مصدر صراع القوة ، فقد وضعت سيف في موقف حرج ، امام ان يكون لها ، او تنتقم منه ، ولانها قوية كونها تحتمي بالراس الكبير ، أي رئيس الدولة ، الطاغية المقبور ، فقد اصدرت امر القاء القبض ضد سيف ، بعد ان اخل بوعده ولم يحضر في المكان الذي حددته ، الامر الذي حدا بسيف الهرب الى محافظة السماوة ، ثم الى البادية ، للخلاص من جبروتها ، لانه يحس بأنه هو الخاسر ، وهي تستطيع ان تفعل أي شيء كونها عشيقة لاكبر راس في الدولة ، وبعد ان ينتهي هذا الصراع غير المتوازي، وتحل المشكلة ، يفضل سيف البقاء في البادية مع مريم ، لكونه وجد الحياة في المدينة باتت مستحيلة ، كونها تحكم بالقوة ، ويظهر لنا الروائي شخصية المقبور في الحوار مع المدام عندما قدمت بين يديه مستنجدة لغرض اخراج زوجها الوزير من السجن ، وهذا الحوار الذي استله الروائي من متن النص ليظهره في غلاف الرواية ، صورة لشخصية الرأس الكبير ، الطاغية يقدمها كما حدثت ((استأنفت المدام حديثها بعد ان شربت كأساً من الماء :
في بداية اللقاء قال : انا اعرف لم انت هنا ، من اجل زوجك ، انه بلا قيمة ، ولا يستحق ان يكون حراً
اجبته بدبلوماسية : هذا رأيك سيدي .
رد:
– اجد ان زوجك مغرور ، يعتقد انه يعرف كل شيء .
بعد ان انهى كلامه ، وقف ، ثم جال في مكتبه ، حتى يقترب مني ، ثم مسكني من خصري وبدأ بتقبيلي ومداعبتي ، لم يتوقف عن تحسس كامل جسدي ، حتى المناطق الحساسة .
ثم قال لي : جسدك رائع ، حافظي عليه ، انت جميلة ، ولو اني اعشق الشقراوات الا انك مثيرة ، خلال ست دقائق خضعت لاعتداءات منه ، حاولت صرف انتباهه ، فقلـــــــــت له :
– هل تعرف من اكون ؟
اجاب ضاحكاً
– بالطبع ، انا اعرف كل مواطن ، لا تكوني مغرورة مثل زوجك ، لابد ان تعرفي اني لا احتاج الى ترخيص لأخذك ، ان رغبت في ذلك ، سواء كان زوجك هنا او في الحبس او حراً ، فمتى ما رغبت ، فسأحصل عليك )) أن رواية (رغبات منفلتة ) للروائي فوزي الهنداوي ، تعد من الروايات التي خرج منها الروائي ، لتقدم لنا نصاً سردياً في بناء لا نلمح وجود الروائي داخل فضاءه ، وانها من الروايات التي كانت من المسكوت عنها في ظل النظام البائد وقتذاك ، كونها تكشف وجها آخر من وجوه الخسة والرذالة والفساد في شخصية الراس الكبير كما وصفه الروائي ،وهو مجرد من الانسانية كونه على استعداد لخيانة الذين يعملون معه ، وممارسة الرذيلة مع زوجاتهم دون أي رادع او خوف من احد ، كونه حاكما جائرا ومتسلطا وقمعيا ودمويا، كما انها من الروايات الرومانسية التي قل نظيرها في الوقت الحاضر ، فعالمها مليء بالمتعة والدهشة والانبهار .
رواية رغبات منفلتة الطبعة الاولى عام 2016
التحضير الطباعي مكتب ضوء القمر – بغداد
النشر والتوزيع : دار دجلة للصحافة والنشر – بغداد
كما انها صدرت في كندا باللغة الانكليزي عام 2015























