الحرية والإسلام ـ حسن حنفى

الحرية والإسلام ـ حسن حنفى
قامت الثورات العربية فى تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا. ولم يعد أحد يشك فى امكانيات الشعب العربى على الثورة بعد استكانة طويلة منذ الخمسينيات والستينيات باستثناء بعض الانتفاضات الشعبية هنا وهناك وعلى فترات متقاربة مثل الانتفاضة الشعبية فى يناير 1977 والأمن المركزى 1986 والانتفاضة العمالية فى السادس من أبريل 2010 ومثلها فى تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا والبحرين والكويت. ولم يعد أحد يشك فى أن الوطن العربى يشاهد ثورة ثانية بعد الثورة الأولى فى الخمسينيات والستينيات بقيادة الضباط الأحرار وهى الآن بعد العقد الأول من القرن الواحد والعشرين اي بعد حوالى أكثر من نصف قرن بقيادة الشعوب الحرة. ومن يدرى متى تكون الثورة الثالثة بعد أن تتعثر الثورة الثانية بسبب نسيان الوحدة الوطنية من أجل الصراع على السلطة لصالح الفرقة الناجية، كما تعثرت الثورة الأولى وتحولت الدولة الوطنية التى سقط من أجلها ملايين الشهداء الى دولة مستبدة. وتقوم الثورة الثالثة هذه المرة بقيادة المفكرين الأحرار بعد تثوير الثقافة والبداية من البداية كما حدث فى الثورة الفرنسية.
وبعد انتصار الثورات العربية، والبقية فى الطريق، بدأت التحديات، ما العمل؟ ونظرا لأن الحرية والديمقراطية كانتا المطلب الأساسى لها قبل العدالة الاجتماعية. فالقهر يأتى قبل الفقر، وتجوع الحرة ولا تأكل من ثدييها و لاقينى ولا تغدينى . كانت الحرية هى المطلب الأول بإسقاط الاستبداد الشعب يريد اسقاط النظام . والاستبداد فى غياب الرقابة يؤدى الى الفساد. واذا كانت الثورة المصرية والثورة التونسية فى مرحلة التحول الديمقراطى بعد انتصار الثورة قد أدت الى حصول الاسلاميين على الأغلبية بعدهم يأتى العلمانيون أو اليسار من ديموقراطيين وليبراليين وناصريين وماركسيين ووطنيين. وربما تكون نفس النتيجة اذا ما تمت انتخابات حرة فى البحرين والكويت وسوريا والعراق والجزائر والمغرب وموريتانيا. الا أن التجربة الليبية قد بينت حصول الأحرار الوطنيين على الأغلبية قبل الاسلاميين ولو بفارق ضئيل فى المجلس الوطنى. مما يدل على أن هناك مطلبين رئيسيين للثورة الحرية كهدف والاسلام كوسيلة. وهما رئتان لا يستطيع الوطن أن يتنفس بدونهما. الاسلام بمفرده قد يقع فى الصورية والشكلية والشعائرية والمظهرية مما قد يؤدى الى الازدواجية والنفاق والادعاء والتكسب بالدين فى البرامج الاعلامية والسعى وراء المناصب مادامت اللحية والعمة والجبة والسبحة قد توافرت. والحرية دون الاسلام قد تتهم بالعلمانية فى أحسن الأحوال، والكفر والالحاد فى أسوأ الأحوال. وينقلب الصراع بدلا من التخلى عن الفلول واعادة بناء جهاز الدولة ومؤسساتها الى صراع بين المدنى والدينى، بين الدولة الدينية والدولة المدنية، بين الاسلام والعلمانية فى ثنائيات مزيفة وقعنا فيها منذ فجر النهضة العربية الحديثة خاصة منذ الحوار بين محمد عبده وفرح أنطون حول الموضوع على صفحات جريدة الجامعة لفرح أنطون والذى نشره محمد عبده بعد ذلك فى الاسلام والنصرانية بين العلم والمدنية .
وقد كانت الثورة الليبية تجربة فريدة. اذ أنها تمت بالسلاح. وأخذت مدة طويلة ما يقرب من العام. وكان التدخل الخارجى لقوات الناتو أحد العوامل المساعدة فى نجاحها. كانت ثورة غير متوقعة الا أن حصارها بين تونس غربا ومصر شرقا جعلها بين شقى الرحى. وبدأت من بنى غازى حيث يمتد أثر مصر على الشرق. فلا فرق بين بنى غازى والاسكندرية. ومصر هى المتنفس الطبيعى لليبيا فى الغذاء والصحة والتعليم والتحديث. وقد يكون طموح الليبى هو الاتجاه شرقا والزواج من مصرية كما أن طموح المصرى هو الاتجاه شمالا والزواج من أوربية. والتحدى الآن ليس الصراع بين الاسلاميين والعلمانيين كما يحدث فى مصر وتونس، سعيا وراء السلطة بالمعنى القديم وكأن الثورة لم تتجاوزها الى سلطة الشعب وسلطة الهدف. التحدي أمام الاسلاميين هو تحويل الاصلاح الى ثورة، ومحمد عبده الى الأفغانى، والسنوسى الى عمر المختار. التحدي هو ايجاد طرف ثالث بين الاسلام والحرية هو الوطن والمواطنة. فالمواطن هو الذى يتنفس بالرئتين. والرئتان لا يتنفسان خارج جسد الوطن. ففى الوطن يلتقى الاسلام والحرية. وفى المواطن تجد الحرية حاضرها. كما يجد الاسلام تاريخه. التحدي هو التحول من الثورة الى الدولة بعد أن كان الفرد هو الدولة والثورة فى آن واحد. التحدي هو كيفية التحول من الولاء للقبيلة الى الولاء للدولة، ومن السيطرة المسلحة على الشارع والحى من المقاتلين زهوا بالثورة الى السيطرة القانونية من الشرطة والأمن. فالقانون واحد يسرى على الجميع، وليس السلاح الذى به يفرض حامله ما يشاء. يمكن الاحتجاج على الولايات المتحدة الأمريكية بشتى الوسائل السلمية لا بقتل سفرائها وقناصلها ودبلوماسييها وحرق سفاراتها. فمن واجبات الدولة حمايتها ضد مواطنيها. كيف تتحول الثقافة الديمقراطية التى يتمثلها السياسيون وأقاموا على أساسها الانتخابات، المجلس الوطنى ورئيس الحكومة، من النخبة الى الجماهير، ومن القاعات المغلقة الى الشوارع المفتوحة والفضاء العريض؟ كيف تتحول ثقافة الاستبداد الفردى الى ثقافة الاستبداد القبلى. لقد ظل الشعب يرسخ أربعين عاما تحت الاستبداد حتى أصبح الخوف جزءا من تكوينه وما يصاحبه من ازدواجية الخطاب والسلوك، واحد مع الحاكم، والثانى مع المحكوم. وقد أصبح الآن حرا ذا خطاب وسلوك واحد هو خطاب وسلوك الحاكم اقتداء به كى يتمتع بما استبعد منه، وسلب عنه. لقد استمع كثيرا الى أن الحاكم السابق هو الدولة فلماذا لا يتمتع هو بذلك كى يعرف ماذا يعنى أنه هو المحكوم الذى أصبح حاكما أنه أيضا هو الدولة؟ كان ضحية الخطاب السياسى على مدى أربعة عقود فلماذا لا يصبح هو صاحب الفعل السياسى فى العقود القادمة بعد أن وُصف بأنه من الجرذان وأنه سيُطارَد من زنقة الى زنقة، ومن دار الى دار. لقد كان الزعيم واحدا فلماذا لا يكون زعيما؟ لقد كانت ألقابه تفوق القدرة على حفظها، وآخرها ملك ملوك أفريقيا وهو ليس أفريقيا أسود. ويريد المواطن أن يعيش بالتجربة ماذا يعني ذلك ان أخذ هو هذه الألقاب؟ لقد صاغ أيديولوجيات مثل الكتاب الأخضر الذى لا يتعدى بعض الخطابة السياسية مضروبة فى اثنين من أيديولوجيات العالم الثالث عن الاشتراكية والديمقراطية والحرية. كما صاغ عدة مفاهيم أخرى مثل دول الساحل والصحراء حتى لا يقع فى مفاهيم الاستعمار الغربى، دول شمال الصحراء ويعنى بها الدول العربية، ودول جنوب الصحراء ويعنى بها الدول الأفريقية كى يضع شقاقا بين شمال الصحراء وجنوبها، وصراعا بين العرب والأفارقة. من تحديات الربيع العربى وحدة الوطن فى الداخل واستقلاله فى الخارج. وتتم وحدة الوطن فى الداخل بالحوار الوطنى بين كافة القوى السياسية التى ساهمت فى انجاح الثورة. واستقلال الوطن فى الخارج يأتى بالتمسك بمسئولياته والتزاماته الدولية. فالاعجاب بالربيع العربى لا يمنع من ترشيد مساره واستنفاذ طاقاته فيما يفيد. فاذا كانت الحرية فى رئة تحفظ الجسد ضد الاستبداد فان الاسلام فى الرئة الأخرى تحمي الجسد من الوقوع فى الاغتراب. صحيح أن لكل ثقافة مقدساتها، ولكن فرق بين مقدس ومقدس. فالكعبة مقدسة والمسجد الأقصى مقدس، والحجر الأسود مقدس، وقبة الصخرة مقدسة. والرسول مقدس والاساءة اليه تثير المسلمين فى كل مكان مثل الاساءة الى المصحف. ودم الفلسطينى والسورى أيضا مقدس وحياته مقدسة وهو يُقذف بالطائرات ويستشهد، وحريته مقدسة وهو قابع وراء القضبان عقودا من الزمان. دخل السجن صبيا وأصبح فيه شيخا، ومحكوم عليه بمئات السنين فى الحياة وبعد الممات. يا ليت المسلمين يثورون من أجل جميع المقدسات المباشرة منها والرمزية حتى تتحرر فلسطين، ويسترد الفلسطينيون أرضهم من الاحتلال الصهيونى والاستيطان، ويسترد الشعب السوري حريته. ليت الثورة ضد الولايات المتحدة ليست فقط للسماح بفيلم مسيئ للرسول ولكن أيضا لتأييدها الاحتلال الصهيونى لأراضى المسلمين، وتأييده بالسلاح والمال، ومنع ادانته فى المنظمات الدولية. ليت المظاهرات المعادية لأمريكا من أجل تحرير أراضى العرب من القواعد العسكرية الأمريكية ومن قتل العرب والمسلمين فى اليمن وأفغانستان من الطائرات بدون طيار ومن اغتيال الأبرياء. فالعالم كله مقدس بفعل الخلق وليس فقط الرسول. هنا تأخذ المظاهرات المعادية للولايات المتحدة الأمريكية دلالة جديدة ومضمونا جديدا يشارك فيها جميع العرب والمسلمين.
مفكر مصري
AZP07