الأديب العراقي في عددها الممتاز
محمد سعدون السباهي
عن اتحاد الأدباء والكتاب في العراق،صدر مؤخراً عدد من مجلته الفصلية” الأديب العراقي” خاص بالقصة العراقية القصيرة،ضمّ العدد ستة وتسعين نصا لمختلف الأجيال القصصية في العراق،وقد تباينت النصوص بطبيعة الحال بين الجيد والمتوسط والبسيط، غير أنه – وهذا هو المهم – أعطى للقارئ الشغوف بالقصة القصيرة، فكرة لا لبس فيها للحال الذي وصلت اليه القصة عندنا اليوم،كيف انتهى مبدعوها الأوائل من الذين أحرق النقد المحمول على الانفعال والغلو حول نصوصهم أكداس البخور والحرمل! وكيف بدأ الجدد مسيرتهم الابداعية،اذ كشف المتحقق عن جملة نصوص متعثرة،مثيرة للأسى،لقصاصين ملأوا الساحة الأدبية أكثر من نصف قرن،طردا وعكسا وادعاء وغرورا،لدرجة كان ولا يزال بعض النقاد المهووسين يعتبرونهم”ايقونة” يجب أن يسجد الجميع لجلال عطائها الابداعي، حتى أن بعضهم ذهب الى أبعد من ذلك وأشنع، اذ لوّح بمناسبة وغير مناسبة، على نحو عاطفي انفعالي ان على القصاصين أن يلقوا باقلامهم، وينصرفوا يجربوا حظهم في مجال آخر غير مجال كتابة القصة،لا لشيء سوى أنه اعترف ذات مرة، سهوا أو شجاعة منه بفشله في أن يكون قاصا جيداً فاتجه الى النقد،بمعنى اكتشف انه ولد من دون موهبة الكتابة الابداعية، أكثر عطايا الطبيعة غموضا والتباساً، وأمر جلل كهذا توجب على الآخرين دفعه كنوع من عقوبة جماعية! مقتفيا بذلك أثر زعيم النرجسية الأول”أبو فراس الحمداني” في رائيته المعروفة!
وظاهرة مرضية كهذه اختص بها – كما أزعم – بعض العراقيين باعتباره بلد العجائب والغرائب بامتياز، اذ لم أتذكر أنني سمعتُ أو قرأتُ ناقدا روسيا قال لكتاب روسيا في العهدين القيصري والسوفيتي،اتركوا الكتابة فدستوفسكي واحد يكفي،والأمر نفسه في بريطانيا/ شكسبير،فرنسا/ سارتر،أميركا/ همنجواي،وكولومبيا/ ماركيز…ألخ.
وقد يسأل سائل:هل هذا كل ما في جعبتنا من مآخذ على العدد؟
الجواب: كلا ، اذ سوف يترشح للذي يسعفه الوقت والمزاج ويقرأ العدد،مآخذ مؤسفة أخرى:
أولها:اقحام غير مبرر أبداً قصيدتين كمفتتح لعدد أريد له أن يكون خاصا بالقصة القصيرة، وذلك بغض النظر عن الأهمية الفنية وغير الفنية التي توهم من فرض نشرهما في القصيدتين المتواضعتين..
وثانيهما:المقالتين اللتين أشعر أنهما أقحمتا – شأن القصيدتين أعلاه- على العدد بسبب أن كاتبيهما استغلا بدورهما هذه المرة سطوتهما في رئاسة تحرير المجلة، خصوصا وأن دراسة د.شجاع العاني،جاءت عن مجموعة قصصية كانت قد صدرت قبل ثماني سنوات،بمعنى ليس هذا وقت نشرها في الأقل، لا سيما وأن المجلة لم يُعلن عن توقفها عن الصدور،فضلا عن أن الناقد يمكنه نشرها متى شاء وفي أي مطبوع ثقافي، وفي السياق ذاته،يمكن أن نضيف مقالة عالية ممدوح، عن ميسلون هادي(عضو لجنة المستشارين في المجلة) أيضا!
أما دراسة الناقد فاضل ثامر،فتتحدث في أمور نقدية أمستْ قديمة، قديمة جداً اذ أتعب نفسه في”تعداد”المدارس الأوربية النقدية التي ظهرتْ خلال
( العقود الخمسة الماضية)بحسب اعتراف الكاتب نفسه، أضف الى ذلك الخوض في مسألة( الأجيال القصصية)العراقية، خمسينية وستينية وما الى ذلك من كلام قيل أكثر من مليون مرة، عبر أكثر من ناقد للمثاقفة والمباهاة، على مدى يربو على الخمسة عقود أيضاً !
ومن ثم كنا نتمنى على السيدين الناقدين العزيزين،أن يوليا اهتمامهما على ما بين أيديهم من حصاد قصصي جديد تكوم في عقر دارهما بتشجيع وتأييد من قبلهما من دون شك،اذ في هذا وحده تكمن الفائدة المرتجاة من حيث الاسهام في اضاءة المشهد القصصي العراقي المعاصر، الأمر الذي دعا بعض القصاصين اتهام الناقدين( بالهروب من مواجهة راهن القصة في العراق، تعالياً أو عدم تفرغ، وربما الاثنان معا!)
ثالثا: في كل الأحوال على (هيئة التحرير) أن تأخذ نصيبها من العتب واللوم معا، اذ كان عليها تدارك كسلها ولا مبالاتها غير المبررين، وذلك بأخذ زمام المبادرة والعمل على تكليف بعض النقاد بالكتابة عنه، لا سيما وأن العدد فصليا وقد أعلن عنه قبل مدة كافية،فضلا عن القيام بكتابة مقدمة ضافية، تأخذ في الحسبان مهمة استعراض ملف العدد،على المستويين الفني والمضموني استعراضا وافيا وليس الاكتفاء بهذه الحدوتة المضحكة! لا لأن أمر كهذا تقليد أدبي لا غنى عنه تأخذ به الدوريات الأدبية المحترمة كافة، بل لأنه من صلب مهام (الهيئة!) أيّ هيأة،باعتبار أن وجودها على رأس تحرير مجلة، يعتبر من المسلمات البديهية، بمثابة مسؤولية اخلاقية وتاريخية، وليس تكليفا اعتباريا أو اعتباطيا لهذا السبب أو ذاك،فكيف اذا كان الأمر الذي نحن بصدده يعني مجلة(الأديب العراقي) حصراً التي تعاقب على شرف تحريرها جمهرة من جهابذة المبدعين من أدباء ونقاد العراق؟ّ! طبعا المسؤولية ستكون هذه المرة، مضاعفة من دون شك..
رابعاً:وحتى نُكمل ما نحن بصدده بغض النظر عن زعل فلان وحقد علان، لأن هدفي منصب أولا وأخيرا – يشهد الله – حول حرصي الصادق على مجلة اتحادنا العتيد من العثرات،أقول:ان اغراق العدد بكل هذا القدر من القصص 96 عمل غير سليم حتى وان جاء وفق ما ذهبت اليه هيأة التحرير حين ذكرت في معرض تبريرها غير الموفق( وآثرنا أن تكون خارطة هذا الملف، شبيهة بخارطة العراق بمدنه وقراه من الشمال الى الجنوب..) ص 5 اذ أن خطاباً كهذا يذهب مذهباً سياسيا توفيقياً، يضر بالابداع اذ يحيله احالة انشائية تلفيقية، تذكرنا بالمبدأ الخطأ الذي قامت عليه( العملية السياسية!) الكسيحة في عراق ما بعد عام 2003 حيث تمّ حشر الربطات والعقل والعمائم والجراويات في وليمة بريمرية غير مسبوقةّّ ترقى الى المذبحة!!
نعم. نحن مع مبدأ الأخذ [ لمختلف الأجيال] ولكن اعتراضنا منصّب على [المستويات] اذ ما هكذا تورد الأبل، كما قالت العرب، وحتى نقترب أكثر مما نحن بصدده،نقول:ان الاتحاد على جلال مساعيه، غير أنه ليس (جمعية خيرية) أو( صندوق اغاثة) أدبية، يمكن أن يمنح عطاياه لكل من يطرق بابه،اللهم الا اذا فهمنا شروط النشر في دورياته، لا يختلف كثيرا عن (الشروط الميسرة) لمنح العضوية في السابق كما في اللاحق،ذلك أنني أرى أن الصرامة واجبة فيما يتعلق بقبول العضوية والنشر في أدبياته سواء بسواء،اذ من خلال ذلك نوصل رسالة مهمة مفادها: ان من يريد أن يكون أديباً بحق وحقيق،توجب عليه أن يتعلم الطيران بنفسه،خارج أسوار المؤسسات رسمية وغير رسمية كافة،مثله مثل الفنان: راقص كسرعظامه في الخفاء آلاف المرات قبل أن يسمح لنفسه بالظهور أمام الجمهور، كما يقول “بودلير”ومن ثم فان عبارة[ أخذنا عيّنة انطوت على أسماء كبيرة ولامعة..]هي تحصيل حاصل وليس كما أريد لها أن تُفهم كمسوغ للأخطاء التي أتينا عليها، ويمكن أن نضيف اليها خطأ آخر لا يقل في حجمه عما سبق وذهبنا اليه ان لم يكن أكبر،وهو الاكتفاء بنصف عدد القصص التي اختنق بها العدد، وحتى هذا يفترض أن يتم وفق ما هو متعارف عليه في عالم الأدب، خصوصاً في الاصدارات الخاصة والممتازة،حيث يُحتكم في المقام الأول الى المعيارية الفنية التي انطوى عليها النص وليس انصياعاً لأمر خلاف ذلك من نوع(أسماء كبيرة ولامعة)ما عادت كذلك لا في هذا العدد ولا في ما تنشره هنا وهناك هذه الأيام،ومن ثم توجب عدم احراجها في الأقل،وقديماً قال المؤمنون وهم يرون الجنائز تترى، والمقابر في اتساع[لا دائم غير وجه الله]فقد نضب ينبوع الموهبة، وأتت فئران الزمن على كيس الذاكرة المليء بالحكايات المثيرة، وتلك النهاية المؤسفة يبدو أن فحول الابداع مثل شكسبير ورامبو وسومرست موم، قد انتبهوا لها، فتوقفوا عن الكتابة وهم في أوج عطاءهم، لكي لا يسمحوا للسباهي وغيره ممن يتصيدون الأخطاء التفكه عليهم!!
أن مسألة الفرز بين الغث والسمين، من السهل تلمسها خصوصا في القصة القصيرة،ومن ثم لو أن اللجنة المشرفة،أخذت بهذا المبدأ العادل لجنبت نفسها وجنبت القيمين على المجلة معا،الذين عددهم أربعة عشر!، هذه الفوضى والارباك،اذ هناك قصص تمتلك كل شيء باستثناء الموهبة والصدق،وأخرى مجر شائعات قصصية ساذجة،وأخرى كتبها أشخاص كأني بهم لا يعرفون في أيّ بلد يعيشون،حيث تساوت (القرعة وأم شعر)كما يقول المثل، بل أن (القرعة)حظيت أكثر من مرة بأسبقية النشر على ما عداها من ذوات الشعر المسترسل الانيق والغزير!!























