أضواء على الإستعراب الياباني
إيجي ناكاساوا وتاريخ العرب الحديث
مسعود ظاهر
المقالة الحالية ترجمة لمقالة نشرها البروفسور مسعود ظاهر،الأستاذ في الجامعة اللبنانية،والمعروف عربيا انه من الرواد في دراسة التجربة اليابانية وعلاقات اليابان مع الشرق الاوسط والعالم العربي،بعنوان :”مصر الحديثة بعيون يابانية للمستعرب الياباني إيجي ناكاساوا”،نشرها في مجـــــلة Studies International Journal of Asian ،في العدد 8 ،القسم الأول،كانون الثاني 2011 .و يرتبط البروفسور مسعود ظاهر مع البروفسور ناكاساوا بصداقة أكاديمية منذ سنوات طويلة،وكلاهما مهتم بدراسة علاقات اليابان مع الشرق الأوسط والعالم العربي.تقدم هذه المقالة تحليلاً لجهود أحد رموز مدرسة الاستعراب الياباني من الجيل الثالث الذي عرف بعشقه للعالم العربي عموما ومصر على نحو خاص،فقدم مؤلفات قيمة درست المجتمع المصري والعربي وعلاقات اليابان مع العالم العربي.أقدم هذه المقالة للقارئ العربي لتكون إضافة جديدة لتوسيع الفهم العربي للمؤسسات اليابانية المهتمة بالعالم العربي وأهم رموزها.
ينتمي البروفسور إيجي ناكاساوا ،الأستاذ في جامعة طوكيو والباحث في (معهد الدراسات المتقدمة لآسيا)إلى المستعربين اليابانيين المهتمين بتاريخ العرب وحضارتهم.ومدرسة الاستعراب اليابانية عريقة تعود بجذورها إلى بدايات القرن العشرين.ولد عام 1953،وتخصص في الشرق الأوسط.وهو معروف في اليابان بكونه أحد المستعربين المتخصصين بالعالم العربي.منذ تخرجه من(كلية الاقتصاد)التابعة لجامعة طوكيو عام 1976،نشر البروفسور ناكاساوا العديد من الدراسات عن جوانب متعددة للمجتمع المصري الحديث والمعاصر،إلى جانب دراسات أخرى عن الشرق الأوسط على نحو واسع.وبعد عمله لمدة تسعة عشر عاما في (معهد الاقتصاديات النامية)في طوكيو،انتقل في عام 1995 إلى(معهد الثقافة الشرقية)التابع لجامعة طوكيو أستاذا مشاركاً.وخلال عامي 1998 و1999 ،عمل مديرا للمركز البحثي التابع إلى(جمعية اليابان لتطوير العلوم) في القاهرة.وفي عام 1998 ،نال لقب الأستاذية في جامعة طوكيو،وهو اللقب الذي يحمله حتى الوقت الحاضر. نشر البروفسور ناكاساوا عدداً من المقالات في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لمصر الحديثة والمعاصرة.وركز على دراسة المجتمع المصري لقناعته أن البلاد تمثل،بدرجات متعددة،نموذجا للعالم العربي عموما.ومن الملاحظ انه أولى اهتماماً خاصاً بمسائل تتعلق بالعمال المهاجرين من الأرياف،واقتصاد القطن،والعلاقة بين الرأسمالية المصرية والحركات الشيوعية،وتحول نظام الري في العصور الحديثة،وتأثيرات هجرة العمال على ظروف العمل في مصر الريفية أواخر سبعينات القرن العشرين.وفي الوقت ذاته،تطور اهتمامه في الجانبين الاجتماعي والاقتصادي إلى ميادين بحثية أخرى مكثفة.واهتم بالتحليل السوسيولوجي للمجتمع المصري.ووفقا لذلك،اشتملت إصداراتهُ على مقالات عن موضوعات مثل العلاقات العائلية،وبنية السلطة في الأرياف،والتضامن الاجتماعي في القطاع الحضري.وطور ناكاساوا أيضا اهتمامهُ بالتاريخ الفكري لمصر.وهذا يفسر لنا لماذا شملت إصداراته مقالات مثل موضوعات تخص موقف المفكرين من التراث الشعبي. الكتاب الجديد للبروفسور ناكاساوا المعنون”مصر الحديثة بعيون يابانية”،الصادر في مصر عن دار نشر ميريت في عام 2009 ،هو مجموعة مقالات عن هذه الموضوعات، إلا أنها شملت مقالاتُ نشرت على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية،وبعضها كتب من مدة طويلة.ومهما يكن،فقد اتخذ البروفسور ناكاساوا قراره الصائب بنشر هذا الكتاب لان المفكرين العرب مهتمين بالمساهمة الأكاديمية اليابانية عن دراسات الشرق الأوسط،وعلى نحو خاص عن مصر الحديثة.ويجب شكر البروفسور ناكاساوا لمحاولته مشاركة الشعب الذي درسه بالنتائج التي توصل لها.
تناقش فصول هذا الكتاب موضوعات مهمة جداً في تاريخ مصر الحديث والعالم العربي،وبضمنها:الثورة المصرية في عام 1919(الفصل الثاني)،شخصية مصر لجمال حمدان في ضوء التاريخ الشخصي للمؤلف(الفصل الرابع)،وأحمد صادق سعد بوصفه يهوديا مصريا ماركسيا والتحقيق في التراث المصري(الفصل الثالث)،والسياق التاريخي للإصلاح المصري في مصر(الفصل السادس)،و”الدولنة” و”البرجوازية الوطنية”في مصر الحديثة”(الفصل الخامس)،و”الاضطراب الحضري والحركة الاجتماعية في ظل الدولة الرخوة خلال عهد سياسة الباب المفتوح في مصر(الفصل السابع)،و”الحركات الاجتماعية الراديكالية في اليابان ومصر استجابة لازمات التحديث الكوني(الفصل الثامن)،والدراسات العربية في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية مع إشارة خاصة إلى باحثين رائدين:سينئيكي ناكوكا ويوزو ايتاكاكي(الفصل التاسع)،وعرض لكتابين عن أعمال كتبت باليابانية، هي الحاضر في التاريخ والعلم الفعلي:رؤية في الشرق الأوسط المعاصر ليوزو ايتاكاكي والملكية الخاصة والمجتمع المصري لهيروشي كاتو”(الفصل الحادي عشر).غني عن القول،انه من الصعب تحديد منهج ناكاساوا في هذا الكتاب بمفاهيم أي صنف منفرد.فقد كتبت المقالات على مدى خمسة عشر عاما تغير خلالها اهتمام المؤلف بمفاهيم الزمان .وفصول الكتاب متنوعة،والمفاهيم المستخدمة للتحليل فيه ليست واحدة.وتمس الاختلافات أحيانا حتى الافتراضات والتوجهات النظرية الأساسية.وبعض المفاهيم المستخدمة،مثل”نمط الإنتاج الأسيوي”،و”الرأسمالية الزراعية”،و”الوطنية المصرية”،و”الدولنة”و”البرجوازية الوطنية”،و”الدولة الرخوة”أو”سياسة الباب المفتوح في مصر”أصبحت قديمة ،إن لم نقل مهجورة.ووفقا لذلك،ربما تحدد البروفسور ناكاساوا بمفاهيم وفيرة في هذا الكتاب.فهو يدرس التحديث الكوني،والحركات الاجتماعية الراديكالية،والحركات الاجتماعية والدينامية السياسية في الشرق الأوسط في عهد العولمة،والدراسة المقارنة بين مصر واليابان.
مع ذلك،يوضح القسم الثاني من الكتاب عمق الدراسات اليابانية عن التحول الاقتصادي والحركات الاجتماعية في مصر الحديثة والمعاصرة.ويدرس البروفسور ناكاساوا هذه الموضوعات المعقدة مثل مفهوم”الدولنة” كنموذج مهيمن للوطنية المصرية في الشرق الأوسط،والأصول الزراعية للوطنية الاقتصادية المصرية،والتصنيع والتمصير ،والبرجوازية الوطنية والبرجوازية غير الوطنية،ودور النظام الاشتراكي العربي في تطور”دولة قوية”،والدولة الناصرية وتأثيرها على المجتمع،والحياة الاقتصادية للشعب تحت حكم”الدولة الرخوة”.إلى جانب ذلك، وجه البروفسور ناكاساوا بحثه العميق لكيفية تعاطي الدولة المصرية مع المشكلات الاجتماعية،والاضطراب الحضري والحركات الاجتماعية بعد إدخال سياسة الباب المفتوح إلى مصر. وخلاصة القول إن هذا الكتاب للبروفسور ناكاساوا مهم جدا للمفكرين العرب.فهو يمثل محاولة مخلصة لأحد الباحثين اليابانيين الذين كرسوا أكثر من ثلاثة عقود من حياتهم لدراسة الأنظمة والمجتمع المصري،متجولا في البلدان العربية،وعاش عدة سنوات في مصر،ووجه نشاطه البحثي والتدريس في عدة جامعات يابانية.ووفقا لذلك،يشكل البروفسور ناكاساوا استمرارا للتقليد الأكاديمي لكبار المستعربين اليابانيين مثل يوزو ايتاكاكي وناكوكا واكيرا كوتو وهيروشي كاتو وتسوكيتاكا ساتو.ويعد كتابه نموذجا ممتعا يبين تطور الدراسة اليابانية لمصر والشرق الاوسط في تاريخهما الحديث والمعاصر.وفقا لهذه الأهمية،فان الكتابَ جديرٌ بالترجمة إلى اللغة العربية.
























