
دمٌ زاهٍ رأيتهُ يزحفُ على وجوهِ من معي ونحنُ في الطريق إِلى تلك القرية؛ بل إنَّ صديقنا المعتوق أعربَ عن عتقهِ في تلك اللحظات حقَّاً، فراح يقفز مبتهجاً ويحرِّكُ بيديهِ كجناحي طائر ويردِّد بانتشاءٍ:
- يا إلهي.. أكادُ لا أصدِّق أني نجوتُ من بطش الحرب.
كُنَّا نكركر بالضحكات تضامناً معهُ حتى توهَّجتْ بغتةً ذكرى داميةٍ في خاطري؛ يوم كانت نوبة حراستي في سجن كتيبة دبابات أشبيلية، وهو عبارة عن غرفة صغيرة تكدَّس بها الجنود الذين تغيَّبوا لأيامٍ معدودةٍ عن إجازتهم، كانت الساعة تشير إِلى انتصاف النهار، عندما توقَّفتْ عجلة «الإيڤا» وأمرني على عجل ضابط الاستخبارات بصعود الجنود السجناء إِلى حوضها الخلفي؛ خلال دقائق انطلقت بنا السيارة إِلى ميدان رمي الفرقة الأولى في قاطع «الفكَّه»؛ وقد فرَّ الدم من جميع الوجوه؛ بل إنَّ بعض الجنود أجهش بالبكاء؛ فالطريق المؤدي إِلى هناك.. يعني أنَّ ثمَّة مكروه كبير سيحدث؛ لما هبطنا من السيارة، صُدمتْ أبصارنا بحشدٍ من العساكر شكَّلوا حلقة كبيرة قرب مثابة للرمي؛ صار قلبي يخفقُ بعنف.. والبندقية التي بيدي تهتزُّ مثل سعفة داهمتها الريح، دنونا من الحشد، وهناك رأينا ضابطاً برتبة نقيب من كتيبة دبابات الأندلس، كان متوتراً وغاضباً، وعرفنا انه بحاجة إِلى رماةٍ ينفِّذون عملية الإعدام بهذه الساعة؛ وبينما كان يستطلع الوجوه، ناولتُ بندقيتي إِلى أحد الجنود السجناء خشية من اختياري لهذه المهمة، لم يدم الأمر طويلا حتى خرج ثلاثة رماة كانوا جميعا من كتيبة دبابات الأندلس أحدهم من الكوفة والآخر من الموصل والثالث من الرمادي، وفجأة استدارتْ الوجوه عندما فتح الباب الخلفي لسيارة الانضباطية الصندوقية، وهبط منها فتى بدشداشة بيضاء، حافي القدمين وقد أوثقتْ يداه إِلى الخلف بسلاسلِ حديد، كان يمشي ببطء وعلى جنبيه يمشي زنبوران حمراوان طويلا القامة، حدَّدا مسار حركته حتى صار في منتصف الحلقة، لم أتمالك نفسي فأجهشت بالبكاء بصوت مسموع، ووصلت شهقاتي إِلى مسامع النقيب الذي اقترب مني بسرعة وصفعني بشدة على خدي، وتطاير الشرر من فمه:
- جبان؛ أتبكي على مجرم؟
ركلني بحذائه الأنيق على عجيزتي، فتهاويتُ على الأرض مستسلما وأنا استغيث:
- دخيلك سيدي.. دخيلك سيدي..
عاد النقيب من جديد إِلى منتصف الحلقة الجهنمية، وأمر الزنابير بإحضار الخشبة التي سيربط عليها الفتى، ويبدو أنَّ هؤلاء القتلة قد نسوا أمر الخشبة، فهبَّ بعضهم وانطلقوا بالسيارة من جديد إِلى مكان مجهول لجلب الصليب الذي سيعدم عليه الفتى الذي اقتعد الأرض وهو يجوب بعينيه السوداوين الواسعتين الوجوه، وقد استقرت عيناه للحظات على وجهي، فتبسَّم لي بشكل خاطف وهزَّ رأسه أسفاً، انصرمتْ أكثر من عشرين دقيقة، كان الفتى النحيل والذي تحوَّل وجهه إِلى ليمونة حان قطافها، ينتظر موته بتلك الصحراء التي شهدت هدراً وحشيَّاً من الدماء، عادت عجلة الزنابير، ووضع الصليب في أقصى الحلقة والفتى يتأمل مكان عروجه الأخير بعينين مشعتين، ثمَّ قرأ النقيب قرار الإعدام:
- قررت المحكمة العسكرية إصدار حكم الإعدام رميا بالرصاص على المجرم حسين ناصر مهدي العشَّاب..
قلتُ في سري:
- ويحك هذا ملاك وليس مجرماً.. أنت المجرم.
أجل هذا هو اسمه حسين ناصر مهدي العشَّاب، لم يغب عن ذاكرتي أبدا، وكان من أهالي الديوانية، اقترب منه رجل دين يضع على رأسهِ برنيطة بلون الدم مطوقة بقطعة قماش بيضاء مستطيلة، وراح يلقِّنُ الملاك بعض الآيات، ثمَّ طلب منهُ ما يشتهيه بتلك اللحظة، فتح حسين فمه بصعوبة وهمس بكلماتٍ لم نتمكَّن من سماعها، ثمَّ دعاهُ للتحرك إِلى الأمام، اقترب الملاك من الوجوه التي حاصرته، حتى أصبح أمامي، فابتسم لي من جديد وهمس:
- لا تبكِ أرجوك..
اقشعرَّ بدني بينما كان يمضي نحو صليبه، الهلع استولى على جسدي تماماً، وضعوا العصابة السوداء على عينيه وأحكموا رنق الحبل الغليظ حول جسده الرهيف ثمَّ ابتعدوا، بينما قرفص الرماة متخذين وضع الرمي وتأهبوا لإطلاق الرصاص، أدبرتُ بوجهي إِلى الأفق البعيد من الصحراء لأتحاشى رؤية المشهد الدامي، سمعتُ صوت سحب الأقسام للرشاشات الثلاث، فتقلَّص قلبي؛ وانطلق صوت الرصاص كثيفاً، غمامة داكنة هبطت على عيني وخارت روحي فأسندني أحد الجنود السجناء بيديه وهو يردد بخفوت:
- أصمدْ في مكانك، وإلاَّ ستتلقى إساءة أخرى من هذا النقيب.
روحي تستغيث في مجاهل جسدي، والعرق يتدفق على وجهي، واللهاث يتصاعد من أعماق روحي، توقف الرمي، ولما حانت نظرة أخيرة لرؤية الملاك، وجدته قد تحرَّرَ من الصليب وجسده مسجى على الرمل وثمَّة صهيل مفجع يتصاعد بفراغ دشداشته التي انتفخت بزفراته الأخيرة قبل أنْ يفارق الحياة. ركبنا عجلة «الإيڤا» من جديد والسجناء من الجنود يستفهمون مني بفضول:
- هل تربطك بالمرحوم صلة قربى؟
لم أرد عليهم وانخرطت بالبكاء من جديد وأنا اقذف بأحشائي إِلى الشارع بينما كانت عجلة «الإيڤا» تبتعد عن مسرح الجريمة ودم الضحية مازال يانعاً فوق حبات الرمل وملائكة السماء ترفرف بأجنحتها حوله وتغسل جراحه بنشيج عبراتها بينما رشقات الرصاص التي نخبت صدره أكاد أسمع شبيها لأزيزها في القرية الكردية، أجل لعلع رصاص مباغت ثمَّ مرقَ صفيره فوق رؤوسنا ولكن كان هذه المرة من الثوَّار الكُرد الذين أطلقوهُ علينا.
حسن النواب
























