إعدام جندي (21)-حسن النواب

دمٌ‭ ‬زاهٍ‭ ‬رأيتهُ‭ ‬يزحفُ‭ ‬على‭ ‬وجوهِ‭ ‬من‭ ‬معي‭ ‬ونحنُ‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬إِلى‭ ‬تلك‭ ‬القرية؛‭ ‬بل‭ ‬إنَّ‭ ‬صديقنا‭ ‬المعتوق‭ ‬أعربَ‭ ‬عن‭ ‬عتقهِ‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬حقَّاً،‭ ‬فراح‭ ‬يقفز‭ ‬مبتهجاً‭ ‬ويحرِّكُ‭ ‬بيديهِ‭ ‬كجناحي‭ ‬طائر‭ ‬ويردِّد‭ ‬بانتشاءٍ‭: ‬

‭- ‬يا‭ ‬إلهي‭.. ‬أكادُ‭ ‬لا‭ ‬أصدِّق‭ ‬أني‭ ‬نجوتُ‭ ‬من‭ ‬بطش‭ ‬الحرب‭.‬

كُنَّا‭ ‬نكركر‭ ‬بالضحكات‭ ‬تضامناً‭ ‬معهُ‭ ‬حتى‭ ‬توهَّجتْ‭ ‬بغتةً‭ ‬ذكرى‭ ‬داميةٍ‭ ‬في‭ ‬خاطري؛‭ ‬يوم‭ ‬كانت‭ ‬نوبة‭ ‬حراستي‭ ‬في‭ ‬سجن‭ ‬كتيبة‭ ‬دبابات‭ ‬أشبيلية،‭ ‬وهو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬غرفة‭ ‬صغيرة‭ ‬تكدَّس‭ ‬بها‭ ‬الجنود‭ ‬الذين‭ ‬تغيَّبوا‭ ‬لأيامٍ‭ ‬معدودةٍ‭ ‬عن‭ ‬إجازتهم،‭ ‬كانت‭ ‬الساعة‭ ‬تشير‭ ‬إِلى‭ ‬انتصاف‭ ‬النهار،‭ ‬عندما‭ ‬توقَّفتْ‭ ‬عجلة‭ ‬‮«‬الإيڤا‮»‬‭ ‬وأمرني‭ ‬على‭ ‬عجل‭ ‬ضابط‭ ‬الاستخبارات‭ ‬بصعود‭ ‬الجنود‭ ‬السجناء‭ ‬إِلى‭ ‬حوضها‭ ‬الخلفي؛‭ ‬خلال‭ ‬دقائق‭ ‬انطلقت‭ ‬بنا‭ ‬السيارة‭ ‬إِلى‭ ‬ميدان‭ ‬رمي‭ ‬الفرقة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬قاطع‭ ‬‮«‬الفكَّه»؛‭ ‬وقد‭ ‬فرَّ‭ ‬الدم‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬الوجوه؛‭ ‬بل‭ ‬إنَّ‭ ‬بعض‭ ‬الجنود‭ ‬أجهش‭ ‬بالبكاء؛‭ ‬فالطريق‭ ‬المؤدي‭ ‬إِلى‭ ‬هناك‭.. ‬يعني‭ ‬أنَّ‭ ‬ثمَّة‭ ‬مكروه‭ ‬كبير‭ ‬سيحدث؛‭ ‬لما‭ ‬هبطنا‭ ‬من‭ ‬السيارة،‭ ‬صُدمتْ‭ ‬أبصارنا‭ ‬بحشدٍ‭ ‬من‭ ‬العساكر‭ ‬شكَّلوا‭ ‬حلقة‭ ‬كبيرة‭ ‬قرب‭ ‬مثابة‭ ‬للرمي؛‭ ‬صار‭ ‬قلبي‭ ‬يخفقُ‭ ‬بعنف‭.. ‬والبندقية‭ ‬التي‭ ‬بيدي‭ ‬تهتزُّ‭ ‬مثل‭ ‬سعفة‭ ‬داهمتها‭ ‬الريح،‭ ‬دنونا‭ ‬من‭ ‬الحشد،‭ ‬وهناك‭ ‬رأينا‭ ‬ضابطاً‭ ‬برتبة‭ ‬نقيب‭ ‬من‭ ‬كتيبة‭ ‬دبابات‭ ‬الأندلس،‭ ‬كان‭ ‬متوتراً‭ ‬وغاضباً،‭ ‬وعرفنا‭ ‬انه‭ ‬بحاجة‭ ‬إِلى‭ ‬رماةٍ‭ ‬ينفِّذون‭ ‬عملية‭ ‬الإعدام‭ ‬بهذه‭ ‬الساعة؛‭ ‬وبينما‭ ‬كان‭ ‬يستطلع‭ ‬الوجوه،‭ ‬ناولتُ‭ ‬بندقيتي‭ ‬إِلى‭ ‬أحد‭ ‬الجنود‭ ‬السجناء‭ ‬خشية‭ ‬من‭ ‬اختياري‭ ‬لهذه‭ ‬المهمة،‭ ‬لم‭ ‬يدم‭ ‬الأمر‭ ‬طويلا‭ ‬حتى‭ ‬خرج‭ ‬ثلاثة‭ ‬رماة‭ ‬كانوا‭ ‬جميعا‭ ‬من‭ ‬كتيبة‭ ‬دبابات‭ ‬الأندلس‭ ‬أحدهم‭ ‬من‭ ‬الكوفة‭ ‬والآخر‭ ‬من‭ ‬الموصل‭ ‬والثالث‭ ‬من‭ ‬الرمادي،‭ ‬وفجأة‭ ‬استدارتْ‭ ‬الوجوه‭ ‬عندما‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬الخلفي‭ ‬لسيارة‭ ‬الانضباطية‭ ‬الصندوقية،‭ ‬وهبط‭ ‬منها‭ ‬فتى‭ ‬بدشداشة‭ ‬بيضاء،‭ ‬حافي‭ ‬القدمين‭ ‬وقد‭ ‬أوثقتْ‭ ‬يداه‭ ‬إِلى‭ ‬الخلف‭ ‬بسلاسلِ‭ ‬حديد،‭ ‬كان‭ ‬يمشي‭ ‬ببطء‭ ‬وعلى‭ ‬جنبيه‭ ‬يمشي‭ ‬زنبوران‭ ‬حمراوان‭ ‬طويلا‭ ‬القامة،‭ ‬حدَّدا‭ ‬مسار‭ ‬حركته‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الحلقة،‭ ‬لم‭ ‬أتمالك‭ ‬نفسي‭ ‬فأجهشت‭ ‬بالبكاء‭ ‬بصوت‭ ‬مسموع،‭ ‬ووصلت‭ ‬شهقاتي‭ ‬إِلى‭ ‬مسامع‭ ‬النقيب‭ ‬الذي‭ ‬اقترب‭ ‬مني‭ ‬بسرعة‭ ‬وصفعني‭ ‬بشدة‭ ‬على‭ ‬خدي،‭ ‬وتطاير‭ ‬الشرر‭ ‬من‭ ‬فمه‭: ‬

‭- ‬جبان؛‭ ‬أتبكي‭ ‬على‭ ‬مجرم؟

ركلني‭ ‬بحذائه‭ ‬الأنيق‭ ‬على‭ ‬عجيزتي،‭ ‬فتهاويتُ‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬مستسلما‭ ‬وأنا‭ ‬استغيث‭: ‬

‭- ‬دخيلك‭ ‬سيدي‭.. ‬دخيلك‭ ‬سيدي‭.. ‬

عاد‭ ‬النقيب‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬إِلى‭ ‬منتصف‭ ‬الحلقة‭ ‬الجهنمية،‭ ‬وأمر‭ ‬الزنابير‭ ‬بإحضار‭ ‬الخشبة‭ ‬التي‭ ‬سيربط‭ ‬عليها‭ ‬الفتى،‭ ‬ويبدو‭ ‬أنَّ‭ ‬هؤلاء‭ ‬القتلة‭ ‬قد‭ ‬نسوا‭ ‬أمر‭ ‬الخشبة،‭ ‬فهبَّ‭ ‬بعضهم‭ ‬وانطلقوا‭ ‬بالسيارة‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬إِلى‭ ‬مكان‭ ‬مجهول‭ ‬لجلب‭ ‬الصليب‭ ‬الذي‭ ‬سيعدم‭ ‬عليه‭ ‬الفتى‭ ‬الذي‭ ‬اقتعد‭ ‬الأرض‭ ‬وهو‭ ‬يجوب‭ ‬بعينيه‭ ‬السوداوين‭ ‬الواسعتين‭ ‬الوجوه،‭ ‬وقد‭ ‬استقرت‭ ‬عيناه‭ ‬للحظات‭ ‬على‭ ‬وجهي،‭ ‬فتبسَّم‭ ‬لي‭ ‬بشكل‭ ‬خاطف‭ ‬وهزَّ‭ ‬رأسه‭ ‬أسفاً،‭ ‬انصرمتْ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬دقيقة،‭ ‬كان‭ ‬الفتى‭ ‬النحيل‭ ‬والذي‭ ‬تحوَّل‭ ‬وجهه‭ ‬إِلى‭ ‬ليمونة‭ ‬حان‭ ‬قطافها،‭ ‬ينتظر‭ ‬موته‭ ‬بتلك‭ ‬الصحراء‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬هدراً‭ ‬وحشيَّاً‭ ‬من‭ ‬الدماء،‭ ‬عادت‭ ‬عجلة‭ ‬الزنابير،‭ ‬ووضع‭ ‬الصليب‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬الحلقة‭ ‬والفتى‭ ‬يتأمل‭ ‬مكان‭ ‬عروجه‭ ‬الأخير‭ ‬بعينين‭ ‬مشعتين،‭ ‬ثمَّ‭ ‬قرأ‭ ‬النقيب‭ ‬قرار‭ ‬الإعدام‭:‬

‭- ‬قررت‭ ‬المحكمة‭ ‬العسكرية‭ ‬إصدار‭ ‬حكم‭ ‬الإعدام‭ ‬رميا‭ ‬بالرصاص‭ ‬على‭ ‬المجرم‭ ‬حسين‭ ‬ناصر‭ ‬مهدي‭ ‬العشَّاب‭..‬

‭ ‬قلتُ‭ ‬في‭ ‬سري‭:‬

‭- ‬ويحك‭ ‬هذا‭ ‬ملاك‭ ‬وليس‭ ‬مجرماً‭.. ‬أنت‭ ‬المجرم‭.‬

‭ ‬أجل‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬اسمه‭ ‬حسين‭ ‬ناصر‭ ‬مهدي‭ ‬العشَّاب،‭ ‬لم‭ ‬يغب‭ ‬عن‭ ‬ذاكرتي‭ ‬أبدا،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬أهالي‭ ‬الديوانية،‭ ‬اقترب‭ ‬منه‭ ‬رجل‭ ‬دين‭ ‬يضع‭ ‬على‭ ‬رأسهِ‭ ‬برنيطة‭ ‬بلون‭ ‬الدم‭ ‬مطوقة‭ ‬بقطعة‭ ‬قماش‭ ‬بيضاء‭ ‬مستطيلة،‭ ‬وراح‭ ‬يلقِّنُ‭ ‬الملاك‭ ‬بعض‭ ‬الآيات،‭ ‬ثمَّ‭ ‬طلب‭ ‬منهُ‭ ‬ما‭ ‬يشتهيه‭ ‬بتلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬فتح‭ ‬حسين‭ ‬فمه‭ ‬بصعوبة‭ ‬وهمس‭ ‬بكلماتٍ‭ ‬لم‭ ‬نتمكَّن‭ ‬من‭ ‬سماعها،‭ ‬ثمَّ‭ ‬دعاهُ‭ ‬للتحرك‭ ‬إِلى‭ ‬الأمام،‭ ‬اقترب‭ ‬الملاك‭ ‬من‭ ‬الوجوه‭ ‬التي‭ ‬حاصرته،‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬أمامي،‭ ‬فابتسم‭ ‬لي‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬وهمس‭:‬

‭- ‬لا‭ ‬تبكِ‭ ‬أرجوك‭..‬

اقشعرَّ‭ ‬بدني‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬يمضي‭ ‬نحو‭ ‬صليبه،‭ ‬الهلع‭ ‬استولى‭ ‬على‭ ‬جسدي‭ ‬تماماً،‭ ‬وضعوا‭ ‬العصابة‭ ‬السوداء‭ ‬على‭ ‬عينيه‭ ‬وأحكموا‭ ‬رنق‭ ‬الحبل‭ ‬الغليظ‭ ‬حول‭ ‬جسده‭ ‬الرهيف‭ ‬ثمَّ‭ ‬ابتعدوا،‭ ‬بينما‭ ‬قرفص‭ ‬الرماة‭ ‬متخذين‭ ‬وضع‭ ‬الرمي‭ ‬وتأهبوا‭ ‬لإطلاق‭ ‬الرصاص،‭ ‬أدبرتُ‭ ‬بوجهي‭ ‬إِلى‭ ‬الأفق‭ ‬البعيد‭ ‬من‭ ‬الصحراء‭ ‬لأتحاشى‭ ‬رؤية‭ ‬المشهد‭ ‬الدامي،‭ ‬سمعتُ‭ ‬صوت‭ ‬سحب‭ ‬الأقسام‭ ‬للرشاشات‭ ‬الثلاث،‭ ‬فتقلَّص‭ ‬قلبي؛‭ ‬وانطلق‭ ‬صوت‭ ‬الرصاص‭ ‬كثيفاً،‭ ‬غمامة‭ ‬داكنة‭ ‬هبطت‭ ‬على‭ ‬عيني‭ ‬وخارت‭ ‬روحي‭ ‬فأسندني‭ ‬أحد‭ ‬الجنود‭ ‬السجناء‭ ‬بيديه‭ ‬وهو‭ ‬يردد‭ ‬بخفوت‭:‬

‭- ‬أصمدْ‭ ‬في‭ ‬مكانك،‭ ‬وإلاَّ‭ ‬ستتلقى‭ ‬إساءة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النقيب‭.‬

روحي‭ ‬تستغيث‭ ‬في‭ ‬مجاهل‭ ‬جسدي،‭ ‬والعرق‭ ‬يتدفق‭ ‬على‭ ‬وجهي،‭ ‬واللهاث‭ ‬يتصاعد‭ ‬من‭ ‬أعماق‭ ‬روحي،‭ ‬توقف‭ ‬الرمي،‭ ‬ولما‭ ‬حانت‭ ‬نظرة‭ ‬أخيرة‭ ‬لرؤية‭ ‬الملاك،‭ ‬وجدته‭ ‬قد‭ ‬تحرَّرَ‭ ‬من‭ ‬الصليب‭ ‬وجسده‭ ‬مسجى‭ ‬على‭ ‬الرمل‭ ‬وثمَّة‭ ‬صهيل‭ ‬مفجع‭ ‬يتصاعد‭ ‬بفراغ‭ ‬دشداشته‭ ‬التي‭ ‬انتفخت‭ ‬بزفراته‭ ‬الأخيرة‭ ‬قبل‭ ‬أنْ‭ ‬يفارق‭ ‬الحياة‭. ‬ركبنا‭ ‬عجلة‭ ‬‮«‬الإيڤا‮»‬‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬والسجناء‭ ‬من‭ ‬الجنود‭ ‬يستفهمون‭ ‬مني‭ ‬بفضول‭: ‬

‭- ‬هل‭ ‬تربطك‭ ‬بالمرحوم‭ ‬صلة‭ ‬قربى؟

لم‭ ‬أرد‭ ‬عليهم‭ ‬وانخرطت‭ ‬بالبكاء‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬وأنا‭ ‬اقذف‭ ‬بأحشائي‭ ‬إِلى‭ ‬الشارع‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬عجلة‭ ‬‮«‬الإيڤا‮»‬‭ ‬تبتعد‭ ‬عن‭ ‬مسرح‭ ‬الجريمة‭ ‬ودم‭ ‬الضحية‭ ‬مازال‭ ‬يانعاً‭ ‬فوق‭ ‬حبات‭ ‬الرمل‭ ‬وملائكة‭ ‬السماء‭ ‬ترفرف‭ ‬بأجنحتها‭ ‬حوله‭ ‬وتغسل‭ ‬جراحه‭ ‬بنشيج‭ ‬عبراتها‭ ‬بينما‭ ‬رشقات‭ ‬الرصاص‭ ‬التي‭ ‬نخبت‭ ‬صدره‭ ‬أكاد‭ ‬أسمع‭ ‬شبيها‭ ‬لأزيزها‭ ‬في‭ ‬القرية‭ ‬الكردية،‭ ‬أجل‭ ‬لعلع‭ ‬رصاص‭ ‬مباغت‭ ‬ثمَّ‭ ‬مرقَ‭ ‬صفيره‭ ‬فوق‭ ‬رؤوسنا‭ ‬ولكن‭ ‬كان‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬من‭ ‬الثوَّار‭ ‬الكُرد‭ ‬الذين‭ ‬أطلقوهُ‭ ‬علينا‭.‬

حسن‭ ‬النواب