إطلالة متأخرة على منجز السبع.. فروق بين روايات الداخل والخارج

إطلالة متأخرة على منجز السبع.. فروق بين روايات الداخل والخارج

رزاق ابراهيم حسن

كان مثل البرق المصاحب لغيوم الامطار الغزيرة، ومثل حقل تطلع اشجاره وثماره دون انتظار طويل، ومثل ماء ينبثق من اعماق الارض فجأة دون سنوات من الحفر، ومن التجارب، هكذا كان محمد شاكر السبع من عرفه في السنوات الاولى من وجوده في بغداد، اذ ظهر روائياً وقصصياً وصحفياً غزير الانتاج، تتوالى اصداراته دون توقف، يكتب الرواية والقصة القصيرة، ويفيض بالواقع والتفاصيل، ويجعل من الواقعة الواحدة عملاً مفتوحاً على التفاصيل الكثيرة، وعملاً تتناسل فيه الشخصيات والوقائع، وتتواصل في ساحته عمقاً وامتداداً وحياة.

ولكن محمد شاكر السبع لم يكن وليد المفاجأة والمصادفة ولم يكن حالة طارئة على الكتابة، فقد جاء بغداد تسبقه سنوات من القراءة والثقافة، وتصاحبه موهبة يسكن داخلها طموح لان يكون احد عباقرة الكلمة، وفرسانها، ولان يحيا اصغاءه الى حكايات واساطير اهله، وقصص عذاباتهم واحلامهم، وما شاهد ويشاهد من صور ومعالم وانتهاكات الى روايات وقصص تبهر الاذواق والقراء بروعتها، وقدرتها الفائقة والساحرة على جذب القراء اليها، وتحميلهم اشواقاً متصاعدة لمزيد من التواصل معها.وكان في كل ذلك يعد نفسه لان يكون كاتباً عراقياً، ولان تتسع لديه مدينة العمارة لان تكون للعراق ولكل العراق، فتكون مقطورتها المهملة انتفاضة لكل العراقيين، ويكون نهرها ساحة للعلاقات والتناقضات بين العراقيين، وتتناسل القصص مترابطة مع بعضها بعضا عراقية حميمية في ذلك الشتاء البعيد، فيما تتسع الافاق  لعراق اوسع من ذلك في البيضاء وفي المقبرة.وهذا الوصف هو جزء مما ينبغي وصفه للروائي والقاص والصحفي محمد شاكر السبع الذي كان من الاسماء التي ابهرت الوسط الثقافي بحيويتها وغزارة وتنوع الانتاج، وصلاحيته للقراءة والتفاعل والدراسة، واعتبار صاحبه من الاقلام التي تقف الى جانب الاسماء البارزة في التراث القصصي والروائي العراقي.ولو ان السبع وضع نفسه واسمه في هذا التراث الا انه لم يركن اليه كما هو حال معظم الروائيين وكتاب القصة، ولم يعلن مباهاته بنفسه، ولم يعرف عنه ذلك، وانما استمر صحفياً، يكتب التقارير والتحقيقات الصحفية، ويحرص على صداقاته لعموم الناس وللصحفيين واصحاب المواهب الادبية من كل المراحل والاجيال، فقد تجده في مقاهي الادباء ومقاهي العمال، وتجده متوقفاً عند المكتبات، وتجده في اماكن اخرى دون ان يفقد حميمته او يتخلى عن وجهه المبتسم، وكأن الابتسامة لا تفارقه في كل الاحوال، وكأنك قد عرفته بهذه الابتسامة، ومن الغريب ان يظهر بمعزل  عنها.وذلك ينعكس على رواياته وقصصه حيث تجد فيها معظم العراقيين من مثقفين واصحاب مهن، ومن سياسيين وغير سياسيين، وغالباً ما تكون الشخصيات البارزة والمحورية فيها من عامة الناس وان كانت ذات اغطية وتوجهات طبقية، ويحاول السبع ان يضفي روحه المرحة على اغلب شخصياته حتى وان كانت غارقة بالحزن والمشكلات المختلفة، وكانت من مواليد الحزن والبؤس والشقاء.ومع ان السبع يحرص على دقة الاختلاف بين السرد القصصي والروائي وبين الكتابة الصحفية الا انه يصلح لان يدرس في العلاقة والاختلاف بين هذين الضربين من الكتابة، فليس في لغة محمد شاكر السبع شيء من الغموض والتعقيد في كل قصصه ورواياته وهي لغة مبسطة وذات استيعاب لاوسع التفاصيل وأكثرها يومية وهذه بعض مؤثرات الصحافة، وتكاد هذه اللغة ان تتعالى عن البلاغة والتعقيد وتتواصل مع اليومي والراهن، وهذه من مؤثراتها، ويستجيب كل ذلك لشخصية السبع التي ترفض التعقيد والتعالى وتميل الى التواضع والبساطة والانفتاح على جميع الفئات وشرائح المجتمع.

نمط اخر

ان محمد شاكر السبع لم يأت الرواية والقصة من الصحافة، ولم يأت الى الصحافة من الرواية والقصة، وانما جاء اليها وهما في داخل، وفي ثقافته وفي استعداداته الكتابية، وهو يريد ان يجمع بينهما دون ان يضحي بخصائص كل واحد منهما. وان يعزز كل نمط بما هو ملائم للنمط الاخر، وان يكتب للرواية والقصة وللصحافة في أوقات متقاربة، وان يحفظ لكل نوع خصائصه وهويته. واذا كان البعض من الادباء يعمل في الصحافة اضطرارا، ويخرج منها دون ان ينتمي اليها فان محمد شاكر السبع عمل في الصحافة اختيارا وانتماء، ودخل من خلالها الى ما هو نادر واستثنائي وخاض المخاطر والتحديات القاتلة في جبهات القتال وكتب كل ذلك في الصحافة ولم يضع ذلك في قصصه ورواياته، اذ كرسها لشؤون ومواضيع أخرى وكأنه كان يريد ان يؤكد ان العام واليومي والراهن من مسؤوليات واهتمامات الصحافة، لكن الرواية والقصة لصاحبهما ولابداعه ولموقعه في تاريخ ومسيرة الادب الروائي والقصصي. ولعله أراد ان يؤكد ان الصحافة للظرفي والآني وان القصة والرواية للدائم والبعيد المدى، وان الصحافة للتوثيق ولكن القصة والرواية ترجع للوثيقة، لتأخذ منها ما يصلح للبقاء وما يصلح للخيال، ويصلح للتجارب وللبناء وكان من الطبيعي ان يختار الرواية والقصة، وان تكون الرواية اختياره الاسمى والأفضل وان يواصل كتابة الرواية في الوطن والمنفى، وان تكون موقعه وطريقه في الادب والحياة. ان محمد شاكر السبع الذي كتب رواياته داخل العراق بحب وعشق العراق وما يحمل منه من تجارب ومعطيات ورصيد غني من الوقائع والاحداث لابد وان تكون رواياته المكتوبة خارج العراق مختلفة عن رواياته الأولى فمثل هذا الكاتب المبدع لا يكرر نفسه، ولا يكون عابرا طارئا في الانتقالات والمحطات المصيرية، وذات العواصف الهادرة بالتوترات والاختيارات الصعبة والشاقة، ولا أقول ذلك لانني قرأت كل رواياته وانما لانني اعرف محمد شاكر السبع، واعرف انه يصغي لنفسه وللاخرين، ويجعل الاصغاء ابداعا، خاصة وانه لا يصغي للاصداء انما للاصوات الثرة والجيدة والممطرة والهادرة والساطعة، والتي تحمل صوته معها، وترتبط معه بوشائج ابدية لا تفارق الحلم والتطلع والتغيير والحرية. ولانني اعرف هذا الصديق المثابر والمتواضع فانني افترض انه في اعماله المكتوبة خارج العراق كانت اكثر اهتماما بالمبادئ والحرية، وكانت تطوف بروحه على أجواء ورحاب العراق، داعية الى بناء علاقة جديدة بين الحرية والوطن، بين الانسان وحلمه وبين الواقع والمتخيل عنه وبه. وافترض ان السبع في رواياته خارج العراق لم يفقد قدرته الفائقة على الحوار بين الواقع والمتخيل، وإنجاز روايات فيها الكثير من الخيال الذي يضفي عليها النزوع الشعري وشفافية الحلم. ان روايات وقصص السبع تستمد موضوعاتها من الواقع، وتقدم شخصيات واحداثا نستطيع تلمسها، والتعرف عليها لكن السبع يضعها بعيدا عن المؤلف، فتكون مفاجئة لنا وتكون غير التي نعرفها بما هو اعتيادي ومألوف من الصفات والسلوكيات، وذلك ليس بعيدا عن الخيال وان كان ينتمي الى براعة الصنعة الروائية ومع سعة وحيوية الخيال في هذه الروايات والقصص فانه لا يقود الى مفارقة الواقع حتى وان كان هذا الواقع يدفع الى الاغتراب وهوس الانفراد والعزلة.

 ان قارئ قصص وروايات محمد شاكر السبع وكتاباته الصحفية يشعر ان هذا الكاتب عميق الصلة بوطنه العراق، وانه يعرف كل شيء عن العراق وعن مدنه، وقراه وفلاحيه وعماله وعشائره واثاره ومواقع الوجع والحزن والجمال فيه وتأريخه ومعالمه وافترض تبعا لذلك ان رواياته المكتوبة خارج العراق كانت شديدة الاغتراب وكان الاغتراب فيها جروحا دامية وان كان الواقع زاخرا بما هو جميل ورائع. ومع ان محمد شاكر السبع عاش عراقا كارثيا مقرونا بالضحايا والدماء والمصائب الا انه كان في حياته وفي رواياته وقصصه يحاول ان يكون في صميم هذا الواقع، وان يمارس الابتسام والطرافة والمرح، والانهماك في العلاقات والصداقات وذلك ما ينطبق على شخصيات رواياته وقصصه، وما يختار لكتاباته الصحفية من شخصيات وادوار ومواقع.

 واذكر انني في اغلب ما قرأت له من روايات وقصص كنت مؤخوذا ومدهوشا بعنفوان وحيوية شخصياته وحميميتها وعمق الحياة فيها وقدرتها الفائقة على التشويق حيث تكون مغروسة فيك منذ اللحظات الأولى وتقيم معك صداقة (مثقفة) دون حواجز ووساطات، ودون الحاجة الى تعارف مسبق. وفي قصصه ورواياته يقودك نحو ازمته وامكنة مختلفة ولكنها تنأى عن العام والمتشابه، وتنأى عن التكرار بما تضم من شخصيات ووقائع وعلاقات مختلفة أيضا. بهذا الاختلاف، اذ تتواصل معه جمعا مترابطا وعلاقات متماسكة وسردا مقنعا ومشوقا وجديرا بالقراءة. وكل ذلك يجعل من السبع كاتبا عراقيا اصيلا ومبدعا يعزز مكانته في الادب العراقي وانه قد وضع اسمه في تاريخ ومسيرة هذا الادب.