إسماعيل الصياح شاعر يحتفي بالمقدّس .. ذاكرة تحفظ وهج الرماد
صباح محسن كاظم
-لطالما تناول الشعراء بكافة العصور الرموز الروحية ،والعقائدية ،والدينية، بفخر وإعتزاز بعشرات الدواوين الشعريّة العربيّة ، كنماذج تحلت بالتكامل الإنساني ، من نبي الرحمة إلى الأمل الموعود ، فهم :الأسوة ،والقدوة ،بإنسانيتهم ..وأخلاقهم ..بسلمهم وبماشن من حربٍ عليهم ،من خصوم الإنسانية ، كانت القيّم الأخلاقية لاتهتز لديهم بل الرأفة على أعدائهم مثلما الحنو على أتباعهم .والشعر العربي الإسلامي كما يقول الدكتور “ماهر دلي الحديثي” في كتابه المهم البناء الفكري والفني للقصيدة الاسلامية الصادر عن دار الشؤون الثقافية – بغداد – ص28 والذي درس وأستعرض فيه عشرات الشعراء من زمن الرسالة إلى الزمن المعاصر ..(الشعر الإسلامي – كونه جزءاًمن الفن الإسلامي – يقوم على اساس عدم الفصل بينه وبين (الحياة) و(الإنسان)،لذلك لايمكن للأخلاق والقيم الخلقية أن تنفصل عن الشعر في لحظة من اللحظات ،لأنها ليست شيئاً منفصلاً عن كيان الإنسان وكيان الحياة .ومن يرى أن الشعر لاعلاقة له بالأخلاق لأنه (فن) ،فانه يتعامى عن حقيقة الفطرة ، فالدين والفن يلتقيان في النفس البشرية ….). وللتأمل الجمالي والثيمي في ديوان (ذاكرة الرّمل ) الصادر عن مركز تبارك لرعاية الإبداع وتكريم الإنجاز 2015 – للشاعر العراقي المبدع الفائز بمسابقة الشعر في السعودية ” إسماعيل الصياح ” مع الشعراء شاكر الغزي ومهدي النهيري ،وقد سبق للشاعر أن حصد الجوائز بمسابقات عربية كالجود 2013 ،وجائزة محمد علي الخفاجي 2014، وجائزة الطيب صالح 2015،في قراءة لبعض تلك النصوص المدهشة ،والباذخة الجمال ،بجزالة الألفاظ ،والصور الشعريّة السامية بالإجادة في الوصف للكمال الروحي ،في نصوصه عن النبي وآله ،
على صَـفـحـــــــاتِ الـمــاءِ
يَـمـتـَـدُّ طـيـفُــهُ
ويَروي ظِمــــاءَ المستنيــــــرينَ جُرفـــُـــهُ
حَــفـــــيٌّ بأسّــرارِ السمــــــاءِ
يَـعُـبُّهـــــــــا
غداة َ تدلّـى ، قــــــابَ قـوسين ِ طَرْفـُــــــــهُ
على فتــــرةٍ ،
لَمْ تـَرمُق ِالأرضَ نـَظــــرةً سماها ،
أتى كـالفجــــرِ ، والنورُ عَزْفـُـهُ
لــيــكـشـــفَ أستـارَ الظـــلام ِ يراعــــُـهُ
ويَـنـفَـخُ روحاً في الحضـاراتِ حـــرفـُـهُ
تَقلّبَ في الأصلابِ
– مُنذْ كانَ فكرةً – كمالاً ،
ما أبهى وأسمى وأنقى الشعر بحضرة النبي الأقدس ، كغديريتدفق لماء عذب رقراق ،يُروي من يُظميء للقاء و للنقاء والوفاء والعهد المعهود للحق تبارك وتعالى حين رفع نبي الرحمة بالإسراء والمعراج ،وقد برّع “الصياح ” في وصفه بتلك الشاعريّة التي تغدق علينا لآليء ودرر وجواهر من الكلم ،ويشدو عرفاناً بالخلق القويم لنبينا العظيم ،حتى مع الأعداء والمناوئين والمحرضين
لتحـمـــــلَ وأداً للنزاعــــــاتِ
كـفــّـُــهُ
وحتى لِــمَـنْ آذُوهُ
تَــلقــــــاهُ نـــخـــــلـــــــة ً
يـُفَـيـئـُهـُم ،
لا يَمنــعُ التـــمـرَ سَــعــــفـُـــهُ
وكم كان في بحرِ التعيسين نســمـةً
وبينا على الظُــــلاّمِ ،
يشتدُّ عَـصْـفـُـهُ
وهـــــاجـرَ فرداً
نحوَ مـيــقـــاتِ رَبــــــِـــه
وعادَ ، ومن عينِ – لدى اللهِ –
رَشفـُــــهُ
في 79 مقطعاً شعرياً تنزاح الفضائل والمناقب صوب تلك الشخصية الإلهية التي إصطفاها على البشرية ليكون هو الخاتم ،والمنقذ ،والمسدد ،والمعلم ،والمعصوم من كل الخطايا ، جاء النص متدفقاً وطافحاً بالألق الشعري من خلال الصور الشعريّة التي إتسمت بغنائية تسمو بالروح نحو التكامل ،فمن أجدر بالمدح والثناء غير رسول الله ؟!لِيختم نصه المتدفق بالصدق يتساوق ويتماهى مع النسق الشعري بوصفة الحقيقي لهذا النور الملائكي بوصفه أميناً خاتماً
فأثمارُ النبيينَ قـَطــــفـُــــهُ
أمالَ قلوبَ الناسِ طفــلاً ،
وســـاقــــهــا أُسارى
– بنبذِ الحقدِ –
فالعفــو سيفُــه
وكان اذا ما ســارَ، بيتــــــــاً من الرؤى
كـأنَّ جناحاً – مِنْ سنا اللهِ –
سَـقـفـُـهُ
وقـلـَّـدَهُ صــدقٌ ، على القـُـــــوم ِ إمـــــــرة ً
لتحـمـــــلَ وأداً للنزاعــــــاتِ
بوَصـفِــــــهِ أمـيـنــــــا ،
ختـــاماً للـنـبـيـيـن وصـفـُـــــــهُ
بالطبع للرمل خاصية إرتشاف الماء، وترشيحه ،وتسريبه ،وعدم الإحتفاظ به ،،وهو المفارقة في اللعبة الشعرية للعنونة لديوان – ذاكرة الرمل- إلا أن رمال الحجاز تحفظها الذاكرة والخطوات التي مرّت عليها ،وذاكرة الرمل بكربلاء والنجف تبقى حية في التأريخ الإنساني لما جاد في ثراها الأبطال بأبلغ الجود بالنفس والروح فهي أجمل القيّم والمثل والمبادئ ، نصوص باذخة جذلى بعطاء زينب – عليها السلام- وبالأمل الموعود وبكنوز التوحيد ينسجها “إسماعيل الصياح من خيوط الشمس لتعانق الغمام ،لذا إستحق الفوز بهذا الديوان ..
في نصه على خشبة الطف المُدى إلى سيد الماء ، العباس “عليه السلام-
جَحَــافِــلٌ ،
وَصَهيــلُ المَــــوتِ ،
والهَلَــــــعُ
وأَعيُنٌ جامِحــــــاتٌ كـُــــلُّهــــا طَمـــَـــــــــعُ
وسُمــرَةُ الأرضِ ،
يَطغى فِي مَلامِـحِــهــا لَونٌ ،
تـَفــردَّ في إتــقـــانــهِ الــــوجـــعُ
أَمّــــــا السَمـــاءُ ،
فَدَمْعــــاتٌ مُؤجَّــــــلَــــــةٌ
ساديّةُ الصَمتِ ، في سِيمائهـــــا بُقَــــــــــعُ
رايـــاتُهُم ،
مِنْ خـَـــريفِ الدِينِ صِبغَـتـُهـــــا،
طُبولُهـــــم ،
بِصَليــــــلِ الشِــركِ تَـنــقَــرِعُ
وثـُلـَّـــــةٌ من فَوانيــــــسٍ ،
أَضــــــــاءَ بــهــــا زيتُ الحُسيــــنِ ،
بنـــورِ الحَــــقِّ تَـلـتـَمِــــعُ
فالعـــــاشِقونَ ،
تَشعُّ البـــــَــوحَ أعيُنُهـــــــم ،
صمتـــاً نديـــاً ،
إذا ما هَزَّهـــــــا وَلَــــــــــعُ
وهُــمْ لَهُم – كدَوِيِّ النَحــــــلِ – أدعـــيــةٌ،
إذا تأمـّــــــلــتَهــم ،
للهِ تــَسْـــــــتـَـــــمِــــعُ
نَوارسٌ في بِحـــــــارِ العِشــقِ هَيــــأتُهُــــمْ،
لكنَّهُــــــم ،
كأعــــاصِيرٍ ،غَداةَ دُعُــــــــــوا
كانـــــا فريقينِ ،
يتمتع الشاعر “الصياح ” بقدرته الوصفية المبهرة لتلك الأجواء ،و تفكيك ماهية سايكولوجية الأعداء والصراع بين فساطاطين رايات الحق وجند الباطل على مر التاريخ بين طلاب الحرية وبين الحكام الطغاة ولصوص الساسة ،،ليعزز الشموخ والإباء والجود والمكرمات لمن يحمل رايات الحق والإحتجاج على الظلم والباطل والإستئثار ، سيد الماء حين يكتنفه الظمأ وهو على الماء يرميه فلا يريد أن يسبق الصبية وشقيقه ،إنها المثالية في التضحية والإنموذج الإنساني بالعطاء من أجل الحرية .كما بنصه قراءة في طقوس بيضاء يغدو متسامياً ومتماهياً مع ابي عبد الله الحسين – عليه السلام- وهو يُقارع الباطل لينتصر لإرادة الحق ..تلك النصوص الموشاة بعبق وأريج الطهر والتكمال تصفو بالنفس الإنسانية إلى المراق والإقتداء لمن هو تواق إلى الطهر والفضيلة من نصه الأول سيرة ذاتية ليتيم – على خشبة الطف – القدر- مرايا الغياب- قراءة في طقوس بيضاء- ذاكرة الرمل- قافلة الأحزان- علي العظيم- ظلامات .. أسطورة الحب- صهيل الشوق- جُبةُ الحُزن- صوت الثورة- قراءة في سورة الفجر – علي .
نصوص تتدفق بالأمل والإنتظار والإنتصار وتشدو نحو الشمس ،تصافح القلوب والعقول بجوهر الشعر الهادف الذي يتناول جواهر الوجود وقدوة البشر ، غير مداح وتكسبي وهجاء ،بل يسمو لقصدية تتسامى فيها الأرواح التواقة للبر والخير بعد أزمنة الرعب وعلو الطغاة والإستبداد بكل أرجاء الكون ..
في نص القدر ص25-32 وصهيل الشوق ص71-74 ، وفي علي إلى علي – عليه السلام وهو منشغل بالوضوح ص85 -90، نصوص عبقة بالإيمان وأريج الولاء تتدفق كشلالات ماء من سفوح عالية لتطهر الأرض وتحيي النفوس بكل ما يعطر الروح . ويسمو بها نحو العلياء ..
بكلِّ هُمومِ الأرضِ
ضجّتْ سمـــــــاؤهُ
لذا
كانَ للحُزنِ القديمِ انتمــــاؤهُ
يَصَاعدُ محمومـــــاً بكلِّ جراحِــــهِ
فيهمي على وردِ المريدينَ
مـــــاؤهُ
ويقترحُ الألـــوانَ من فرطِ لُطفـــهِ
إذا مسَّ أرواحَ الفراشِ























