إذا تفرقت الغنم .. قادتها العنزة الجرباء

إذا تفرقت الغنم .. قادتها العنزة الجرباء
لا ينطلي على الجميع العداء الأمريكي الإيراني المبطن بعد إن ثبت في واقع الحال . ونحن ندخل العام العاشر من عمر الاحتلال البغيض وكيف ساعدت إيران ودعمت الاحتلال الأمريكي من خلال دعمها اللوجستي للقوات الامريكية والانكليزية ومن شارك في هذه الحرب أو من خلال الأحزاب المعارضة والمرتبطة بإيران لقد روجت إيران للأحزاب والقادة على أنهم سياسيون أكثر قدرة على الكذب والمغامرة . فقدموا تقارير إلى واشنطن قبل الاحتلال إلى الاستخبارات الامريكية في تمرير لعبة الاحتلال بعد عام إلفين وكذلك بعض القوى السياسية في داخل العراق التي أكدت هذه التقارير خلال مؤتمر لندن (سيء الصيت). عند احتلال العراق كانت اللعبة الأولى والأقوى عند القادة في إيران الأمر الذي حصل مابين القوى الليبرالية والعلمانية فزجوا بحزب عراقي معروف لدى الجميع كطرف ثالث في المعادلة الطائفية فكانوا الأمريكان وقبلهم الإيرانيين على عجل في إجراء مسارح جديدة من الدمار والعبث بعد إن كانت خيوط اللعبة والدعم من إيران وهكذا كان دور اللوبي الإيراني والأمريكي في قتل اكثر من خمسة ملايين وتشريد أكثر من ستة ملايين من إخوتنا الشيعة العرب والسنة العرب.
وسرقت النفط بأدوات إيرانية وأدوات عراقية تعمل لحساب طهران وتدمر البنى التحتية وتهدم الجوامع والمساجد ومراقد ألائمة الأطهار وقتل العلماء وأساتذة الجامعات.
وكيف تدخلت أمريكا وإيران في صناعة دستور العراق الجديد وكان ابرز نقاط وفقرات هذا الدستور هي الهيمنة على مقدرات هذا الشعب المسكين وتقاسم السلطة والمال بين إيران وأمريكا . إن الدستور هو عقد اجتماعي لكل مكونات المجتمع قوامه المساواة في الحقوق والواجبات علي أساس المواطنة الصالحة، أو هو الإطار القانوني لكل القوي والكتل السياسية الفاعلة في الواقع، أو هو انعكاس حقيقي وصادق لرؤى وخيارات وأمنيات الشعب بكل أديانه ومذاهبه وقومياته وأطيافه الأخرى.
ولما كان الأمر علي هذه الدرجة من الأهمية والخطورة كان لابد أن يراعي في طريقة وضعه الرضا والقبول من الشعب. فإذا كانت طريقة وضع الدساتير مختلفة باختلاف الأنظمة السياسية في دول العالم فإن الفقه الدستوري يجمع أو يكاد علي أن اللجنة التأسيسية هي انجح الطرق وأصلحها في وضع الدساتير. غير أن السلطة التأسيسية كثيراً ما يكتنفها اللبس والغموض مما يجعلها تتداخل من حيث عملها مع السلطة المؤسسة (التشريعية) مما يستوجب الإيضاح لكل من السلطة المؤسسة (التأسيسية) والسلطة المؤسسة (السلطة التشريعية) إذ ان وصف الدستور يتوقف علي طبيعة اللجنة التي تقوم بكتابة الدستور، الأمر الذي يجعلنا نصف الدستور بأنه دستور سياسي أو دستور قانوني ذلك علي النحو الآتي:
أولاً: السلطة المؤسسة (التأسيسية) والسلطة المؤسسة (التشريعية).
منذ أن بدأت حركة التدوين الدستوري في نهاية القرن الثامن عشر إثر بروز فكرة الدولة بالمفهوم الحديث للمجتمع المنظم سياسياً، ثار تساؤل علي صعيد الفقه الدستوري مفاده أيهما أسبق في الوجود النظام السياسي أم النظام القانوني ؟ وقد ترتب علي ذلك التساؤل البحث عن أفضل السبل وأنجعها في كتابة الدساتير حتى قيل أن الدستور يجب أن يكتب من قبل النخبة أو الصفوة أو حكماء القوم الأفذاذ الذين تتوافر فيهم صفات عديدة منها الموضوعية والكفاءة والقدرة علي التحليل والتنظير واستشراف المستقبل وتحديد اتجاه سير المجتمع لسنين مقبلة في ضوء المعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع.
إن مثل أولئك الأشخاص ينتخبون أو يختارون ويشكلون السلطة التأسيسية التي تتولي إعداد وكتابة الدستور. وهذه اللجنة تنتهي حالما ينتهي عملها دون أن يكون لأي من أعضائها حق التقديم أو الترشيح لمناصب سياسية في ما بعد. إن السلطة التأسيسية بالوصف المتقدم هي أعلي وأسمي سلطة يتشاور أعضاؤها في ما بينهم للاتفاق علي بنود الدستور دون أن يكون هناك أي تأثير أو محاباة أو تدخل لحزب أو فئة أو طائفة أو أي تنظيم علي حساب الآخر.
وإذا كان الدستور وليد السلطة التأسيسية ، فإن السلطات المؤسسة هي وليدة الدستور ومنبثقة عنه ومنه تستمد وجودها وشرعيتها، إذ ان الدستور يحدد السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ويحدد اختصاص كل منها علي أساس مبدأ الفصل بين السلطات. وهذا يعني ان السلطة التأسيسية التي تضع دستور البلاد هي أعلي مقاماً وأسمي منزلة من السلطة المؤسسة (السلطة التشريعية) لأن الأخيرة وليدة عمل الأولي ولا تملك الأخيرة أن تخرج علي الإطار الذي حددته الأولي وإلا ثارت عليها الرقابة علي دستورية القوانين. ولو أرجعنا النظر إلي دستور العراق الذي كلفت الجمعية الوطنية بكتابته بموجب المادة 60 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، والذي ثارت بشأنه عشية وضعه جملة من التساؤلات في ما إذا كان يعد دستوراً للبلاد أم انه قانون يمهد لاصدار قانون دائم وبرغم المساجلات الفكرية بشأنه، فإن الرأي الراجح يعده دستوراً لأنه نظم آلية تكوين السلطة وانتقالها وحدد شكل الدولة وطبيعة نظام الحكم وأكد علي العديد من الحقوق والحريات العامة. وقد اقتبس الدستور الجديد العديد من مواده من قانون إدارة الدولة، بل ان هذا الدستور لم يخرج علي روح ذلك القانون- لوجدنا ان الجمعية الوطنية (السلطة التشريعية) هي سلطة مؤسسة لا يمكن أن تأخذ دور السلطة التأسيسية علي النحو السابق بيانه وتقوم بكتابة دستور العراق برغم نص المادة (60). كما ان الجمعية الوطنية تمثل الأحزاب والكتل السياسية المشاركة في الانتخابات التي جرت في 30/ 1/ 2005م ولا تمثل الشعب العراقي بكل أطيافه فضلاً علي ان أعضاءها لا يتحدثون باسم العراق بقدر ما يمثلون الأحزاب التي أوصلتهم إلي الجمعية علي خلاف الأصل القانوني في وظيفة النائب البرلماني الذي يمثل كل الشعب وان ينسلخ من انتماءاته الحزبية أو المذهبية أو القومية وان يكون للعراق لا للحزب الذي جاء به. إن هذا النهج لا يمهد لتأسيس دولة قانونية ويجعلنا نقف أمام دستور سياسي لا دستور قانوني.
ثانياً: الدستور السياسي والدستور القانوني
اختلف الفقه في تعريف الوثيقة الدستورية باختلاف الزاوية التي ينظر منها رجل السياسة عن رجل القانون. وإذا كان القانون يعرف الدستور بأن مجموعة من القواعد القانونية التي تحدد شكل الدولة (في ما إذا كانت بسيطة موحدة أم مركبة فدرالية)، وطبيعة نظام الحكم (ملكياً كان أم جمهورياً، برلمانياً أم رئاسياً) ويحدد السلطات العامة برسم العلاقة فيها فضلاً علي الأسس الفلسفية والاقتصادية والاجتماعية التي يقوم عليها المجتمع، فإن رجل السياسة يعرف الدستور علي حد تعبير الفقيه الفرنسي (موريس دفروجيه) بأنه (قانون أولئك الذين وضعوه) في اشارة إلى الأحزاب والكتل السياسية التي بصمت أفكارها وفلسفتها ورويتها وخياراتها في تضاعيف الدستور، ومثل هذا الدستور لن يحقق بناء دولة المؤسسات الدستورية التي لا تتأثر بتغيير الأحزاب السياسية أو تغيير شخص الحاكم وانما يمهد لولادة دكتاتوريات الشخص الحاكم أو لديكتاتورية الأقلية وقد أثبتت التجارب فشل الدساتير وانهيار المجتمعات والدول التي قامت علي مثل تلك الأيدلوجيات السياسية. إذ أن تلكم الدساتير تفصح عن رؤى ونيات وتطلعات واضعيه أكثر مما تفصح عن تطلعات الشعب وأمانيه حتى إذا ما تعرضت الدولة لهزة سياسية سقط الحزب الحاكم ومؤسساته وأنفل الدستور وانفرط عقده وانهار الأمن والاستقرار وشاعت الفوضى والاضطرابات، ولعل ما حصل بعد سقوط النظام السياسي العراقي ودستور 16 تموز 1970 علي يد الاحتلال بعد 9/ 4/ 2003 ما يكشف عن مخاطر الدستور السياسي. ومثل ذاك ما نخشي تكراره مجدداً في دستور العراق حتي ولو كتب له النجاح لأنه يمثل خيارات وأمنيات ونيات الزعامات السياسية الجديدة لا خيارات وأمنيات وطموح الشعب العراقي. وقد تجلت نيات الأحزاب السياسية ورغباتها في الدستور في اكثر من موطن بدءاً من الديباجة وما تحمله من نزعة طائفية مروراً بالمبادئ الأساسية ولاسيما في ما ورد في المواد (3، 7، 10، 13) والحقوق والحريات العامة وما جاء بالمواد (18 أولا ورابعاً، 29) وآلية توزيع السلطات والاختصاصات بين السلطات الاتحادية والسلطات المناظرة لها في الأقاليم والمحافظات التي لم تنتظم في إقليم المادة (118 ثالثاً ورابعاً وخامساً). وانتهاءً بالإحكام الختامية والإحكام الانتقالية ولاسيما المواد (124، 131، 132، 135، ثالثاً/ ج، د، 136).
خلاصة القول أن ذلك الدستور الجديد للعراق أن لم تتم معالجة نقاط الاختلاف فيه التي تمهد لتقسيم العراق وتجزئته أرضاً وشعباً وهوية، فإننا كما اعتقد سنكون أمام دستور سياسي كتبته أيدي الأحزاب السياسية التي جاءت مع الاحتلال ولن يحقق ذلك الدستور الأمن والاستقرار أو يقضي علي الاضطرابات السياسية. وهذا ما لا نريده للعراق وإنما نريد دستوراً قانونياً يعبر عن خيارات الجميع ويمهد لولادة قانونية تقوم علي أساس وجود منظومة قانونية لا تتوقف علي الشخص او الحزب الحاكم ولا تعتمد علي الأشخاص القادة بقدر ما تعتمد علي البرامج الناجحة لإدارة البلاد بما يرضي الله والعباد .
خالد القره غولي- الرمادي
AZPPPL