

الشاعر رعد زامل
أناه باحثة في اللاحقيقة – وجدان عبد العزيز
حمل ديوان (اختلطت على بوصلتي الجهات) للشاعر رعد زامل وجعا مزمنا للبحث عن الحقيقة، وجعا استوطن ذاته منذ بواكير اعماله الشعرية، فكان وجعا من نوع خاص، انفتحت فيه رؤية الشاعر الفلسفية الى افق البحث عن الذات المقلاة على نار هادئة من الفقدانات والاحتياجات .. ونقر ان الشعر في جوهره هو تيه، وهو مشروع غير مكتمل ولايتحدد بهدف غائي، فهو ضد الحقيقة، فاللاحقيقة هي الوجود المنفتح في عوالم الشعر، من هذا بدأ الشاعر، يعيش حالات الشك بقلق بدأها بقصيدة (اعتذار)، التي قدم بها اعتذاره لاشياء الطبيعة ومتعلقات ذاته في اوجاعها واحزانها وليس في افراحها، ثم قصيدة (الاستهلال)، التي حصل من خلالها على (عشبة أخرى) لاهي للخلود ولا هي للفناء، وكأنه خُلق للوجع السومري التليد .. (لرعد زامل/الطاعن بالعطش/قارورة من الدمع/وعشبة اخرى لاعلاقة لها بالخلود ولا بالفناء.)، يقول ديكارت : ( بحثت في الوجود فلم أجد موجود إلا أنا، أنا أفكر إذًا أنا موجود، وكل موجود لا بد له من موجد، فمن الذي أوجدني، ولا يجوز أن يكون الذي أوجدني أقل مني، لأن لا يجوز أن يقدر الأدنى على خلق الأعلى، ولا يجوز أن يكون الذي خلقني مساويًا لي، لأنه لو كان مساويًا لي، فلماذا لم أوجده أنا، ونكون نحن متساويان، إذًا لابد أن يكون الذي أوجدني أعلى مني، وليس هناك أعلى مني إلا الله)، هذا الجدل مرّ به الشاعر رعد زامل، لكن يدرك انه يقود لبناء مشروع رؤيوي لايتكامل البتة، فالشعر يستوطن ارضا رخوة يعتاش على الخيال، تلك الصورة الذهنية الغير مرئية، وقد تندمج هذه الصورة بصورة اخرى تحمل شقي الذاتي والموضوعي لتقدم صورة مرئية قريبة من الواقع، ويبقى النص الشعري يصارع من خلال البناء اللغوي، وبخاصة في صعوبة ولادته بامتزاج حالات اللذة والألم .. وحين البحث عن الوجود، هذا يعني البحث عن رؤية الانسان وإحساسه وإنطباعاته وإنفعالاته ونوازعه الداخلية، كونه المخلوق الوحيد الذى يستقبل الوجود بوعى ليسقط عليه رؤيته وأحكامه وتقييماته، وصولا لإيفاء حاجاته الجسدية والنفسية بإنتاجها للأفكار كوسيلة، فـ(الحياة مجموعة هائلة من الإنطباعات نختزن مع كل مشهد وصورة إنطباع يُكون موقفنا وتقييمنا للمشهد الوجودى تؤطره الحاجة والإشباع والأمان ويتحدد الإنطباع وفق قطبى اللذة والألم ليتم إختزان الصور والإنطباعات فى أرشيف الدماغ لنستدعيها عند الحاجة, فالأفكار نتاج مجموعة صور هائلة تم ترتيبها وتجميعها بطريقة نراها منطقية أو خيالية لتحقق حالة من الإشباع الجسدى والنفسى .)، وتبقى محاولات الانسان واصراره الدائم في ترجمة الواقع الى صور فكرية مجردة، بعيدا عن مثاليات الميتافيزيقيا، وانا اجد ان هناك صراع يقوده الشاعر رعد زامل لمحاكمة الواقع، تارة بالتحليق فوقه، واخرى بالنزول الى ارضيته، محاولا فك رموزه، لكن الشاعر يبقى في منطقة الصراع طويلا .. يقول في قصيدة (نكوص) :
(لم يتداركني
الغيم بالمطر
غداة نطفة على وجه الرمال
كنت استغيث
لقد أشاحت بخضرتها
الاشجار عن وجهي
فلست على وفاق
مع احد ..
روحي بذرة الشك
والعالم حقل اليقين)
ثبت لنا ان الشك هو محرك الفكر الانساني، لكنه يبقى يحوم حول حالة اليقين، حتى يستقر بندول القلق للوصول الى اليقين، وبما اننا ازاء عالم الشعر .. اذن نحن نبقى في منطقة اللاحقيقة، اي في بندول متحرك ابداً، وان (أخلاق الإنسان وسلوكه ونظرته للوجود تكمن فى انحيازه لتناقض على تناقض ,فالحياة والوجود لا يتواجدا، إلا من خلال وجود الضدين لنجد أنفسنا قد إخترنا الإنحياز لضد وإعتبرناه مثالياً كونه يحقق لذة ما ليكون الضد الآخر قبيحاً كونه ألم.)، والظاهر ان الشاعر رعد يعيش عتمة شك وريبة، بين الفينة والاخرى يضيءُ نوراً خافتاً وسط نفق اوجاعه .. يقول :
(لقد اختلطت
على بوصلتي الجهات
ومازلتُ
احملك أيتها النفس
كما لو أنني
أحمل صقراً
ينزفُ في قفص !)
ورغم اختلاط الجهات على بوصلته، الا انه يتصور وصوله الى هدف ما كما لو انه يمتلك حرية، لكن انّى له الحرية، فهو يخرج كما الطير نسي حنجرته في القفص .. يقول : (قد تحررت حبيبتي/لكن كما يتحرر الطير/الذي شاخت أغانيه/فخرج ناسياً حنجرته في القفص) .. اذن الشاعر يؤثث اوجاعه بالصراع المتصاعد في البحث عن اجوبة لاسئلته المتراطمة في بحور من الحيرة من خلال صوره الشعرية وتناصاته، ولاسيما مع آي القرآن الكريم، معمقا فلسفته الخاصة في تعامله مع المحيط الوجودي له .. فالحياة ثمينة جداً، يحصل عليها كل إنسان مرة واحدة ومن ثم يخرج منها نهائياً.. فكل واحد يحدد ما تكون عليه حياته وكيف يتعامل مع فرصة وجوده في ملعب الحياة قبل أن تنتهي اللعبة بالنسبة له ويخرج تماماً، فلو اخذنا العلم كالبيولوجيا او السايكلوجيا.. يقول الأب هاني دانيال الدومينيكي : يتكون أسم كل من هذه العلوم من كلمتين : بيو(الحياة) أو سايكو(بسكيه- نفس) اليونانيتين ، مضاف اليها كلمة (لوجيا) أي “اللوغوس” والتي تعني “خطاب أو كلام عن “،علم الحياة وعلم النفس، فالعلم ميدان، من ناحية، يمتلك مادة يدرسها (الحياة والنفس) يسعى الوصول من خلالها الى علمية حقيقة يثبتها مع مرور الزمن، ومن جانب أخر، له منهج أو طريقة تعتمد مجموعة أسس وقواعد ونظريات، تنتظم وفق منطق معين، فالكيمياء مثلا، تهتم بطبيعة المادة عن طريق تقسيم مكوناتها الى العناصر وجزيئات وذرات لتدرس الاواصر، التي تنبني من خلالها، ويمكن أخضاعها للتحليل واستقاء حقائق تصف طبيعة هذه المواد والرياضيات، تهتم بعملية ربط ما هو رقمي وحسابي من خلال نظريات وبراهين حسابية، فأي بحث ملم في هذه العلوم ينبغي عليه الاخذ بالاعتبار كل هذه البراهين المثبتة مسبقا ويدرسها خلال سنوات ليتخصص بها، لكن الحال يختلف مع الفلسفة، لانها تعيش مقارنات مثلا ان وظيفة اليد حمل الاشياء، والمعدة للهضم، والرجلين التحرك والانتقال، هكذا بالنسبة الى الفلسفة ،فهي تمثل فعالية العقل وغايته، فلو بقي الانسان بدون حركة، فهو يفقد قابلية الحركة وتشل رجله، هكذا بالنسبة الى العقل فيمكن أن يتحجر أن لم يُستخدم .. يقول الشاعر رعد زامل : (فأقول : يامن ألفتَ بين الذئاب والمصابيح …/لماذا تركتني غريبا/مثل مصباح أعمى/يتعثر في بيت الوجود؟)، ويبقى مسكونا بالاسئلة رغم انه ماكثا في بيت الوجود، يحاكم كل شيء وكل طرقه متاهات تفضي الى متاهات، لكنه يخاطبها : (كعادتي/مازلت ـ هناك ـ احمل لك كل مايفيض بالرحيق من الازهار والكلمات)، وهكذا يستمر في صراع وجودي يحمل فلسفته الخاصة، التي تحرك عقله باتجاه الحقيقة ..
ـ ديوان (اختلطت على بوصلتي الجهات) الشاعر رعد زامل/دار ومكتبة كريم ـ دار ومكتبة أوراق/ الطبعة الاولى 2018 م.























