أفندي من أيام زمان
من الظواهر التي شهدها العراق بعد التغيير الذي اعقب 2003 قيام الكثير من المثقفين بالكتابة عن أقاربهم، وعن انفسهم، فهناك من اعد واصدر كتبا عدة عن سيرته الشخصية، وهناك من كتب عن قبيلته وعشيرته وعائلته، وهناك من اهتم بطائفته والشخصيات البارزة التي تمثلها في مراحل تاريخية معينة، وهناك من كتب عن احداث مهمة ساهمت فيها عشيرته وقبيلته وعائلته، ومن كتب عن امارات ودول انشأتها هذه العشيرة والقبيلة، ولم تكن اغلب هذه التوجهات دالة على التعصب والنزوع الطائفي والعشائري، ولكنها لم تكتب وتصدر بمعزل عنه وتأثير منه، كما ان الكثير من الكتب التي عبرت عن هذا التوجه ارادت تعزيز مكانة الطائفية والعشيرة في الحياة السياسية والاجتماعية وشهدت هذه المرحلة صدور كتب ذات نزوع أخلاقي واجتماعي وطني، وذات وعي انساني، وهي تتناول شخصيات ذات قرابة مع المؤلف وللمؤلف علاقات وذكريات مع هذه الشخصيات ومن هذه الكتب كتاب (طبقة الافندية ودورها في بناء بغداد: تقي الحاج عبد البلداوي سيرته الاجتماعية والوطنية انموذجا مفكرات ووثائق) تأليف الأستاذ الدكتور عادل تقي البلداوي) وتقي الحاج عبد البلداوي الذي يتركز الكتاب على دراسته هو والد المؤلف عادل البلداوي المختص بالتاريخ الحديث والذي اصدر كتبا عدة عن تاريخ العراق والقضية الكردية وبعض الأحزاب العراقية واستاذه الدكتور كمال مظهر احمد، ويتألف الكتاب من الاهداء والمقدمة وفصلين، يتناول الفصل الأول: السيرة الاجتماعية لتقي الحاج عبد البلداوي من خلال ولادته ونسبه وبغداد واثرها على حياته الاجتماعية واثرها في تكوين فكره السياسي، ويتناول في الفصل الثاني السيرة العلمية والوظيفية لتقي الحاج عبد البلداوي متدرجا من السيرة العلمية الى السيرة الوظيفية والى وفاته. ويؤكد المؤلف في المقدمة ان الكتاب مؤلف خارج السياقات الاكاديمية (فقد جرت العادة في المؤسسات الاكاديمية ان تولي اهتماما كبيرا بدراسة المنتمين الى الطبقة العليا: ملوك، رؤساء، جمهوريات، رؤساء وزارات، وزراء، نواب، رجال دين، شيوخ عشائر بدون ان نهتم بدراسة المنتمين الى الطبقة الوسطى الا ما ندر، فهناك قصور واضح في دراساتنا الاكاديمية في دراسة المنتمين الى اهم طبقة ضمن الطبقة الوسطى، ونقصد بها طبقة الافندية على وجه التحديد التي كان لها دور لا يستهان به في بناء الدولة العراقية بتعبير ادق ان دراسة سيرة الموظفين الصغار تساعدنا كثيرا على فهم بواطن الأشياء التي قد لا نراها عندما ندرس الشخصيات الكبيرة، فكم من موظف بسيط يحمل اسرارا كثيرة عن فساد رئيس وزراء مثلا، اذا ما كان هذا الموظف البسيط يعمل محاسبا في قصر الرئيس، فهناك روايات كثيرة لذوي أصحاب المهن الصغيرة تحمل في طياتها مواطن الأشياءص79. ومع ان الكتاب كان بحاجة الى نبذة تاريخية عن الطبقة الوسطى ونشوء فئة الافندية داخلها، الا انه لم يتعامل معها بصيغة نظرية، وانما اعتمد الكثير من الوثائق التي تجعل منها شخصية نموذجية في جميع المهمات التي كلفت بها، وفي جميع ما اوكل اليها من وظائف والتزامات، وقد استطاع ان يتفرد بهذه الشخصية، ويتواصل معها، دون ان يعزلها عن المجتمع، ودون ان يجعل منها حالة نادرة وفريدة من نوعها، وقد ساعد على ذلك امتلاك المؤلف الكثير من المعلومات عن تقي الحاج عبد البلداوي، ولم يمتلك هذا الشخص من صفات حميدة ومن تأثير أخلاقي واجتماعي. ويرد المؤلف: (ان طبقة الافندية كانت تعيش صراعا امام مدرستين: هما المدرسة السياسية والمدرسة المهنية فاختارت الثانية لانها كانت مؤمنة ان المهنية افضل بكثير من الحزبية، بتعبير ادق ان تسيسي المهنية لم يضعف الدولة فحسب، بل تقلل وتضعف من هيبة الافندي، بهذا ظل تقي مستقل في مهنيته دون ان ينتمي الى هذا الحزب اوذاك، فكان موظفا مثاليا ومحط اعجاب وتقدير جميع مرؤوسيه وزملائه في الوظيفة ص (89) وهذا الوصف غير قابل للتعميم، فقد كان الحاج تقي نموذجا للموظف المهني الجيد، ولكن السياسة شهدت انغمار حشود من الطبقة الوسطى في التظاهرات وكانت تشكل الحجم الأكبر من جماهير الأحزاب السياسية، كما يمكن إضافة النزاع بين الريف والمدينة في تشكيل صفات وادوار الطبقة الوسطى. ان تقي الحاج عبد البلداوي لا يشكل نموذجا أخلاقيا واجتماعيا وطنيا في مرحلته، وفي أدائه الوظيفي وحسب وانما هو يمكن ان يقدم هذا النموذج في هذه المرحلة التي هي بحاجة ماسة الى امثاله من الوطنيين الشرفاء ومن المتميزين في العمل والأخلاق. ولم يكن هذا النموذج صنيعة نفسه، وحبه للوطن والعمل وخدمة الآخرين، وانما هو صنيعة التراث الأخلاقي لمجتمعه واسرته، وهو يؤكد لنا ان النماذج والامثلة الجيدة لا توجد في التراث فقط، وفي الشخصيات البارزة وظيفيا وسياسيا واجتماعيا، وانما يمكن ان توجد في بسطاء الناس، وفي الموظفين وغير الموظفين.
رزاق ابراهيم حسن























