أركانة الحمقاء ـ خديجة المسعودي

أركانة الحمقاء ـ خديجة المسعودي
مقوسة الظهر تجرني الريح نحوها. بحذر أجلس على حجرها اليابس وأتأمل نهودها الخضراءَ شامخةً تتفاخر أمام السمراء التي أسقطها الزمن عند قدميها. يسيجها سور مقبرة الرحمة ولا تؤنسها سوى أحجار كتبت عليها أسماء آدمية. أريجها يؤثر فى كل شيء من حولها. أتخيله يبعث أرواح الموتى فوق غصونها ويحلق بهم حيث يشاءون ولا يشاءون. مرة يضحكون ومرات يبكون. تختلس فروع الأركَانة النظر إلى ما وراء السور، وغالبا ما كانت تنسى مكان جذورها. أتحسس بأصابع شوهت الأيام شكلها وأبحث عن ذلك الوشم القديم. نقشناه في جذعها الغليظ زاعمين تخليده.
كل شيء فينا يهرب من كل شيء إليها، لنستند جذعها ونحتمي بظلها ثم نعد شوك أغصانها بعد أن يجد كلانا ضالته، سحر السكون والكثير من الراحة. ومن يجد أكثر عدد من الشوك يكون الدور عليه. متأكدين أن لا أحد سيزعجنا، لأن الخوف يسيطر على الجميع. الكل يهاب الموتى ونحن نهاب الأحياء. نهرب إلى شجرة الأركان دون مواعيد سابقة. إما أن أجده هناك وإما أن يجدني. محملة بقنينة ماء وخبز دُهن بالسمن والعسل، وذاكرة من الأحلام. ليلنا الطويل ينسج ساعات من الحكي تحت ظل الأركَانة، على طريقة روي الجدات للأحجيات، نُعوضُ الأحجار وما تحمله من أرواح و تراب وحبات أركان لم تنضج إلا لتسقط بجانبنا. حكايات ليل لن يسمعها غيرهم. عند نهاية حكينا غالبا ما كان يفترش التراب ويتوسد فخدي، يدندن ألحانا بمقام الصبا وأناملي نايات وهمية ترافق كلماته غير الكاملة بانسجام. يصمت بعض الوقت ويسألني شاردا
لم شجرة الأركان هذه يتيمة في هذه المقبرة؟
ربما تهرب من باقي الأركانات كما نهرب نحن من باقي البشر.
ترى من يعتني بها ويروي عطشها لتظل صامدة بهذه القوة وهذا الشموخ؟
ربما دموع الموتى.
ترى من سيأتي ليروي الحكايات لنا بعد أن ندفن هنا؟
ربما… لن ندفن كالجميع، لأننا لسنا كالجميع. ربما الأموات ليسوا كما نعتقد. ربما يعيشون حياة أخرى مختلفة لا أكثر. قد تكون أفضل من حياتنا هذه ويضحكون على حالنا بينما نحن نبكيهم.
على حِجر شجرة الأركان، يتكوم خوف كلانا من عالم الأحياء. نمتعض كلما اقترب وقت العودة، نتوسل الكواكب التوقف عن الدوران وأن تعفينا من ليل المستيقظين. لا شيء يتوقف، كل شيء يدور، الكل سائر، ونحن حيث نحن لا نريد أن نترك بعضنا، روحان متلاحمتان، عيون زادها لون الغسق سحرا وأصابع متشابكة. كل شيء يتلألأ حبا. متوسدين رأس بعضنا على جذع شجرة الأركان، سمعت حس أحدهم يقترب. نهضت بسرعة وأخرجت سكينا من سلة الخبز والتقطت أحجارا في يدي الأخرى. زاد اقتراب حس الغريب، ما إن لمحني حتى عدا هاربا يسمي الرحمان الرحيم ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم. لا أحد يحتضن حبنا دون لوم أو عتاب غير حِجر شجرة الأركَان، الكل يدعوها شجرة الموتى ونحن ندعوها شجرة الحب. التفت ببطء إليَّ وقال بنبرة حزينة
غابت الشمس، هل حان موعد رحيلك؟
ليس بعد، أريد أن أقضي معك المزيد من الوقت. لا أريد أن أتركك.
ضمني إليه بقوة وأنفاسه الحارة على رقبتي أشعلت لهيبا بداخلي، همس في أذني بهدوء
أعلم أنه حان وقت رحيلك ورحيلي، فهكذا يسرقنا الغروب من بعضنا. سأنتظرك غدا فلا تتأخري.
قد يسرقنا الغروب منا. لكن حب أرواحنا قوي صامد كشجرة الأركان هذه. سأنقش قلبي على جذعها ليؤنسك ليلا. وفي الصباح الباكر قبل أن تستيقظ سأكون هنا.
تناولت حجرا ورحت أرسم قلبي بحماس. أخذ حجرا هو الآخر وراح يرسم ويقول وهذا قلبي سيخلد هنا. استأنسي به ما لم تجديني.
حواسي المشوهة مازالت تبحث عن وشم الحب وبصري الضعيف يقاوم العمى. أدور حول جذع الأركانة مستندة عكازي والكثير من الذكريات. أمرر يدي فوق الجذع الخشن، وشم الحب مازال هاربا وحواسي لا تعرف اليأس. أتنهد بعمق بعدما حطت أصابعي عليه، ها قد عثرت عليه أخيرا. بدا الوشم باليا، مختلفا. كان قلبا واحدا لا شريك له. يرتعش العكاز وأهوي أرضا وكل الصور تتراقص أمامي.
AZP09