آخر النهايات تطرح نفسها في بداياتها.. المأساة السايكولوجية
كاظم السعيدي
يقول الفيلسوف الفرنسي ( جيل دولوز ) إن الاسلوب في الكتابة ينتجه الكاتب من داخل لغته ، فيكتب كالغريب في ارضه .. ورواية الكاتب ( راسم قاسم ) آخر النهايات الفائزة بالجائزة الاولى بالمسابقة الابداعية ، لدار الشؤون الثقافية العامة .. قد إتصفت بالغرابة وذلك لانه اول كاتب عراقي ، يكتب عن العمال بهذا المستوى من التلاحم الانساني النقي ، والمتجرد من المصلحة الشخصية .معتبراً المصلحة العامة مبدأ ساميا ًفوق كل الاشياء ..من خلال ما يؤمن به أبطال روايته من مبادىء ووضوح فكري واعٍ ..بالرغم من إختلافهم بوجهات النظر في الحياة .. فالمعاشو الميلوع / جزائري الجنسية ، وعثمان المرغني / سوداني الجنسية ..وجاد الحق ،وجابر البحيري ، هما من مصر العربية ..وأما الشخصية الخامسة ، هو / جسام العراقي ،الذي إتفق مع جابر البحيري ،أن يحملا إزدواجية الهوية ، ويتبادلان الجوازات ، تضحية من جابر لصديقه العراقي (جسام ) حيث بقي في الاردن .. متخفيا يحمل معاناة الخوف من المساءلة القانونية ..وقد حصل ابطال الرواية الاربعة على عقد عمل في المملكة العربية السعودية بمصنع للجلود ..وقد جعل الكاتب لغة روايته ..هي لغة الحوار .. المغمسة باللهجة العاميّة ، حيث أجاد لهجة كل بطل باتقان ، رغم إختلاف لهجاتهم الثلاث ،الجزائرية /السودانية / المصرية .. وبدأت معاناة أبطال الرواية ، الخائفون من المجهول و الهاربون من الماضي ، ويحلمون بالمستقبل المملوء بحياة الاستقرار .. وجسام العراقي كان مشدوداً لارضه وفي صراع دائم مع الحياة .. من أجل أمه وزوجته (غنده ) وولده ( عوده ) وظل يحلم ببناء عش له يضمّه وأحبته .. وبعد أن نجا من محرقة الموت ( الحرب ) سافر الى الاردن بحثاً عن عمل .. فلقد تعّود الفراق والابتعاد عن الاهل والاحبة .. وورد في ص 33.. لقد سافر وترك زوجته الشابّة..( غنده ) وهي على وشك الولادة ..( تقبع في طين الجنوب، حيث ترك كل ذكرياته ..) وراح جسام يحاور (غنده ) قبل سفره .. وهو مملوء بالحزن والقلق والخوف من المجهول ..وفي ص 38..يؤكد قوله عن الهم .. ( إستقبله الان همُ جديد هو المجهول والخوف من الفشل والسير في طرق مجهولة والصراع المرتقب مع موجة عاتيه قد تقهره ..) فعادت الذكرى بالبطل ( جسام ) وتذكّر (غنده )حيث وصلته رسالة منها . تخبره ُ بأنها رزقت بولد أسمتهُ (عوده ) وأمّا البطل الثاني .. هو جاد الحق .. الذي أتمَ العسكرية بعد إشتراكه في حرب إكتوبر عام (1973) ..فكان يشعر بالفخر والوطنية ، لانه من أبطال العبور الذين سطروا ملاحم التضحيات والبطولات .. لكن جاد ..بحث كثيرا عن عمل ليحقق أمله في الحياة ..بعيش رغيد يكفل له البقاء ..وفي ص 16.. يتشاءم ، جاد الحق ويُلحِدْ بل يكفر حينما يصف الخالق سبحانه وتعالى ..بالانشغال عن عباده بلا رحمه ولا يسامحهم ولا يعطف عليهم ..(يقول:..الرب ..لم يسامحنا ..ولم يرحمنا ،ولم يشملنا بعطفه. كان مشغولاً عنا بعوالم أخرى .. وحيوات بعيدة ..) وهذا بتقديري مأخذاً على الكاتب وتثبيته في الرواية بهذا الاسلوب دليل إلتقاء الافكار بين الكاتب ورؤى أبطال روايته الذي يؤمن بعضهم بالماركيسية والوجودية .. وفي ص43..راح جاد الحق يتذكر كيف تسلّقَ هو وجماعته المقاتلين ..خط بارليف (عام 1973 ) تسلّقوا جميعاً الجرف الشرقي للقناة .. تحت صيحات ..الله اكبر ..الله اكبر ..تحيا مصر ..وضاق الكون وأنعدمت الرؤيا وحلّ إحساس يخرج عن الارادة .. ولكن جاد الحق في أحيان كثيرة ،يحدّث نفسه ..وهو في العقد الخامس من العمر .. وكل هذه السنين مرّت منذُ الحرب ..( وأنت َ تنزف ُ عرقاً وتعباً وجوعاً وحرماناً ..فلقد عمل في كل الاعمال الشاقة ..الخ ..فتذكر زوجته ( بهانه ) حينما قالت : ..إن السلطه نسيت أبطال العبور في حرب اكتوبر ..وأهملتهم وسرقت تضحياتهم ..الله يسامحهم ..قائلة :..(جاد أنت رافع راس أهلك وأولادك ، يا خسارة ..البطولة مادامتش ..) نسوك بسرعة .(.أخذوا كل شيء وتركوكم تتعذبون وتشقون ..جاد يا حبيبي ..إعتمد على الله ..) ص46..وأمّا البطل الثالث ../هو المعاشو الميلوع ../ جزائري الجنسية .. وفي ص 59،60 ..أسهب الكاتب بمفردات الوصف لشباب عمال العرب .. عملوا في جني العنب بفرنسا ..كما ذكر الكاتب حرب التحرير الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي ..( حرب المليون شهيد ) وكذلك الارهاب الذي حرم العرب من الدخول الى أوروبا ..والفراغ والضياع الفكري ،الذي يمتاز به الشباب العربي .. وكما أفرد الكاتب دوراً للمرأة الامزونية ، حينما يصف (هيلدا ) التي هي سليلة مملكة النساء الامزونيا ت المنقرضة ، وهي تنظر الى البحر منتصبة على ساحله ..وهي تتصفح بعسلها زبدهُ ..وأمواجه التي لفظت ..(المعاشو الميلوع العربي ..) نادتهُ :..يا أبن البليدة .. كيف وصلتَ إلينا ..الى هذه الضفاف ..حيث ..” هيلدا ” وسنين الفراق ..(لمعاشوالميلوع) إبن مدينة البليدة الجزائرية .. وفي ص22..خاطبتهُ ..قائلة :..(لقد كنتَ هاجساً أقضَّ عليّ منامي ، كنتُ أراكَ في الليالي الشتائية الباردة ،اراك مع ندف الثلج ..الخ .) لقد وضّح الكاتب مدى القلق الدائم لهيلدا و معاناة فراقها لحبيبها ..(المعاشو) (أراك في فنجان قهوتي وأحسّكَ نفساً تشاطرني كل حياتي ..أيّها الغجري التائه ..) عندها يقف ..المعاشو ..يخاطب( هيلدا ) أيها القلق الاسطوري ..لم أشعر يوماً أنني بعدتُ عنكَ أو أنكَ إبتعدتَ عنّي ،وأنا أصارع خوفي الذي أصبح خبزَ يومي ،،وهوائي الذي أتنفسهُ .. وذكرَ البطل (المعاشو ) عن التغيير الذي طال حياته ،فابتعد عن (هيلدا ) عقد من الزمن ..وهو يصارع قيم الشرق وأرض المقدسات المزيفة ،التي رسمت لهُ العوالم المحنطة بالكره والصمت وبخور الالهة ،بعد أن إغتالتْ أرواحنا لتوقع بنا نحنُ الضعفاء ..لقد جسّد الكاتب إرهاصاته ومعاناته من القيم ( بحيث لا تعطي للفرد حريته باختيار حركته وحبّه وكرهه ،وهي التي تطعمنا من طعامها المزيف ..لقد تخلّصتُ منها ..( يا هيلدا ) مخاطباً إيّاها في ص 22..قائلاً:..(وجئتُ لكي أُعانقكِ عناقاً ابدياً سوف يبهر كل حواس الكون ..) حيث كان البطل يشعر بالندم لعدم بقائه هناك في فرنسا ..إبن البليدة يضربُ رأسه ُبالجدار ..كلما لعبت الخمر به ِ..وتذكرهُ تلك الايام الخوالي وغلطته ُالتي لم يغفرها لنفسهِ مطلقاً ..بعدم بقائه ِ هناك الى الابد ..فتبدد حلمهُ ..ولم يبقَ لديه..إلاّ سرد الذكريات العالقة في زوايا الرأس ..وفي ص64،65.كانت صورة البطلة تطارد مخيلتهِ ..(كالفراشة الملونة ،تحطُّ هنا وهناك بين الاذرع المنفلته ..وعندما إلتقت عيناهُ بعينيها،أبرقَ شيءٌ بداخلهِ، أحسّ لاول مرةٍ أمام َ إمرأةٍ تهزُّ كلَّ شيءٍ فيهِ ..) هكذا وجد البطل (هيلدا ) وكذلك هي وجدتهُ هكذا ..فأحبتْ شعرهُ الفاحم ْ وصلابة عودهِ ،كما أحبّتْ فيه غيرةَ وأنانية الشرقي وحبهِ للاستحواذ على قلب إمرأةٍ ..وعند لقائهِ بها في الليلة الاولى ..أحسّتْ أنها أمام رجل من رجال الملاحم الاغريقية ..وعند اللقاء الجسدي للبطلين ..طرحت هيلدا ..فكرة ذهابه معها الى السويد للعيش هناك ..لكنه شعر بتلك اللحظة امام إختيار صعب بين الذهاب مع الغادة الجميلة أو الرجوع الى احضان أمه ووطنه ..فقرر العودة للوطن ..وبعدها شرب الندم ..لذلك عاد اليها ثانيةً ..معتليا أمواج البحر ..وأمّا البطل الرابع : هو(عثمان المرغني سوداني الجنسية ) كان ماركسيا فلقد آمن بفكرٍ إستولى على عقلهِ ،وصار هو طريقه الوحيد في الحياة ..فلقد إستشهد والدهُ في ثورة الشيوعيين في السودان بقيادة المفكر عبدالخالق محجوب ..وفشلتْ الثورة ..وظلَّ ..( عثمان المرغني ) يحمل الفكر ويحلم بتحقيقه على ارض الواقع ..ص 215..وورث البطل “عثمان “المعاناة وبدأ يلاقي نفس مصير والده ِ في بلدهِ ..وتذهب كل طموحاته سدىً..ص217..وبعد محاورة صاحب المصنع ..(الشيخ عبد الله ) أمام العمال حيث أغاظ صاحب المصنع وأفحمهُ..لان “عثمان” كان ممتلئاً بثقافة إشتراكية واعية جداً ..، عندها نصحوهُ أصدقاءه ،بعدم التهور..وإشعال فتيل ثورةعمال المصنع ..فسوف تثبت عليك التهمة ..بكل الاحوال.وهروبك بلا جواز سفر..يجعلك مقيدا .لا تستطيع الخروج من المملكة ..ولقدأكد الكاتب ..أن السائق..(فادي ) لم يستجيب لرغبات “الشيخ
عبدالله المنحرف أخلاقياً ” ص 187 ويذكرأنهُ “صار فادي” هو الهدف المرغوب ،لا يعرف كيف يصل إليه ..ويجعله من ضمن محتوياته ..” ذلك الفتى الاشقر النافر ، مثل غزال فوق سراب صحراوي .. وفي ص 220..تأكد تعلق (صاحب المصنع ) بفادي ..وهو يحدث نفسه ..( أيها الفادي العنيد أما آن الاوان لتشعر بمعاناتي وسهر الليالي ،وتشتت أفكاري ..) أُقسم ُ بالجمال ساهبك كل ما تريد وسأجعلك الامر والناهي في البيت والمصنع ..فلقد هام ألشيخ عبدالله بـ.. ( سائقه ) فادي السوري الاصل ..الشاب الاشقر الوسيم ، ويحلم بمضاجعته .. ولقد ابدع الكاتب .. حينما جعل ..( الشيخ عبدالله ) وزوجته الشابة ( عبير ) يتلعقان بالشاب الاشقر الوسيم ..(فادي ) وكما ورد في ص 193.. (كل ُّ يريد أن يحقق مبتغاهُ الذاتي ) وفي غمرة حادثة (الشيخ عبدالله ) ومحاولة فادي سائقه .. لقتله . دفاعاً عن شرفه ، ومن ثمَّ سرقة أمواله .. حصل موت العمال الاربعة جرّاء َ ما لفظتهُ الماكنة التي تشفط الفضلات القذرة ..ومن خلال عطلها المتكرر..راحت تقذف الفضلات ، بدلاً من شفطها ..فانحصر العمال داخل القبو بعد ما تدفقت ْعليهم الفضلات .. فاسكتت نبض حياتهم .. بعد ما كانوا متفائلين، يحدوهم الامل بلقاء أهلهم وأحبتهم وذويهم .. لكن القدرقد سبقهم وقادهم للعدم ..ولقد كان الكاتب موفقاً في القدرة على رسم نهايات مدهشة ،مع سرد يستوفي تفاصيل تضعنا في الموقع ، حيث ظلَّ ممسكاً بالخيط السردي لكل شخصية باتقان ، لندرك إمتداد الحالة النفسية لاْبطال الرواية .. ونحس بالمشهد والمفارقات المترتبة عليه ..كما حصل لابطال الرواية ..حيث جمعتهم الصدفة ورسم لهم القدر نهاية واحدة هو العدم ..والبطل الخامس هو جابر البحيري ، الذي إتخذ من الاردن .. مكانً للتخفي والانتظار ..العقيم المملوء بصراعات نفسية ،امل ، وخوف ، وقلق مرير من المساءلة القانونية .. كما جعل الكاتب .. قصة .. ( عبير ، فادي ) لعبة الحب العابثة .. فالرواية قائمة على مبدأ الشك واليقين .. مما جعل بالكاتب يختار إسلوب الحوار في كتابتها .. مبنية على إسترجاعات الماضي ليتصل بالحاضر ،رغم موت الماضي .. معتمداً على إسلوب الاستطراد، المكثف بعيداً عن الاختصار .. كما نجح الكاتب في ربط الاحداث ، ولعبة إزدواجية الادوار لبعض شخصيات روايته .. وجعلها مرتبطة بتكوين التربية والمجتمع ..حيث ذكر الكاتب المجتمع الشرقي ..في ص 262 .. بقيمه وعرفه الاجتماعي ، وعاداته المتخلفة وموقفه من الدين .. وكيفية حصول الازدواجية للفرد العربي ، من حيث الخيانة والغدر والوقيعة ،هي من سمات المجتمعات العربية ، لانها تحمل إزدواجية في التربية والتكوين . وشخصيات الرواية مملوءة بالوطنية العالية ، وحب الشعب .. والرواية زاخرة .. بإزدواجية المواقف الايجابية والسلبية .. فلقد كانت إزدواجية هوية ..( جسام العراقي ، البحيري ) في قمة الانسانية والتضحية للاخرين .. لكن إزدواجية الرغبات للاستحواذ على السائق (فادي ) هي الرذيلة والخيانة من كل الاطراف التي إشتركت بصياغتها .. وكذلك إزدواجية ( العنود ) زوجة الشيخ (ابو صقر ) هي الخيانة للصداقة والخديعة ، والايقاع بـ.. (عبير ) للاطاحة بحياتها .. وأخيراً..لقد وفق الكاتب ..في جعل نهاية السائق ( فادي ) مجهولة النتيجة ..حيث ظل الشيخ عبد الله ..يسبح في الانتظار العقيم ،للانتقام من ( فادي) كذلك ظلَّ أحبة أبطال الرواية ، وامهاتهم وزوجاتهم يعانقن آمالاً يائسة ..تمنياتي للكاتب بعطاء ثرّ ..يرفد الساحة الثقافية بجهد ثقافي جديد ..























