
سعدالله الفتحي
ملخص
وقعت وزارة النفط مؤخرا عقدا مع شركة يابانية بقيمة 3.8 مليار دولار لتطوير مصفى البصرة بانشاء مجمع لتحويل زيت الوقود الفائض الى منتجات خفيفة كالغازولين وزيت الغاز وتقليل الحاجة للاستيراد. المشروع بطلقة 35 الف برميل باليوم بالنسبة لوحدة التكسير FCC. وعلى اهمية المشروع وكونه نقلة نوعية معقدة في تكنولوجيا المصافي العراقية الا ان الكلفة وما اثير في اعلام الوزارة والشركة عن معالم المشروع تدعوا الى التأمل. التحليل ادناه يجد الكلفة المعقولة للمشروع لا تزيد عن 1.4 مليار دولار مقارنة بمشاريع تكرير منجزة في العراق وبالنظر الى مشاريع ذات طاقات عالية ومعقدة في الكويت والسعودية.
كنت قد توقفت منذ سنتين تقريبا عن الكتابة والتعليق بخصوص النفط وصناعة الغاز وخاصة ما يتعلق بالعراق حيث ان كتابات كل الخبراء العراقيين منذ الاحتلال ولحد الان ذهبت ادراج الرياح ولم يعيرها احد اي اهتمام. لكن بعض الأصدقاء سألوني رأيي في مسألة احالة مشروع تطوير مصفى البصرة بما في ذلك وحدة التكسير بالعامل المساعد (FCC) . وكان السؤال بالدرجة الرئيسية ينصب حول كلفة المشروع التي ذكر مدير عام شركة مصافي الجنوب انها تخمينية تصل الى اربعة مليارات دولار وان مدة التنفيذ اربعة سنوات من بداية العام القادم كما ورد في بيان المكتب الاعلامي في وزارة النفط الذي ذكر ايضا ان المشروع سيخلق 7000 فرصة عمل مباشرة و 70000 فرصة خلال فترة الانشاء.
دون وجود تفاصيل في بيانات وزارة النفط عن هيكلة المشروع ووحداته الانتاجية والخدمية من الصعب ابداء رأي بالكلفة التي تبدوا عالية بالتأكيد وان مدة الانجاز طويلة ناهيك عن ان فرص العمل الدائمة والوقتية خارج كل السياقات والخبرة المتعارف عليها. وللعلم فان هذا المشروع مطروح ضمن القرض الياباني منذ 2004 وليس من الواضح لماذا استمرت المناقشات حوله كل هذا الوقت وخاصة ان وزارة النفط اعتبرته مهما ويؤدي الى تقليل استيراداتها المكلفة من المنتجات الخفيفة التي يتطلبها سوق المنتجات النفطية في العراق.
لكن شركة JGC نشرت بعض التفاصيل التي تتيح امكانية القاء مزيد من الملاحظات حول المشروع وكما يلي:
1. روجت وزارة النفط ان المشروع بطاقة 55 الف برميل باليوم (أب/ي) وهذا خطأ حيث ان طاقة المشروع تقاس بطاقة وحدة التكسير البالغة 34.5 أب/ي فقط وان طاقة وحدة التكرير الفراغي المنتجة للمادة المغذية لوحدة التكسير هي 55 أب/ي.
2.ليس من الواضح اذا كانت وحدة هدرجة زيت الغاز بطاقة 40 أب/ي هي لهدرجة زيت الغاز الفراغي المغذي لوحدة التكسير ام هي لهدرجة زيت الغاز الاعتيادي الناتج في عموم المصفى وهو الاغلب. الأفضل برأيي ان يكون هدرجة زيت الغاز الفراغي هو المهدرج لنضمن انخفاض المحتوى الكبريتي لكل من الغازولين وزيت الغاز المنتجين في وحدة التكسير وان معالجة زيت الغاز الاعتيادي في بقية المصفى مطلوبة بالتأكيد كاضافة لهذا المشروع الذي نحن بصدده.
3.هناك فروقات كبيرة في بيانات الوزارة وشركة مصافي الجنوب من جهة وبيانات شركة من جهة اخرى. فبالنسبة للانتاج تقول مصافي الجنوب ان انتاج الغازولين في عموم المصفى سيزداد 4200 متر مكعب باليوم (م م/ي) بينما الشركة تقول 3000 م م/ي. اما بالنسبة لزيت الغاز فالبصرة تقول ان الزيادة 1200 م م/ي بينما الشركة تقول 5700 م م/ي. وربما تكون هذه الاختلافات ناجمة عن الخلط بين انتاج المجمع الجديد و انتاج اصل المصفى.
4.اما مسألة العمالة فلا من صاحب خبرة يعرف ما يتحدث عنه الطرفان. فالبصرة تقول ان عدد الوظائف التي يحتاحها المشروع عند الانشاء 77 الف بينما تقول الشركة سبعة الاف. اما الوظائف الدائمية فتقول البصرة سبعة الاف بينما الشركة تقول الفين. ولا داعي للتأكيد بان كل هذه الارقام مبالغ فيها الى حد يفقدها اية مصداقية. اذ لا عهد لنا بهكذا اعداد حتى في مشاريع تكرير اكبر من هذا المشروع بكثير. والمعلوم ان صناعة التكرير تتطلب وضائف بمستويات فنية عالية نسبيا ولكنها ليست مجالا لتوظيف اعداد كبيرة. وبرأيي المتواضع فان اعداد الوظائف الدائمية التي يتطلبها المشروع قد لايتجاوز 400 شخص وخاصة ان المشروع يقام في مصفى كبير عامر بالفنيين والمهندسين والاداريين.
هذه النقاط تحتاج كلها الى توضيح ولكنها لا تؤثر على كون المشروع بالغ الاهمية وانه مهما كانت التغييرات او التحسينات التي يمكن ان نضيفها عليه فانه يبقى خطوة مهمة وقفزة الى الاعلى بالنسبة لتكنولوجيا مصافي العراق الى اليوم. هذا الحماس للمشروع يجعلنا ننتقد بشدة التأخر بالتوصل الى قرار احالته وفي نفس الوقت يدعونا للنظر بكلفته المعلنة التي تحتاج برأينا الى التوقف عندها فهي عالية جدا بجميع المقاييس حتى لو اعتمدنا الرقم المعلن من الشركة اليابانية JGC والبالغ 400 مليار ين اي مايعادل 3.8 مليار دولار بينما مصافي البصرة اعلنت عن كلفة 4 مليار دولار تقريبا.
ليس عندنا مشروع مماثل قريب العهد لنتمكن من مقارنة اسعار الاحالة لذا سنلجأ الى المقارنة بمشروع تكرير معروف مع الاخذ بنظر الاعتبار الفرق الناجم عن درجة التعقيد التي تقاس بمقارنتها بتعقيد وحدة التكرير الجوي المساوية لواحد بينما وحدة التكرير الفراغي اثنين وهدرجة زيت الغاز ثلاثة و وحدة التكسير 7.2 كونها معقدة جدا بالمقارنة. لذا لو كانت الكلفة الرأسمالية لانشاء وحدة تكرير بطاقة 70 أب/ي 100 مليون دولار فان كلفة وحدة تكسير بنفس السعة ستكون 720 مليون دولار وهكذا.
يوضح الجدول حسابات التعقيد لمشروع تطوير مصفى البصرة والذي يتبين منه ان المشروع قيد البحث في تعقيد يساوي 6.8343 (سنقربها الى 7) مقارنة بمعامل تعقيد وحدة تكرير جوي بطاقة 70 أب/ي. اي ان كلفة وحدات المشروع ستكون مساوية سبعة مرات لكلفة وحدة تكرير جوي بطاقة 70 أب/ي.
في 2009 انشأت شركة جيكية في مصفى الدورة وحدة تكرير جوي بطاقة 70 أب/ي بكلفة 54 مليون دولار دون الاعمال المدنية التي قامت بها شركة عراقية بكلفة 2 مليون دولار وان هناك كلف بسيطة اخرى ربما لم تصل الى مليون دولار لربط الوحدة الجديدة بعموم المصفى والاستفادة من كافة الخدمات والخزانات المتوفرة اصلا. وبافتراض معدل تضخم سنوي 3% من 2009 الى 2020 (12 سنة) فان التضخم الكلي 43% تقريبا اي ان مشروع الدورة لو انشأ اليوم لكلف 81.3 مليون دولار. وعلى هذا الاساس ستكون كلفة وحدات مشروع تطوير مصفى البصرة 569.1 مليون دولار (81.3*7).
ولنفترض ان المشروع في البصرة لم يستفد ابدا من اية خدمات وخزانات وشبكة ارتباطات قائمة اصلا لذا يجب اضافة هذه الكلف الى كلفة الوحدات اعلاه. ان كلفة الوحدات الانتاجية في مشاريع التكرير تقدر 40 الى 45% من كلفة المشروع الكلية وان كلفة الخدمات والخزانات وغيرها تقدر 55 الى 60% من الكلفة الكلية. ولنفترض هنا ان الوحدات 40% وان الاخرى 60% لنضمن اعلى تقدير. فعلى هذا الاساس تكون كلفة مشروع تطوير مصفى البصرة 1.423 مليار دولار مقارنة بسعر الاحالة 3.8 مليار دولار.
في السنوات الخمس الماضية قامت الكويت باحالة مصفى الزور بطاقة 615 أب/ي وبدرجة تعقيد عالية بكلفة 16 مليار دولار بما في ذلك مستودعا كبيرا ومرفأ لتصدير المنتجات وخطوط انابيب ترتبط بالمصفى. وفي السعودية كلف مصفى في ينبع بالمشاركة مع ساينوبيك الصينية واخر في جبيل بالمشاركة مع توتال الفرنسية وكل منهما بطاقة 400 أب/ي ودرجة تعقيد عالية بكلفة 10 مليار دولار لكل منهما. فأين هذه الكلف من كلفة مشروع تطوير مصفى البصرة متواضع الطاقة بالمقارنة حتى لو كان بنفس التعقيد؟
هل يمكن ان تكون هذه التقديرات على خطأ بمقدار 167%؟ ابدا. ولو كانت كذلك سأكون ممتنا للتصحيح من اي جهة كانت.
*رئيس المؤسسة العامة لتصفية النفط وصناعة الغاز 1980-1986 . رئيس دائرة دراسات الطاقة في سكرتارية (اوبك) 1986-1994 . والخبير في وزارة النفط لغاية 2002.
























