
قتيبة الحميد
في قلب كركوك، بين ألوان الخزف واللوحات التشكيلية، تتجلى مسيرة فنان لم يكتفِ برسم الأشكال، بل رسم الحياة بروح إنسانية راقية. إنه الفنان التشكيلي غسان ناجي حسن، المعروف فنياً باسم غسان ال سعيد، الذي ترك بصمة واضحة في الفن التشكيلي العراقي من خلال أعماله وعطائه التربوي والثقافي الممتد لعقود.
وُلد غسان في ١٧ يونيو ١٩٤٨، وأظهر شفغاً بالفن منذ الصغر، فاختار دراسة الإبداع الفني، وحصل على دبلوم معهد الفنون الجميلة في بغداد، ثم نال شهادة البكالوريوس من كلية الفنون الجميلة – قسم الفنون التشكيلية عام ١٩٧٦، لتبدأ رحلة طويلة لم تقتصرعلى الرسم، بل امتدت لبناء أجيال من الفنانين الشباب.
عمل غسان مدرساً في معاهد الفنون الجميلة في كركوك، ثم واصل كمسؤول ومشرف تربوي في قسم النشاط المدرسي، مساهماً في اكتشاف ورعاية المواهب، وشغل مناصب قيادية مثل إدارة مركز الرعاية العلمية، ومركز الأندلس الثقافي، ومركز حي البعث، وإدارة مركز الأشغال اليدوية، مؤثراً بذلك في النشاط الثقافي والفني في المدينة. وكان من أبرز إنجازاته تأسيس مركز الندى للخزافين مع زوجته الفنانة التشكيلية ندى عسكر، ليكون مساحة لدعم فن الخزف وتشجيع المبدعين، إلى جانب كونه عضواً مؤسساً لجمعية التشكيليين العراقيين – فرع كركوك، وعضواً في نقابة الفنانين العراقيين، ما يعكس حضوره الفاعل في الوسط الفني.
على الصعيد الفني، أقام غسان أحد عشر معرضاً شخصياً بين عامي ١٩٧٨ و٢٠١٥ في بغداد وكركوك والموصل والنجف والسليمانية وأربيل، وشارك في مهرجانات محلية مثل مهرجان بابل الدولي ١٩٩٩، ومهرجان الواسطي الدولي ٢٠١٠، وفعاليات بغداد عاصمة الثقافة العربية ٢٠١٣، بالإضافة إلى مشاركاته المستمرة في معارض وزارة التربية.

وعلى المستوى الدولي، عرض أعماله في الأردن وسوريا وتركيا وإيران ولبنان، ليكون سفيراً للفن العراقي، وحصد خلال مسيرته العديد من الجوائز والشهادات التقديرية من وزارة الثقافة ووزارة التربية.
بحسب زوجته الفنانة التشكيلية ندى عسكر، لم يكن غسان يكتفي برسم اللوحات، بل رسم حياته بروح إنسانية صادقة، بسيطة ومحبّة للحياة، وكانت إنسانيته متجسدة في أعماله، فامتزجت أخلاقه بألوانه لتعكس روحه. كما كان شريكاً مخلصاً في الحياة الزوجية وأباً حنوناً، زرع في أولاده حب الجمال والدهشة وشاركهم الاكتشاف والخيال، ليخلق معهم عالماً مليئاً بالدفء الفني والإنساني. وأشار صديقه الأستاذ الموسوعي توفيق العطار إلى تواضعه وابتسامته الدائمة، مؤكداً أن أعماله جسدت التزامه الفني وحرصه على إبراز أدق تفاصيل الإنسان، وألهمت الشباب على التحرر من القيود وتجربة الإبداع والمغامرة، بينما وصفه صديقه الأستاذ الأديب والمسرحي محمد خضر الحمداني بأنه عاشق لفن السيراميك، قدم اعمالاً مهمة تخلد ذاكرة كركوك وتراثها وفلكورها بأسلوب حديث، وكان نموذجاً حياً للفنان الذي يطور أدواته ويبحث عن صوته الخاص باستمرار.
غسان ال سعيد لم يكن مجرد فنان يرسم لوحاته، بل كان صاحب رسالة إنسانية وثقافية عميقة، آمن بأن الفن وسيلة لبناء الإنسان، فجمع بين الإبداع والتعليم والعمل الثقافي في مسيرة واحدة، تاركاً إرثاً ممتداً في أعماله وفي كل من تتلمذ على يديه، وفي كل مساحة ثقافية ساهم في بنائها، مؤكداً أن الفن الحقيقي لا ينتهي، بل يعيش في الذاكرة ويستمر عبر الأجيال. وقد توفي في ١٦ أبريل ٢٠٢٤، تاركاً إرثاً فنياً وإنسانياً يستمر في إلهام الأجيال، مع زوجته ندى عسكر وثلاثة أولاد: عبد الرحمن، وآية، وتبارك.
المصدر: لقاء مع زوجته الفنانة التشكيلية ندى عسكر، وصديقه الأستاذ الموسوعي توفيق العطار، وصديقه الأستاذ الأديب والمسرحي محمد خضر الحمداني.

















