
الرئيس وضوح الموقف – جاسم مراد
كان منذ زمن السيد برهم صالح يتسم بوضوح الرأي وشمولية الانتماء ، فهو كردي الولادة ، لكنه عراقي الانتماء ، وطني الحضور ، تميز عن غيره ، عابراً لخنادق العرقية والطائفية ، شاملاً في وعيه السياسي وفي انتماءه العراقي . كنا في زمن مضى نتابع علاقات وتحالفات المرحوم جلال الطالباني مع الحركات العروبية العراقية والعربية ، فكانت اكثر رصانة ووضوحا ، فاستمرت وتطورت وتجذرت في الكثير من المحطات . ويبد و إن صالح الذي ينتمي لهذه المدرسة قد كسب رضا ومحبة العراقيين ، عندما كان خارج السلطة أو وهو في السلطة .
في اللقاء الحواري لملتقى بحر العلوم ، كان رئيس الجمهورية برهم صالح واضحا دقيقا في الإجابة على بعض القضايا المفصلية التي تهم النخب الوطنية والإعلامية والمجتمع العراقي ، فهو قد أشار الى إن تجربة ال 18عاما لم تستجيب لتطلعات الانسان ، وان المرحلة المقبلة يجب التوكيد على مخرجات النظام الوطني والدولة القوية الرصينة دون قيمومة من أحد ولا وصايا من الاخرين ، وأن المهم هو المواطن ومصالح الوطن .
لم يستثني السيد صالح أزمة البلد واسبابها وظروف تداعياتها ، وركز على أهمية الخلاص من كل تلك التداعيات والاخفاقات بضرورة النظام الوطني ، وان الانتخابات القادمة يجب أن تكون شفافة نزيهة معبرة عن اختيارات المواطن ، فالانتخابات التي سبقت ليست معبرة عن الإرادة الشعبية فقد أصابتها اختراقات ليست نزيهة .
ثم تطرق الى الدستور مبينا بأنه ليس وثيقة مقدسة ، فلابد من اجراء تغييرات لبعض البنود بما ينسجم ومصالح وتطلعات الشعب ، موضحا بأن رئاسة الجمهورية اختارت مجموعات من الخبراء والاكاديميين والقضاة ، وجميعهم مستقلون لاينتمون لأي جهة سياسية بغية الخروج بصيغة ترضي كل الأطراف .
المهم بما تقدم إن الإشارات التي أرسلها رئيس الجمهورية لم يسبقه أحد من قادة الكتل والأحزاب ، اللهم إلا التجمع الذي نظمه السيد عمار الحكيم لمناسبة سنة استشهاد الحكيم في النجف وحضره رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان ، واكد الجميع على فشل الحكم نتيجة توزيع السلطات على أساس طائفي وعرقي وحصصي . وأن تجربة مثل هكذا نظام قد استنفذت امكانياتها ولم تعد صالحة للعراق ، وان العراق بحاجة ماسة الى نظام وطني معبر عن الإرادة الشعبية وتحقيق مصالح الناس في البنى التحتية وفي تحقيق الإنجازات الاقتصادية والزراعية والتنموية والاستثمارية ، وهذا لن يتحقق إلا بنظام وطني ودولة قوية .
والان يأتي من جديد السيد رئيس الجمهورية ليلقي الضوء في حوار ملتقى بحر العلوم ونتمنى أن يستمر هذا الملتقى دون تدخلات الاخرين ، يرسم وجهة النظام الجديد البديل للنظام القائم المبني على التوزيعات الطائفية والعرقية والمصالح الذاتية للقوى السياسية والأحزاب الحاكمة لهذا البلد .
بالتأكيد كما أوضح صالح بأن العراق تعرض لأسواء مراحل التدمير منذ اكثر من 60عاما وقدم شعبه خيرت ابناءه ، وهذا مالم يحصل في أي منظومة دولية ، وإذا ما حصل لأي دولة مثلما حصل للعراق من حروب وإرهاب وحصارات اقتصادية لتشظت تلك الدولة .
العراق دولة محورية ليس في المنظومة العربية والشرق أوسطية فحسب ، وإنما في العالم ، وهذه الدولة العراقية لا تستقيم إلا بدولة وسلطة قوية تحارب الفساد فعليا وتكشف عن منظومته الخطيرة ، وتمنع نهائيا أي جهة مسلحة خارج منظومة الدولة .
هذه القضايا التي طرحها رئيس الجمهورية ، هي تلتقي بالضرورة بالرغبة الشعبية التي عبر عنها ثوار تشرين وقدموا المئات من الشهداء والجرحى .
العراق بحاجة مثل هذا الموقف ، وبحاجة اكثر الى نظام جديد مبني على الوطنية العراقية وصدقية الانتماء لهذا الوطن .

















