العراقيون وندامة الكُسعي لا نزال نائمين

العراقيون وندامة الكُسعي لا نزال نائمين

لو فتشنا بين بطون الكتب التي تحدثت عن تاريخ العراق وحكامه لانتابتنا الحيرة والذهول والتساؤل ما لبلدنا افتقر دوماً لحاكم يضع نصب عينيه بلده وشعبه قبل ذاته ، هناك من يقول أن السبب هو ضراوة الحصول على السلطة والحكم والجاه لذا كان التفرد والتسلط والوحدانية في الحكم ، ولكن في عراق اليوم لم يجد الحاكمون ضراوةً في الحصول على السلطة بل سلمت لهم على طبق من ذهب من قبلنا نحن المواطنون الذين تم استغفالنا واستمالتنا بدغدغة مشاعرنا المذهبية والمناطقية ولم نع ذلك الا بعد حفنة من السنين قضيناها (بالآه والونة) كما تقول بعض أغانينا العراقية المجبولة بالحزن فعضضنا أصابعنا من الندم كندامة الكسعي ذلك الاعرابي الذي كان يهوى صيد الظباء ، وإذ رغب في التفوق على منافسيه في الصيد ، فقد خطط لاقتناء قوس ما عرفت العرب مثل قوته ومرونته .وكان أن حمل ذلك الأعرابي فسيلة فتية من نبتة نفيسة ونادرة سيكون للعود المستخرج من ساقها بعد حين شأن عظيم في صنع أقوى قوس وأمضى سهم سيعرفه العربان .ومضى الأعرابي في الصحراء حتى عثر على شق عميق في صخرة صماء قاسية ، فغمر ذلك الشق بالتراب وزرع فيه تلك الفسيلة وأخذ ينقل لها الماء براحتيه كل يوم ليرويها ويمضي ساعات النهار بجانبها لحراستها من الحيوانات السائبة أو عبث العابرين .وبعد شهور من الحراسة والرعاية والاهتمام المتواصل ، فقد شبّ العود وبات جاهزا للقطع والتحضير ليصبح اسمه بعد اليوم ” قوس الكُسَعي “وما إن تم تجهيز القوس وسهامه من ذلك العود النادر حتى تنفس الكُسَعي الصعداء ومضى يحث الخطى في أول رحلة للصيد برفقة قوسه الجديد وسهامه الحادة .. غربت الشمس وحل الظلام والأعرابي يختبئ خلف جذع نخلة باسقة بانتظار الصيد الموعود ، وما خذله أمله إذ سمع وقع حوافر الظباء تعدو بالقرب منه وها هي أشباحها تتراقص أمام ناظريه بين الأفق الفضي وظلام الصحراء ، هتف الأعرابي فرحا : هذا يومك يا كُسَعي ، وأطلق سهمه الأول نحو واحد من الظباء ، يا إلهي !! صاح الكُسَعي ، لقد اصطدم السهم بالصخر وتطاير الشرر الناري أمام عينيه ، عليك بالثانية يا كُسَعي ، وأطلقها ، ربّاه !! حتى الثانية ما أصابت فريستها !! فقد ارتطم السهم الثاني بالصخر وتطاير منه الشرر أيضا !! وحاول بالثالثة والنتيجة كانت هي ذاتها أدار الكسعي ظهره بتثاقل اليائس الحزين وأسند ظهره المتعَب إلى جذع النخلة وألم الخذلان يمزقه.نظر إلى قوسه نظرة الحاقد وقال : لماذا خيّبت أملي أيها القوس اللعين ، لقد أتيت ببذرتك من أقاصي البلاد وزرعتك في شق صخرة صماء وأرضعتك زلال الماء بكفيّ هاتين وسهرت على حمايتك ورعايتك حتى تنمو وأجني ثمرة جهودي معك ، فما كنتَ إلا خائن العهد عديم الوفاء ، فإلى الجحيم أيها الغادر اللئيم ،، إلى الجحيم .. قالها الكُسَعي وهو يحطِّم قوسه ويكسِّر سهامه ، واستسلم للنوم من شدة الحسرة والألم .. ومع إشراقه الشمس وإطلالة خيوطها الذهبية .. استيقظ الأعرابي يفرك عينيه .. ثم حانت منه التفاتة نحو الجهة الخلفية للنخلة .. ربّاه !! ما هذا ؟؟ واحد .. اثنان.. ثلاثة.. !! ثلاثة ظباء صرعى على الأرض !! اقترب منها وأخذ يفرك عينيه بشدة لعله يستوضح الأمر، ثم صرخ بأعلى صوته: إلهي !! كم كنتُ عَجولا أعمى البصر والبصيرة !! لقد اخترقت السهام الحادة بطون الظباء الثلاثة من جهة لتخرج من الجهة الثانية وترتطم بالصخر الأصم قادحة شررا تطاير في كل جهة بما أوحت للكُسَعي بأن السهام أخطأت الظباء وأصابت الصخر .وتداعى جسد الأعرابي وسقط أرضا فما عادت ساقاه تطيقان حمله ، ثم أخذ ينوح ويبكي لاعنا حظه العاثر ، ومن شدة ندمه على تحطيم قوسه أخذ يعض أصابعه ندما معاقبا إياها على سرعة حكمها على القوس دون تبصر وحكمة وروية حتى سالت منها الدماء وجُبلت برمال الصحراء .

ومنذ ذلك الحين ، يقول الأعراب : لقد ندم فلان ندامة الكُسَعي وأصبحت مثلا،، حتى أن الشاعر الفرزدق عندما طلق زوجته وحبيبته (النوار) قال فيها شعراً تمثل فيه ندامة الكسعي حيث أنشد (( ندمت ندامة الكسعي لما ***** غدت مني مطلقة نوار )) اليوم نحن العراقيون نادمون أكثر من ندامة الكسعي وندامة الفرزدق لأننا كنا عجولين وكنا عميان البصر والبصيرة فقد سلمنا لحانا بيد من لم يضحك عليها ويستغفلها فقط بل بصق عليها ، ولا نزال نادمين ونائمين.

حامد كامل الموسوي –  كربلاء