السرد والكتاب لمحمد خضيريخرج من مشغل تحت 45 درجة مئوية
الكتابة عن السرد من أعماق تجاربه
طلال سالم الحديثي
أهمية هذا الكتاب تنبع من زاويتين أولهما أن مؤلفه محمد خضير قاص فنه محكم، وكاتب مثقف متأن لا يركض وراء الأضواء ولا يطلب الشهرة، وثانيهما أنه يكتب في السرد الموضوع اللصيق بفنه القصصي والروائي، ولذلك فهو يكتب من داخل التجربة لا من خارجها كشأن النقاد الآخرين.
وفي افتتاح كتابه هذا الذي تؤلفه إحدى وعشرون مقالة يقول تجتمع في هذا الكتاب مقالات كتبت في أوقات متفرقة، وكانت قبل إباحتها محبوسة بين جدران مشغل كاتب السرد، نقرات فراخ كسرت قشورها وأفردت أجنحتها الزغب لتمتزج بفضاء الأصوات المتراسلة بين بيضات السرد المتناثرة هنا وهناك، وعلى جبهة لازوردية في جزيرة صخرية نائية، تنطلق الهمهمة المتشكلة في مقالة من سجنها، وتتدحرج القشرة الخاوية لتستقر بين الصخور بيضة، قوقعة، جمجمة، ثقب سرطان بحري، يتشكل مشغل كاتب السرد بأشكالها، ويهمهم بأصواتها، قبل أن يتخلص من قشرتها ويبوح بمبسارده.
جدران المشغل
ويقول
ظهر معظم نصوص الكتاب خلال العقد الختامي من القرن العشرين، وكنت أحرص على إطلاقها بعيداً عن جدران المشغل، كي تستطلعها أنظار القراء العرب المقيمين وراء ضباب مرحلة اليأس والانحصار العراقية، ولم أسمع من جانبي البحر خبراً يستحسن رحلتها أو حواراً يستقبل دعوتها، بل أحسب أنها تحامت سربها بنفسها بين الأسراب التي تهاوت في وديان السفر، وكان مقدراً لهذه النصوص أن تبقى حبيسة مشغلها، وأن تدفن بيوضها في الرمال طويلاً، حتى يفرغ القراء المستطلعون من عملهم في تنظيف شوارع المدن من الجثث وبقايا السيارات المفخخة وينتبهوا إليها، فإذا هم عثروا يوماً على البيضات اللازوردية بين الخرائب، فعسى أن يتمكنوا من الإنصات إلى نقرات بيضة لم تتحجر بعد قشرتها.
إنه الأمل، أمل يجرؤني على مد مساحة هذه المقدمة، كي أتحدث عن طريقتي في إنشاء نصوص الكتاب. يحتوي الكتاب على نوع من المقالات السردية التي يحلو لكاتب السرد إنشاءها دون أنواع المقالات، ويقوم هذا النوع المقالي على أساس فكرتين متمازجتين الفكرة النظرية والفكرة السردية، تغلف إحداهما الأخرى، أو لتنبثق إحداهما من الأخرى، إذ تتوفر المقالة السردية على حادثة أو موضوع سردي أو معلومات شخصية تتناسب والغاية النظرية أو الفكرية التي تؤلف المحور الرئيسي للمقالة، ويختلف هذا النوع عن المقالة الشعرية، أو الخاطرة الشعرية، التي يكتبها الشعراء، ويستوي فيها الشعر المنثور والنثر الشعري، كما تختلف عن المقالة الصحفية التي تخوض في موضوعات الساعة السياسية والاجتماعية، وتنأى عن البحث النظري الخالص، والاستغراق التأملي، اللذين يسندان المقالة الفلسفية، وتقارب النقد الأدبي من دون أن تنتسب إليه، ولكن المقالة السردية ترود مناحي هذه الأنواع المقالية كلها، وتستقي من المقالة الصحفية راهنيتها الواقعية، ومن المقالة الفلسفية رصانتها ومحورية أفكارها، ومن النقد الأدبي مصطلحاته، أما حين تتناول المقالة السردية تجربة كاتب السرد وتقتحم عليه مشغله، وتعرج على خصائص أسلوبه السردي، يصبح الهدف الأول للمقالة عرض سيرة نظرية لصاحبها، أي عرض المؤثرات والمصادر والحوادث التي توسطت بين حياته الخاصة ونصوصه السردية وكما تتوسط التأملات النظرية لإسناد الحوادث السيرية، فإن البناء المتماسك لفترات المقالة يعتمد على وجود نهاية مقنعة تقف عندها ولا تتجاوزها، كتلك النهاية الموجودة في القصة القصيرة، لقد برع كتاب معاصرون مثل ثيسيوس لأندريه جيد و الوصية المغدورة لكونديرا، و الوصايا الست لكالفينو، ويحق لورثة السيرة الذاتية العربية أن يستعملوا براعة الأيام و ستون و النبي في تهجين نوع لا نظير له من أنواع السيرة الذاتية يجمع بين النظرية والسرد.
ومواضيع القسم الأول من الكتاب هي استعمالات السرد، تقاليد الاستعمال الأدبي، استعمال الواقع، استعمال القصة، استعمال الرواية، الاستعمال الرمزي، المشغل الخيالي، السرد التشكيلي، السلاسل المرجعية، أكثر من تناص، دفتر اليوميات، الاغتراب السردي.
وفي القسم الثاني من الكتاب وتحت عنوان استعمالات الكتاب نجد الموضوعات لذّات الكتاب، حامل الكتاب، تمتمة الغابة، الكتاب المحجور، معجم 2084، سيماء كتاب، الكتاب والخطاب، وما بعد الكتاب.
غريزة الكتاب
ولذات الكتاب، ثلاث من خلال تجربة الكاتب الشخصية وهو يبدؤها من غزيرة الكتاب، الذي تجذب سيماؤه غلافه، حجمه، علامة دار نشره، سعره، وقبل كل شيء عنوانه واسم مؤلفه قارئاً ما لاقتنائه، ثم قراءته، تأتي القراءة استجابة لجاذبية هذه المعلومات التي تميز كتاباً عن كتاب، إن هذه العلامات هي التي تحرك في القارئ غريزة الكتاب أي الهاجس الخفي الذي يحرك الروح القرائية، كي تخرج من مكمنها العميق وتروح تجوب الشوارع والأكشاك والمكتبات بحثاً عن كتاب ظلَّ يبعث بإشارات الاقتناء والقراءة من مكان قريب أو بعيد.
ثم تأتي لذة المطبوع إذ ثمة شراكة بين القارئ والكاتب في اقتسام لذة النص المطبوع، غير أن كلاً من الشريكين يهدف إلى حيازة حصة أكبر لإشباع نهمه منها، فكاتب النص يخفي بين جوانحه لذة الولادة العسيرة لنصه، وهو أعلم من شريكه بمراحل الكتابة والتنقيح، فيما يتلذذ القارئ بما وصفه رولان بارت مسرات القراءة وتوليد المعاني التي تقع بين حدي الفعلين قرأ، حلم تبدأ لذة القارئ بالتصاعد فتتداعى حوله مشاعر متناقضة من الرضا والرفاهية والامتلاء ثم تهبط به إلى قرار بعيد من مشاعر الانزلاق، والاضمحلال والفراغ .
أما لذة المخطوط فتتعدد لذات النص وتتفاوت في عدة مواقع من مراحل إنتاجه، فتأتي أولاً لذة التحضير والتخطيط تتبعها لذة تسويد النسخة الأولى، وتنقيحها مراراً، ثم لذة الطباعة حتى يتسلم القارئ الطبعة الأولى من نص المؤلف فتعتريه ما يعتري النص من نهاية تموجاته.
ويبقى أن أقول إن هذا الكتاب يحقق تعالقاً بين المؤلف والقارئ لعدة أسباب أهمها كون المؤلف باثاً وموحياً وجاذباً ومغرياً إلى الحد الذي يحرّك فضول القارئ ودوافعه وغرائزه إلى القراءة ومتابعتها لفعل الإمتاع والتشويق ودغدغة الوجدان وملامسة العقل التي جعلت للنص جاذبية خاصة وإغراءات تدفع إلى محاولة التعرف على طبيعة مثل هذه النصوص وملامستها وعشقها ولا شك أن مهارة بستاني الطفولة الذي تلقى على يده محمد خضير كتاب الطبيعة الأولى كما جاء في إهداء الكتاب له اليد الماهرة في صياغة هذه الموهبة الكبيرة.
/6/2012 Issue 4238 – Date 30 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4238 التاريخ 30»6»2012
AZP09























