أبجدية الرحيل نحو المنفى في قصائد المغتربين بأستراليا
الوجع العراقي ينشر ظله على أطراف الأرض
عادل دنو
اقام ملتقى تفقتا الثقافي في سيدني امسية شعرية ضمن برنامجه الشهري منتصف شهر حزيران يونيو وعلى قاعة لانتانا في نادي بابيلون الكائن في منطقة ادنسر بارك. أحيا الامسية سبعة شعراء تنوعت مضامين قصائدهم وتغريبات مخيلتهم لافكار جديدة بصورها واشكال اشتغالاتها وقديمة بهمها وهي ترسم امام السامع لوحات ملغزة احيانا وواضحة اخرى. جاءت الامسية بعد عدد من أماسي الثلاثاء الثقافية التي اقتصرت على المحاضرات والمحاورات في موضوعات عديدة.
قدم لهذه الامسية وشعرائها مدحت البازي الذي صاغ تنويعاته هو الاخر ليعرف الشعر والشعراء الذين ينطلقون بقصائدهم عابرين الحدود العامة في اللغة ويصورون ما لايحق لغيرهم رسمه من لوحات مفعمة بروح الانطلاق من القيود التي يصوغها النقاد عادة وبعض قراء وسامعي الشعراء العاديين. ولا بد من الاشارة بدءا ان المشاركة كانت باللغتين السريانية والعربية الفصحى واضيفت للامسية قراءات في الشعر الشعبي ايضا. كان مفتتح الامسية قصيدة للشاعر ماجد عزيزة الذي حل ضيفا على الملتقى في هذه الامسية وفي امسية قبلها تحدث فيها عن الصحافة والطباعة المسيحية في العراق. موضوعة القصيدة التي حملت عنوان لا جنة في المنفى كانت مجالا لاشتغال احساس الشاعر على واحد من رؤاه الخاصة في البعد والغربة عن الوطن ساعة المغادرة بل لحظة الانطلاق الى المنفى. وفي تلك الساعة او اللحظة يبدأ يجري الحزن والحنين في شريانه ولحظة تجاوزه الحدود تبدأ خيالاته وافكاره وخفقات قلبه تتحول الى بؤرة الضياع في عوالم لا يألفها ولن يتآلف معها.
ويظل الشاعر المغترب متعلقا بخيط من حنين الى الازقة والديار والجيران في قصيدته الثانية لا تسقطي يا قنبلة التي فيها يتأسى مع مأساة العراق وتكشف صيرورة القصيدة عنده انها لاتختلف عن تضرعات وصلوات مؤمن الى مجهول معلوم يحمل الضغائن لبلد واناس امنين ويبتهل ان لا يسقط النار ويعمل على تشظي الحياة الصبية أو الكهلة.
لفت الشاعر وليم دنخا الانظار في شمس الحق شمشا دشرارا عنوان قصيدته الاولى بالسريانية الى القلق الفكري في المخيلة الشعرية الشخصية المحملة بهموم الامة وهم المنافي التي تشبه فجوات البراكين التي تثور بين اونة واخرى في ثنايا المخيلة التي يحملها الشاعر السرياني بشكل خاص معه مثل حقيبة سفر تضم الاف الصور والذكريات والاف الكلمات التي تدمي القلب. ويسهب في التلميح والتذكير بالقرى والبلدات التي كانت وطنا وبدأ فعل الزمن القاسي في ابتلاعها وجفاف منابع الحياة فيها ويستنجد بلماسو راعيها ويتساءل من سيظل يشرب الماء من دجلة. واختلال المعادلة الحياتية ثيمة اشتغالية تأخذ الشاعر الى معاناة الاستلاب وتشرذم احلامه ويتساءل الى متى نبني واخرون يخربون والى متى تتناقص نواقيس الكنائس.
أما الدلالات اللغوية ووصلات صورها في القصيدة الثانية للشاعر التي كان عنوانها قصة حب شوعيثا دحوبا فجاءت للتغني بالعشق وترجي الحبيب بمباشرة الترفع على كل شيء اخر والسمو بالحب وحده بمفردات شعرية وبنيان غنائي جميل يبعث احساساته وفق منظومة تنشطر الى دالات معنوية الزمان فيها مرموز.
وقرأت بالسريانية قصيدة تغريدات على وتر الشوق الموضوع الملاصق لمحاولات الشعراء المغتربين الى حد التماهي فيتوحد الاغتراب والقصيدة او يتوحد الشاعر مع ولع سيرورة البناء التراكبي فتشكلت قصيدتي اللمحة او الموقف لتشخص بعض اشكال الاستلاب ولكنا مسايرة للوعي. اذ يعي البديل المتنور رغم أن الارادة غائبة مستلبة بعمق. فقصيدة ابواب شمش مقاربة صورية لما كانت بوابات نينوى حينما ترعرعت بقربها في الماضي وما آلت اليه اليوم . وجاء البناء الدلالي لدى الشاعر سنحاريب ستراك حنا الذي يكتب بالعربية في نسق واحد يكسر في كل مقطع من مقاطعه رتابة الحكي الشعري والمعنى الدافئ في قصيدته الغزلية الاولى ذكرى الحبيب .. فمن مناجاة مفعمة بعاطفية جزيلة تتشكل بايحاءات متحولة الى جماليات العاشق المعاتب لتحولات اختضاضات القلب الى ذكرى لتتردد نغمة حبكِ اين كان.
في قصيدته الثانية المعلم رسول العلم وهي قصيدة عمودية كلاسيكية المبنى يصف الشاعر المعلم الكائن المتسامي الذي يذوب كالشمعة لينير اجيالا واجيالا.. ونوره العلمي والتربوي معا كالقنديل والسراج المشع ولا يدانيه ظلام.. وتمضي القصيدة على محمولات غير رمزية يشكل حضورها دلالة واضحة ببنية لغوية رصينة فيها الحرف يصوغ القافية كما يصوغ المعلم حرفه لغرس شتلات كالتي تعتصر نفسها لتنقل الخلق المعلى لتلاميذه.
الشاعر نمرود يوسف قرأ بالسريانية قصيدة عنوانها أريد عزف فيها تقاسيم لمداواة جروح تتمظهر على مشهد يحسه مؤلما ومطره حزين وعنابره فارغة. تعود بنا ابيات القصيدة الى وتر الحنين والحزن الممض لاسئلة ابدية وموروث منفلت من عصارات مريرة يرتكز فيها شجن ان مسكنه تجوب فيه الفئران، ويفتقد وجدانيا الى زخم تاريخي عبقت فيه تناغمات امته مع حيزها تتراسل عبر الزمن معبرة عن وجودها بقوة اسطورية ولكن تتحول في الزمن الحاضر الى ارتكازات معنونة باختفاء النواقيس كرموز معبرة ذات فعل صارخ يرن من مكونات الجدار الذي يفقد لُبناته.. ان نسق بنيانه ترشح عن خرائب مصنعة والطبيعة تعبر عن حس باطني ينتقل الى فكري دامغ يغوص في اعماقها كمدينة محترقة. وعلى نفس الوتر الغرائبي راح الشاعر ادور رويل في قصيدة بالسريانية عنونها جدال مع ملاك يرسم أنساقا معاتبة للحال التي الت اليه امته ويشتغل على معمارية داخلية رمزية لمكون خارجي واضح المعالم تنتفي عنده غرابة التشخيص وايحاءات الملامة في الجدل الازلي الذي يحرك مشاعر واستدراكات وجدانية متحركة في جسد النص. يعلن الشاعر انه آشوري الاصل وقلبه اسد بابل ولغته السريانية ليؤسس بنية الجدال في فضاء قصيدته المشحونة..وليضع الملاك الغرائبي اصبعه على الجرح في مهمة القاء اللوم على انا الشاعر وانا الاخرين لتنقلب العلاقة بفعل موجات متداعية ليرسم كما فعل الشعراء الاخرون ان يحلي خاتمة القصيدة ويتحمل جزء من المسؤولية التريخية لرفع اسم امته ويعيد امجادها.
يعود الشغل الشاغل للشاعر اديب كوكا وهو يقرأ قصيدته يا وطني الحبيب الى ثيمة اساسية في موضوعات الشعر السرياني الحديث لتلتقي فيها ثنائية شائعة بليغة، فكل السراب الذي لهث ورائه ابناء امته في الغربة بقي سرابا في طرف ويعلو في الطرف الاخر صوت أنين الاغتراب نفسه في دلالات ايحائية متنافرة مع الواقع الذي يجعل الشاعر يخاطب جاذبية الوطن ناقلا اليه حقيقة تلك الدلالات المعقدة. إن تضادد العلاقات بائن في اللغة الاشارية السهلة التي راح نسق كل مقطع من مقاطع قصيدته المتشابه في التمظهر يبدأ بصورة حسية ناقدة تحمل نشيجها الداخلي الى آخر المقطع الذي يئن فيه الشاعر حزنا وينقل للوطن تكرارا يا وطني الحبيب وكأني به يقول، هل تسمعني ياوطني الحبيب؟ رحلة الشاعر الى مدائن العالم المتحضر التي لاتنام مثل نيويورك ولندن وسيدني، لا بل حتى ابعد ابعد فوق الغيوم واعمق اعمق من البحار.. وبرغم الفرح المتضاد مع روح الشاعر نفسه والدال الشكلي للآخرين على السعادة المزعومة، وبرغم صور السهرات والرقص وحتى شروق الشمس كل يوم فإن ظاهرها فرح ودواخل نفسه توهان وسفر في دروب موحشة وآهات واحساس كأن روحه تغادر جسده وقلبه يحترق لا بل يعيش على أمل بشرى انتهاء الرحيل وخلاصه من الشجن.
إن القصائد التي قرئت في الامسية الشعرية أثارت اسئلة عميقة حساسة نقرت على أوتار حزينة في فضاء المكونات الغائبة عن المشهد الوطني، وعزفت الحانا سوداء ضاجة بمعترك الحنين ومليئة بانثيالات الاغتراب. حفرت القصائد جوهر الوجود الشعري في الشعراء انفسهم وفي الحضور لتؤسس لواحدة من البؤر الحياتية في الاشتغال الشعري المتراص وتأنيق تحولات فاعلة تزيل ركام الاشجان وتراجيديا الاغتراب وعلل التشرذم وتشعل اسرجة نور لتضيئ حركة الابداع الشعري وسط ظلمات الغربة.
/6/2012 Issue 4238 – Date 30 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4238 التاريخ 30»6»2012
AZP09























