محمد عطا الله الروماني الذي عاد إلى طنجة
هندسة الفراغ تفيض بظلال الألوان
فيصل عبد الحسن
أحتضن المركز الثقافي الأسباني سرفانتس في مدينة الرباط المعرض الأخير للفنان المغربي محمد عطا الله للفترة بين 7 و15 يونيو حزيران 2012 وحمل هذا المعرض رقم واحد وثلاثين لمعارض الفنان عطا الله، الذي بدأ بعرض لوحاته في معارض فردية وجماعية منذ عام 1957، في المغرب، وفي دول كثيرة اخرى من بينها، مصر، فرنسا، إسبانيا، إيطاليا، الولايات المتحدة الأمريكية، وبلجيكا، والفنان عطا الله يعتبر من الفنانين الرواد في المغرب، فقد ولد عام 1939 في مدينة القصر الكبير المغربية، والتحق في سن الخامسة عشرة في مدرسة تطوان للفنون الجميلة، وتتلمذ على يد مؤسس مدرسة تطوان، الفنان الأسباني ماريانو بيرجي Bertuchi وفي هذه المرحلة، التي تعتبر أولى مراحله الفنية، والتي أمتدت لأربع سنوات رسم فيها عطا الله لوحات أنطباعية، متأثرا بجو مدرسة تطوان، وما يدرس فيها من أساليب رسم، مـتأثرة بالمدارس الأوربية في تلك السنوات، ولكن الفنان الذي يرسم الآن لوحاته برؤية أخرى تختلف جذريا عما درسه، وتعلمه في مدرسة تطوان، وهو يقول عنها انها مرحلته الأخيرة في الرسم، والتي يمكن أن نحدد أطارها الزمني بقولنا عن بداية مرحلته الثالثة في الرسم، التي أبتدأت في مدينة مدريد عام 1965 وأنتهت في مدينة كرانادا عام 1975 وبعد هذا التأريخ بدأت مرحلته الرابعة.
أرقام سرية
إن أساس عمل الفنان في المرحلة الثالثة والرابعة كان يعتمد على رسم الشكل الهندسي، ورسم الأشكال المحاذية، التي ينقل لنا من خلالها خصائص اللون وأهتمام الفنان بعرض هذه الخصائص، وما تعنيه الأشكال المتنوعة من متعة بصرية للرائي. وتستند وجهة نظر الفنان عطا الله على إدخال رسومات من أجزاء تشريحية مختلفة تمثل الخط المستقيم، والدائرة والنقطة والرقم، وكأنما يلتزم الفنان التقاليد الشرقية، التي تحظر استنساخ صورة الانسان بأبعاده الحقيقية، كما يفعل فنانو الأستشراق، ورسمه بابعاد متخيلة، كأن يكون الرأس أكبر من الجسد أو تكون الأطراف لمخلوق آخر، لئلا يقع تحت المكروه في الرسم الشرقي أستنساخ ذوات الأرواح بأبعادها الفيزيائية وأشكالها الحقيقية، ولكنه حتى هذا الإنسان المتخيل يبتعد عن رسمه في مرحلته الرابعة، فهو يتحول كليا لرسم الأرقام والمربعات المبهمة، التي تثبت على الآرض كمستطيلات رقمية توحي بأرقم سرية، تقود إلى معارف سحرية لا يعرفها إلا من صاغها، ولكن موقعها الذي يكون عادة على أرضية الكنائس، وأمام تماثيل القديسين وشهداء الديانة المسيحية، يعطي الكثير من الفضول للأوربي، الذي يبحث في أسرار وطقسية هذه الأرقام والرموز التي يرسمها رسام من أصول مغربية .
الروماني
ان الفترة المؤثرة في تقنيات الفنان عطا الله، هي الفترة التي أعقبت تخرجه من مدرسة الفنون الجميلة في تطوان مما سمح له بالسفر، وقضاء فترة تدريب في إشبيلية وروما وباريس ومدريد، ومن عام 1963 وحتى عام 1968، بدأ بمزاولة مهنة جديدة له، فقد عمل كمفتش آثار من متحف الآثار في تطوان وطنجة، والعرائش، حيث تخصص بالتنقيب على بقايا الآثار الرومانية، التي توجد بكثرة في شمال المغرب، ويبدو من أهتمامه الشديد بالآثار الرومانية في المغرب ومتابعاته المحمومة لهذه الآثار لقب الفنان بين أوساط الفنانين المغاربة ب الروماني وقد عقد الفنان محمد عطا الله صداقات كثيرة مع الفنانين في مدينة طنجة، ومن هذه الصداقات تبلورت جماعة فنية شكلت صالون دي طنجة والذي كان مكانا للتحدث عن الفكر الجديد، والطليعي، والتجارب المبتكرة في الرسم من جيل الفنان من الرسامين، والكتاب والموسيقيين، وبين عامي 1968 و 1972، درس في مدرسة الفنون الجميلة في الدار البيضاء، قبل أن يغادر ليستقر في فرنسا، وتستمر إقامته فيها لمدة ثلاثين عاما، وفي عام 2006 عاد عطا الله إلى جذوره، وأستقر أولا في مدينة مراكش، لكنه لم يستطع تحمل أحوال الطقس الصحراوية في هذه المدينة، ولذلك أستقر في مدينة طنجة شمال المغرب، وهو في كثير من الأوقات يُعرف بأنه الروماني الذي عاد إلى طنجة والرومانية التي ألصقت بأسمه تعود لعمله السابق كمفتش آثار، وكان ولعه بهذه الآثار يقوده للبحث عن الآثار الرومانية القديمة في المواقع التأريخية، التي تنتشر في شمال المغرب، فالمدن مهما تغرب أبناؤها عنها لا تنسى أعمالهم.
المغربي الفطري
في رسوماته في مرحلته الأنطباعية تجد الطبيعة المغربية بكل جمالها، وحيوية أبنائها، وألوان الزهور في الشرفات، والجبال المكللة بالثلوج، وأهل المدن المغربية، الذين يحملون على ظهور حيواناتهم أحمالهم لتوصيلها إلى القطارات المزدحمة بالركاب، والحوانيت المكتظة بالمتبضعين، حيث تتلألأ الألوان، وتبعث في النفوس محبة للشمس وللموجودات التي خلقها الله تعالى، وإعجابا بالتنوع اللوني، وما حباه الله لمخلوقاته من أشكال، وهيئات تدلل على تكامل بين خلقة المخلوق، وما خلقه الله تعالى له من أرض منبسطة وجبال عالية، وأشجار سامقة وألوان مختلفة، تجدها على مدى الرؤية، وتأتي مرحلته الثانية متأثرة بالمدرسة المغربية، التي تحاول تقليد ما كان يفعله الفنان المغربي الفطري حين كان يلون الزربية، أو يضع الألوان على الحقائب الجلدية أو وهو يوشي قطع الأثاث بالرسوم الملونة، وهي المرحلة التي أشترك فيها الفنان في عدة معارض مع فنانين من هذه المدرسة المغربية الأصيلة، كمحمد المليحي، ومحمد شبعة، وهما من أهم العارضين لأفكار هذه المدرسة الفنية المهمة بين عامي 1968 و 1972، اما مرحلته الرابعة فيقول عنها الناقد الأسباني خوسي لويس غومث بارثيلو كما جاء في دليل المعرض أن موهبة عطا الله تتموضع في أفضل الطليعات الأوروبية شأنها في ذلك شأن شبكة ألوانه وتعارضاتها. عطا الله، ولا شك، هو المنسي الكبير، والنكرة الكبيرة في الرسم التشكيلي المغربي خلال السنين الأخيرة، لكنه يشكل عوض ذلك مرجعا بالنسبة للذين يريدون، في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، اللقاء بعمل صنعه أوروبي له جذور في المغرب ويقول الفنان عطا الله، معلقا على مرحلتيه الآخيرتين في الرسم إن أساس عملي هو الشكل، والمحاذاة، الذي يعرف هذا الموضوع. وتستند وجهة نظري على إدخال الرسومات من أجزاء التشريحية، والتعدي على طلب التقاليد الإسلامية تحظر استنساخ باهظة للصورة الانسان .
من الممكن الأطلاع على المزيد عن هذا الفن في المغرب في مقال حول الفن الفطري المغربي وريادته بعنوان»عبد القـادر غربال رسـام الخيـال المحلـق عندما تقودك الموهبـة الفطرية بقلم فيصل عبد الحسن » مجلة الرافد الشهرية» الشارقة» العدد 166 صدرت في يونيو 2011.
/6/2012 Issue 4237 – Date 28 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4237 التاريخ 28»6»2012
AZP09























