

حين يتحول الصمت إلى جريمة: العنف الأسري في العراق بين قانون غائب ومجتمع يئن
فاروق الدباغ
في قاعة المحكمة، وقفت شابة في الخامسة والعشرين، أم لطفلين، تحمل على وجهها آثار كسور وتشوهات خلفها عنف زوجي مروّع. أدان القضاء الزوج بغرامة مالية، لكن الحكم لم يرمم العظام ولا أعاد الأمان.
خرجت من المحكمة بلا حماية، لتصطدم بثقافة اجتماعية ترى شكوى المرأة “عيبًا”، وتفرض عليها الصمت. هربت من بيتها لتقع في فخ عصابات الاتجار والمخدرات، لتعود بعد ثلاث سنوات إلى مدينتها باسم جديد ووجه مُجمل، لكن هذه المرة كمجرمة، لا كضحية.
وحين واجهها القاضي، قالت كلمتها المدوية:
“أنتم لم تحموني يوم كنت ضحية… فصرتُ جلادًا على طريقتكم”.
العنف الذي صار “عاديًا”
منصات التواصل الاجتماعي في العراق تكاد لا تخلو يوميًا من أخبار تقشعر لها الأبدان:
أب يحرق بناته
زوجة تتآمر على قتل زوجها
زوج أم يغتصب طفلة
زوج يوثق قتل زوجته على واتساب
تكرار المشهد صنع ما يسميه علماء النفس بـ”التطبيع” (Normality)، إذ يفقد الناس صدمتهم تدريجيًا، ويتحول الفعل الشنيع إلى خبر عابر.
لماذا يتفشى العنف الوحشي؟
1. فراغ تشريعي: لا يوجد قانون وطني شامل لمناهضة العنف الأسري خارج إقليم كوردستان، بينما يتيح قانون العقوبات أعذارًا مخففة لما يسمى “جرائم الشرف”.
2. ثقافة اللوم على الضحية: المجتمع يبرر أذى المرأة ويطبع معه، خاصة وسط هشاشة اقتصادية ونزوح طويل الأمد.
3. غياب شبكات الحماية: الملاجئ شبه معدومة في الوسط والجنوب، وخطوط النجدة غير فعالة.
4. عنف موروث ضد الأطفال: بيانات وطنية تؤكد نسبًا مرتفعة من العنف الجسدي والنفسي.
5. الفقر والبطالة والفساد: عوامل تفاقم النزاعات داخل الأسرة وتزيد الانهيار القيمي.
التداعيات الخطيرة
اتساع سوق الجريمة والمخدرات والاتجار بالبشر
توارث العنف بين الأجيال
انهيار الثقة بالمؤسسات
خسائر اقتصادية وصحية هائلة
دروس من الجوار والعالم
الأردن: قانون حماية الأسرة رقم 15 لسنة 2017، ووحدات شرطية متخصصة لتلقي البلاغات والتدخل الفوري.
إقليم كوردستان: قانون مناهضة العنف الأسري وتطبيقات رقمية مثل SafeYou، مع تحديات التنفيذ.
السويد: استراتيجية وطنية لعشر سنوات، أوامر تقييد، بيوت الطفل (Barnahus) حيث تجتمع الشرطة والنيابة والصحة النفسية تحت سقف واحد لحماية الضحايا.
ما الذي يجب أن نفعله الآن؟
1. إقرار قانون وطني شامل للعنف الأسري
يجرّم كافة أشكال العنف المنزلي، ويلغي الأعذار المخففة، ويقر أوامر حماية فورية قابلة للتنفيذ.
2. شبكة حماية متكاملة
خط ساخن وطني، ملاجئ آمنة في كل محافظة، وحدات شرطة متخصصة، وبرامج علاج إلزامي للمعنفين.
3. حماية الطفل على النمط الاسكندنافي
إنشاء “بيوت الطفل” في بغداد والمحافظات الكبرى لتقديم الدعم القانوني والنفسي الفوري.
4. مراكز بحث جامعية في الشارع
لرصد المؤشرات، نشر تقارير فصلية، وتدريب كوادر متخصصة.
5. إصلاح قضائي
محاكم مختصة، تقييم خطر قبل الإفراج، وأوامر حماية إلكترونية فورية.
6. إعلام مسؤول
مدونة سلوك تمنع نشر صور الضحايا وتنتج محتوى توعوي.
7. تمكين اقتصادي للضحايا
برامج تدريب وعمل عاجلة للنساء الناجيات من العنف.
صندوق حقائق
لا يوجد قانون وطني شامل لمناهضة العنف الأسري في العراق (باستثناء الإقليم).
الملاجئ الرسمية شبه غائبة في الوسط والجنوب.
العنف ضد الأطفال مرتفع بحسب مسح MICS6 لليونيسف.
النموذج السويدي: أوامر حماية فورية + بيوت الطفل + استراتيجية وطنية متعددة القطاعات.
العنف الأسري ليس مسألة “خاصة”؛ هو تهديد لأمن المجتمع بأسره. حماية المرأة والطفل ليست رفاهية، بل خط الدفاع الأول عن نسيجنا الاجتماعي.
السؤال الذي سيحاكمنا به التاريخ: هل جعلنا طريق الضحية أقصر من طريق الجلاد؟
المصادر
1. Human Rights Watch – الحاجة لقانون مناهضة العنف الأسري في العراق
2. UN Iraq – ثغرات الإطار القانوني للعنف الأسري
3. UNFPA – خريطة الملاجئ
4. UNICEF – MICS6 العراق
5. قانون الحماية من العنف الأسري الأردني
6. استراتيجية السويد الوطنية لإنهاء عنف الرجال ضد النساء























