

تنشر (الزمان) فصلا كاملا من كتاب الباحث العراقي البارز عبدالجبار خضير عباس المعنون ( حرف البوصلة عن أبوية الإرث الرافديني.. الرد على كتاب القمني النبي إبراهيم والتاريخ المجهول)، وذلك في محاولة لفتح باب النقاش الموضوعي والعلمي في قضايا فكرية وتاريخية بعيدا عن المنزلقات الضيقة والتعاملات السياسية المنحرفة.
والباحث يحاول في كتابه تقديم قراءة جديدة منطقية ويرد من خلاله على كتابات وضعت الاستهداف المسبق نصب أعينها لنسف حقائق تاريخية وترويج أفكار مرحلية ومنحازة. (الزمان)
الحلقة الأولى
مقدمة
بداية لا نريد أن نظهر بمظهر الحانق على الباحث والكاتب سيد محمود القمني (1947 – 2022)، الذي يصنف نفسه بالمعتزلي، إذ اِشتهر بمحاججاته الجدلية الدائمة مع الإسلام السياسي، ومساحة بحوثه عادة ما تهتم بالتاريخ الإسلامي. طروحاته وأفكاره اتسمت بالجرأة في مناخٍ معادٍ لأية أفكار تمس المعلومات والطروحات الفكرية للإسلام السياسي، المتكئة على التطرف وتكفير الآخر، في حين هو يتعامل معها برؤية معتزلية كما يقول أو قراءة ماركسية (المادية التاريخية) كما يقول الآخرون، وتَعرض لضغوطات هائلة حتى وصفوه بالمرتد و…كعادة الإسلام السياسي في محاربة خصومه، حتى صادر مجمع بحوث الأزهر كتابه (رب هذا الزمان). إلى جانب تهديدات بالقتل والوعيد من قبل تنظيمات إسلامية متشددة.

لا نريد في هذا الرد أن ننتقده نقداً حكمياً يشمل جميع منجزه الفكري الذي بلغ أكثر من عشرين مؤلفاً، وهذه المؤلفات جميعها تندرج أو تحسب ضمن الفكر التنويري، فضلاً عن حث المصريين على التمسك بعمقهم الحضاري، لذلك يحرص على أن تكون في أثناء الحوارات التي يجريها مع وسائل الإعلام في بيته ثمة علامة سيميائية على الجدران أو المنضدة تشير إلى إرثه التاريخي المصري، أما خلافنا معه فهو يتعلق بما جاء في كتابه (النبي إبراهيم والتاريخ المجهول).

إذ انزلق أو تماهى مع بعض المثقفين، والكتاب المصريين المصابين بمتلازمة تفوق الحضارة المصرية على الحضارة الرافدينية، والتضخيم أو المبالغة في كل ما يسيء إليها… فنراه في هذا الكتاب ينافح بشدة وبإصرار عجيب ليقنع المتلقي بأن النبي إبراهيم لم يخرج من أور في العراق عبر الخوض في قراءات تعتمد على تعقب المفردات وتحولها التاريخي أو الإقلاب الذي تتعرض له الكلمات بحسب ما يخدم تصوراته أو قناعاته، ليسلب عن أور العراقية أو مدينة (أور الكلدانيين) التي انطلق منها النبي إبراهيم على وفق قناعات الديانة اليهودية والمسيحية والإسلامية في هجرته، حيث تقع أور جنوب العراق ضمن موقع سومري، حل فيه الكلدانيون…لكن القمني يُصرّ على إقناعنا بآرامية النبي إبراهيم.

وأن العشيرة الإبراهيمية، وافدة إلى المنطقة من جنوب أرمينيا، وقد وصفت التوراة إبراهيم بأنه رجل آرامي، وعن ابن هشام في السيرة: إن لسانه كان سريانياً (لسان شمالي بلاد الشام)، ولكنه عندما عبر نهر الأردن إلى كنعان حول الله لسانه إلى اللغة العبرانية. ويستمر عبر استغلال التلفيقات والتزوير الذي جاء بالنص العربي للتوراة الذي يتضمن نحو 10 آلاف كلمة مزورة عبر الترجمة العربية، بحسب تصريح د. فاضل الربيعي المتخصص بدراسة التوراة.
كما أقحم بكتابه ثيمة عرضية ليس لها أية علاقة بشأن الكتاب ومضامينه، إذ تناول رأياً لنجيب البهبيتي في كتابه المعلقة العربية الأولى… يقول فيه: إن ملحمة گلگامش أصلها يمني! وهناك ملاحظات أخرى سنتناولها فيما بعد.

في ردنا عليه اعتمدنا على بعض القرائن والحجج منها أطروحة فاضل الربيعي بشأن تحققه من جغرافية الأماكن والتاريخ الوارد في النص التوراتي بوصفه قصصَ يهودٍ إسرائيليين يمنيين، وكُتب بلغة أو لهجة يمنية قديمة تدعى العبرية…وسنذكرها في متن هذا البحث…ثم نشير إلى ما جاء في (الديانة الهندوسية) التي يفضل اتباعها وبالمتداول الديني لديهم إطلاق مصطلح (الإبراهيمية) عليها بدلاً عن الهندوسية، “وينظر إلى صحف الفيدا ليس بوصفها أقدم عمل أدبي في لغة من اللغات الهندوأوروبية فحسب، وإنما هي أقدم الكتابات الدينية الحية في العالم”(العجمي،2006،9).
لا بد الإشارة إلى أننا لا نريد هنا تخطيئة السردية اللاهوتية عبر الدراسة الأركيولوجية أو اللسانية، بل تبقى السرديات اللاهوتية الكبرى غير معنية بالدراسات الأركيولوجية أو الأمبريقية، فهي قناعات ميتافيزيقية يؤمن بها المليارات من البشر، فما تقوله الديانات الإبراهيمية أن النبي إبراهيم خرج من (أورالكلدانيين) علينا احترام هذه الاعتقادات، ولها الأولوية والأحقية بوصفها ملكها ونتاجها، إذ خرجت من رحم سرديتها الأدبية الدينية، ويؤمن بمصداقيتها المليارات من البشر.

وهنا أنقل من مداخلة مع الأستاذ علي حسن الفواز في مقر اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين يقول:” من البداهات الدينية بشأن ولادة إبراهيم أنها كانت في (أور الكلدانيين)، وهي بداهة أكدتها الكنيسة الكاثوليكية عبر زيارة البابا لها، ودخول هذا الحدث المثيولوجي في الأدبيات المسيحية، أما هجرته إلى حران وزواجه من هاجر، ووصوله إلى مكة، ستظل من السرديات القارة في المخيالات الإسلامية والمسيحية…، والسيد القمني جزء من البروباغندا المصرية التي تضع قضية الوجود الفرعوني قبل الوجود السومري، وهو مناقض للحقيقة الأركيولوجية التي اثبتتها حفريات العلماء، ومنهم الألمان الذين عثروا على ألواح ملحمة گلگامش في مكتبة آشور بانيبال”.
أما بشأن رؤية علماء الآثار في العالم، فلم يثبت لديهم حتى الآن أي دليل يؤكد بأن شخصية إبراهيم حقيقية، إذ لا توجد أية إشارة التاريخي أو الأركيولوجي ما يثبت ذلك، سوى السرديات الدينية… فيما يرى بعضهم الآخر بعدم وجود أي أمل بوصفه شخصية حقيقية تاريخية.

وبشأن قراءة د. فاضل الربيعي: يعتقد إنه لا يوجد على الاطلاق أي دليل أركيولوجي، يشير إلى أن قصة التوراة جرت وقائعها في فلسطين، بما في ذلك رحلة النبي إبراهيم…وعن طريق الوقائع العلمية: أولاً، إن التوراة في النص العبري لا تقول إن إيراهيم كان قد خرج من أور الكلدانيين، فالتوراة تقول حرفياً: إن إبراهيم خرج من (أور الكسديم) في الأصل العبري كسديم ليس كلدانيين…
في حين تلجأ الكاتبة أبكار السقاف إلى البعد الأركيولوجي وتوظيف معطياته عن طريق الربط بالنص التوراتي مثل قولها:” ثم هاجر فريق من هذه العشيرة في أعقاب الغزو الكاسي لبلاد ما بين النهرين وضياع مملكة «أرض البحر»، ١٧٦٠ ق.م، ونزلوا مدة بجوار «حاران» إلى شمال الهلال الخصيب بقيادة رئيس لهم، لانشق إليه ثنايا التاريخ القديم لبلاد ما بين النهرين إلا ويطلع علينا، عبر الألواح الصلصالية، حاملاً نعت داميق ايليشو، وهذه كلمة بابلية معناها (خليل الله) …ص36 أبكار السقاف إسرائيل وعقيدة الأرض الموعودة.
وثمة مقاربة تاريخية بشأن الديانة الهندوسية وعلاقتها بالنبي إبراهيم على وفق ما جاء في كتاب العجمي، فالح شبيب. (2006). صحف إبراهيم جذور الإبراهيمية من خلال نصوص الفيدا ومقارنتها بالتطبيقات والروايات التاريخية. سنشير إليها فيما بعد…

أطروحة القمني بشأن (أور الكلدانيين)
يقول القمني:” ما يقارب العام 1800 ق.م كانت مجموعة من الرعاة والمنتسبة تاريخياً لبعض هذه الأفواج، التي هاجرت من الصحراء إلى منطقة الهلال الخصيب، قد استطاعت أن تنتشر في العراق وتستقر لتؤلف دولة يذكرها التاريخ باسم الكلدانيين، وهناك من وسط الطبقات الدنيا، في قلب هذا الشعب الوثني المتخلف، نشأ النبي إبراهيم عليه السلام” (القمني،1996،42).
ثم يضعنا القمني إزاء أكثر من احتمال كما ورد في التوراة بحسب رأيه إذ يقول: “ونجد أنفسنا مع التوراة في متاهة من الدروب، كل منها يؤدي إلى موطن محتمل للقبيلة الإبراهيمية: (أور الكلدانيين) و(حاران) و(أرام النهرين) و(فدان أرام). والغريب في أمر التوراة، أنها بعد أن ذكرت (أور الكلدانيين) كمنطقة للهجرة، نسيتها تماماً، بينما استمرت تضرب على تأكيد الأصل الحاراني مرة، والآرامي مرة أخرى، أما الجملة التي لم تمل تأكيدها فهي: إن إبراهيم كان (آرامياً تائهاً – التثنية: 26: 5)” (القمني،1996،48).
“في الوقت ذاته تؤكد التوراة: إن إبراهيم من نسل (ارفكشد بن سام ابن نوح)، مما أثار لدينا التساؤل: هل قصدت التوراة بـ (أور) مدينة أخرى تحمل ذات الاسم، ربما كانت تقع في منطقة الدويلات الآرامية (بلاد الحور)، قرب (أور) التي ألقت السفينة النوحية مراسيها قربها، أو هي (أور _ أرتو) ذاتها”(القمني،1996،50).

وتأسيساً على هذه الفرضية وما أورده من القرائن يعتقد انها كافية لإقناع المتلقي، أن إبراهيم لم يخرج من أور العراقية، بل خرج من “منطقة (أربكسد) المعروفة حالياُ باسم (إلبك) جنوب غربي أرمينيا، ويتجه إلى بلاد الحور أو (حاران)، وتصبح حاران بذلك محطة ترانزيت منطقية تماماُ في الطريق إلى كنعان كما يصبح مفهوماً إشارة التوراة المترجمة لكافة اللغات ومنها العربية (عن الأصل العبري) أنه خرج منها، دون سبب واحد تبرر به ذلك، ورغم إشاراتها المتعددة والمتكررة التي تؤكد آرامية النبي إبراهيم. وهكذا يتضح أن العشيرة الإبراهيمية، وافدة على المنطقة من جنوب أرمينيا، وقد وصفت التوراة إبراهيم (عليه السلام) بأنه رجل آرامي، وأقر التراث الإسلامي أنه ليس من أبناء الجنس العربي، وأن لسانه لم يكن عربياُ، وقال ابن هشام في السيرة: إن لسانه كان سريانياُ (لسان شمالي بلاد الشام)، ولكنه عندما عبر نهر الأردن إلى كنعان حول الله لسانه إلى اللغة العبرانية وربما يكون تفسير هذه الهجرة، في حديث المسعودي عن حدثان الطبيعة، وقوله ((ولما قبض ساروغ قام من بعده ناحور بن ساروغ، مقتدياً بمن سلف من آبائه وحدث رجف، وزلازل لم تعهد فيما سلف من الأيام قبله، وكانت في أيامه حروب وتحزيب أحزاب))” (القمني،1996،53).

وتقول التوراة في قصة الخلق: إن أصل البشرية خرج من مكان على الأرض يدعى جنة عدن، وأن من هذا المكان تنبع أنهار أربعة هي: دجلة والفرات وفيشون وجيحون، وأن من النسل الذي عاش في جنة عدن، جاء بنو عابر، الشعب المختار، …
“وهو ما افترضناه موطناً أصلياً للعشيرة الإبراهيمية، ومن هذه القمم ينبع نهراُ دجلة والفرات، ويستديران غرباً فجنوباً إلى أن يصبا في الخليج العربي”(القمني،1996،57).
بعد أن سردنا أطروحة سيد القمني التي تستند إلى الرواية التوراتية لرحلة إبراهيم فضلاً عن اعتمادها النسخة العربية للتوراة التي يقول عنها المفكر فاضل الربيعي أنها في الغالب ملفقة، وتحتوي على 10 آلاف كلمة مزيفة عن النص العبري للتوراة إضافة إلى أنه يختلف معها بشأن جغرافية المكان إذ لا توجد أية علاقة بالأماكن الواردة في فلسطين، وأن الأحداث والوقائع التاريخية كانت قد حدثت في اليمن وعلى النحو الآتي:
يتبع























