جلجامش واختلاس لغز الزمن .. الملحمة تسترد صوتها

 

بغداد- الزمان

صدرت عن دار الرافدين في بغداد طبعة جديدة لكتاب الباحث والناقد سعيد الغانمي بعنوان “جلجامش واختلاس لغز الزمن”، وهو عمل نقدي ينقب في الطبقات السردية والرمزية لنصٍّ هو الأقدم في ذاكرة الأدب العالمي، حيث لا يكتفي المؤلف بقراءة الملحمة البابلية بوصفها سرداً بطولياً فحسب، بل بوصفها مفتاحاً لفهم تحول الزمن نفسه إلى لغزٍ، ومحاولة الثقافة القديمة لترويضه بالسرد والرمز.

ويسلط الكتاب ضوءاً كاشفاً على الجذور السومرية المتفرقة للحكايات البطولية الأولى، التي تعددت فيها الشخصيات وتنوعت البنى، ثم يتتبع المسار الذي دمج فيه البابليون تلك الحكايات في سردية واحدة، لتولد شخصية جلجامش كبطلٍ موحّد، وتولد معها فكرة “الملحمة” بوصفها جنسا أدبياً جديداً. فبينما كان السومريون يروون الحكايات الشفوية المتناثرة، جاء التدوين البابلي ليمنحها بنية واحدة، وبطلاً مركزياً، وزمناً تأسيسياً يُراد له أن يبقى.

ويوغل سعيد الغانمي في تحليل خصائص هذا النصّ العتيق، متتبعاً وظيفته الاجتماعية، وموقعه داخل النسيج الثقافي، وآليات أدائه الأولى حين كان يُروى على الألسن قبل أن يُدوّن على الألواح. ويشير إلى أن “الملحمة” لم تكن نصاً فنياً مجرداً، بل عملاً رمزيّاً أدّى وظيفة ثقافية ومعرفية في عصرها، واستبطن أسئلة تتجاوز السرد إلى قلق الإنسان على وجوده وحدوده، على الخلود والموت، على القوة والمعنى.

ويعيد الكتاب قراءة ملحمة جلجامش بوصفها وثيقة “وعي أول”، يحاول فيها الإنسان القديم أن يضع العالم في ترتيب قابل للفهم، وأن يختبر حدود جسده وزمنه ومعرفته. ويستثمر الكاتب مناهج معاصرة لتحليل النص، مستفيداً من تقاطعات علوم اللغة، والأنثروبولوجيا، والرمز، وتاريخ الأدب، ما يجعله نصاً أدبياً بامتياز، من دون أن يتخلى عن صرامة البحث الأكاديمي.

ويؤكد الغانمي أن الملحمة، كما يراها، لم تكن فقط ردّ فعل على حكايات متفرقة، بل كانت إنشاءً واعياً لأسئلة كبرى، بلغة كبرى، في لحظة شعور الإنسان بأن السرد هو السبيل الوحيد لاختلاس لغز الزمن.. أو تخفيف ثقله.