

مروان ياسين الدليمي
الأسماءُ…
أَخَذَتْ تَسْقُطُ مِنْ ذَاكِرَتِي
كَقِطَعِ غِيَارٍ صَدِئَةٍ،
أَبْحَثُ عَنْ وُجُوهِهَا:
فِي السُّوقِ الْمُزْدَحِمِ وَسْطَ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمَةِ
فِي اسْتِعْلَامَاتِ الْمُسْتَشْفَى
فِي زُجَاجِ الْمِصْعَدِ
كُلُّ الْوُجُوهِ تَخْتَلِطُ
كَإِعْلَانَاتٍ مُمَزَّقَةٍ عَلَى جِدَارٍ مَهْجُورٍ.
**
النَّوَافِذُ تَعْرِفُنِي
وَلَكِنْنِي لَا أَتَذَكَّرُ
أَيَّ الْقَصَائِدِ عَلَّقْتُهَا عَلَى حَوَافِّهَا فِي شِتَاءٍ بَعِيدٍ.
كَانَ لِي سَقْفٌ يُذَكِّرُنِي بِتَرْنِيمَةِ أُمِّي،
الآنَ تَكْتَفِي جُدْرَانُهُ
بِالتَّثَاؤُبِ تَحْتَ ضَوْءِ النِّيُونِ الْأَصْفَرِ،
وكَأَنْ لَمْ يَسْكُنْهَا أَحَدٌ قَبْلِي.

**
كُلَّمَا فَتَحْتُ الثَّلَّاجَةَ،
أَسْمَعُ أَصْوَاتًا تُشْبِهُ ضَجِيجَ الْمَقَاهِي:
الْجُبْنُ الْأَبْيَضُ لَا يَرُدُّ السَّلَامَ
الْعُلَبُ الْمَعْدَنِيَّةُ تَتَهَامَسُ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الذِّكْرَى
ثُمَّ تَصْمُتُ،
كَمَا لَوْ أَنَّ التَّارِيخَ يَذُوبُ بَيْنَ رَفَّيْنِ.
**
مِرْآةُ الحَمَّامِ
تَرَانِي كَزَائِرٍ لَا يَحْمِلُ وَجْهًا
يَمْسَحُ الْبُخَارَ عَنْ عَيْنَيْهِ
وَلَا يَجِدُ مَنْ كَانَ يَضْحَكُ هُنَاكَ…
رُبَّمَا أَنَا،
أَوْ شَبَحُ رَجُلٍ سِتِّينِيٍّ
نَسِيَ أَنْ يُطْفِئَ الضَّوْءَ قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ الحَيَّ.
**
الْمَدِينَةُ…
كِيسٌ بِلَاسْتِيكِيٌّ يَطِيرُ فِي شَارِعٍ مُزْدَحِمٍ
يَتَعَثَّرُ بِسَيَّارَةِ أُجْرَةٍ
يَرْتَطِمُ بِلَافِتَةٍ
ثُمَّ
يَنْحَشِرُ بَيْنَ غُصْنَيْنِ
كَذِكْرَى مُعَلَّقَةٍ
لَا أَحَدَ يَعْرِفُ لِمَنْ.
**
تَبْدُو الحَيَاةُ الْيَوْمَ
كَقِطَارٍ فَاتَنِي ذَاتَ مَسَاءٍ
حِينَ كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ وَلَّاعَةٍ
فِي قَاعِ الحَقِيبَةِ
وَامْتَدَّتْ لَحْظَتِي
فَأَصْبَحْتُ ظِلًّا فِي الْمَحَطَّةِ.
**
أَحْتَاجُ أَحْيَانًا
أَنْ أُجَرِّبَ كَلِمَاتِ مُرُورٍ قَدِيمَةٍ
فِي هَاتِفِي الَّذِي لَمْ يَعُدْ يَعْمَلُ
عَلَّنِي أَسْتَرْجِعُ دُخُولِيَ الأَوَّلَ إِلَى ذَاتِي
قَبْلَ أَنْ تُخَاطِبَنِي رَسَائِلُ البَرْمَجَةِ
بِأَنَّ “الْمُسْتَخْدِمَ غَيْرُ مَوْجُودٍ”.
**
عَلَى رَفِّ الحَمَّامِ،
أُنْبُوبُ مَعْجُونِ أَسْنَانٍ نِصْفُ فَارِغٍ
يُشْبِهُ رِسَالَةَ حُبٍّ لَمْ تُرْسَلْ
تَنْتَفِخُ مِنَ الْوَحْدَةِ
تُفْرِغُ نَفْسَهَا كُلَّ صَبَاحٍ
عَلَى فُرْشَاةٍ
لَا تَسْأَلْنِي عَنْ تَارِيخِ الْيَوْمِ.
**

أَحْذِيَتِي تَصْطَفُّ فِي الْمَمَرِّ
مِثْلَ جُنُودٍ بِلَا مَعْرَكَةٍ
كُلُّهَا مَشَتْ بِي إِلَى أَمَاكِنَ لَا أَذْكُرُهَا
أَوْ رُبَّمَا مَشَتْ وَحْدَهَا
وَأَنَا كُنْتُ مُجَرَّدَ فِكْرَةٍ
تُحَاوِلُ اللِّحَاقَ بِخُطًى تَتَبَخَّرُ.
**
كَأَنَّنِي أَعِيشُ فِي ذَاكِرَةِ هَاتِفٍ مَحْمُولٍ
تُمْتَلِئُ بِطَلَبَاتِ تَوْصِيلِ البِيتْزَا
وَلَا رِسَالَةَ وَاحِدَة
مِنْ ذَلِكَ الطِّفْلِ الَّذِي كُنْتُهُ
عِنْدَمَا وَعَدَنِي أَنَّهُ سَيَعُودُ حِينَ يَكْبُرُ
لِيَأْخُذَنِي إِلَى مَدِينَةِ الأَلْعَابِ.
**
فِي آخِرِ النَّهَارِ،
أُصْغِي لِصَوْتِ الْغَسَّالَةِ
دَوْرَتُهَا تُشْبِهُ حَيَاتِي:
تِكْرَارٌ، رَغْوَةٌ، اسْتِنْزَافٌ،
ثُمَّ صَفِيرٌ خَافِتٌ
يُعْلِنُ نِهَايَةً لَا أَحَدَ يَنْتَبِهُ لَهَا.
**
أُحَاوِلُ أَنْ أَكْتُبَ لَا لِأَتَذَكَّرَ،
بَلْ لِأَصْنَعَ ذَاكِرَةً بَدِيلَةً
مِنْ غُبَارِ الْمَصَابِيحِ
مِنْ رَقْمِ الْهَاتِفِ الَّذِي لَمْ يَعُدْ يَرِنُّ
مِنْ مَقْعَدِي فِي الْبَاصِ الَّذِي رَأَيْتُهُ يَمْضِي مُسْرِعًا
وَلَمْ أَرْفَعْ لَهُ يَدِي.
**
فِي الْمَدِينَةِ
كُلُّ شَيْءٍ يُشْبِهُنِي
حِينَ لَا يَعْرِفُنِي أَحَدٌ:
عَابِرٌ،
مُؤَقَّتٌ،
قَابِلٌ لِإِعَادَةِ التَّدْوِيرِ.
**
كَأَنَّنِي لَا أَعِيشُ،
بَلْ يُعَادُ بَثِّي فِي حَلْقَةٍ قَدِيمَةٍ
مِنْ مَسْلَسَلٍ لَمْ يُشَاهِدْهُ أَحَدٌ.
كُلُّ مَا فِيَّ مُحَاوَلَةٌ سَيِّئَةٌ لِتَقْلِيدِ شُعُورٍ كَانَ حَقِيقِيًّا
قَبْلَ أَنْ يَخْتَرِعُوا الْكَهْرَبَاءَ.
**
صُورَتِي فِي بِطَاقَةِ الْهُوِيَّةِ
تَبْدُو مَأْخُوذَةً مِنْ حُلُمِ شَخْصٍ آخَرَ،
رَجُلٌ يُشْبِهُنِي
لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ عُنْوَانِي
وَلَا تَجَاعِيدَ وَجْهِي
الَّتِي تُحَاوِلُ أَنْ تَتَهَجَّى أَسْمَاءً نَسِيتُهَا.
**
فِي دُرْجِ الْخِزَانَةِ،
عُلْبَةُ أَدْوِيَةٍ مُنْتَهِيَةُ الصَّلَاحِيَةِ
وَرَقَةُ إِرْشَادَاتِهَا تَشْرَحُ شَيْئًا يُشْبِهُ الْحَنِينَ:
خُذْهَا مَعَ وُجْبَةِ صَمْتٍ
وَلَا تُكَرِّرِ الجُرْعَةَ
إِنْ عَادَ الصَّوْتُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.
**
حِينَ يَنْقَطِعُ التَّيَّارُ الْكَهْرَبَائِيُّ،
أَحُسُّ بِالزَّمَنِ يَمْشِي حَافِيًا فِي الْبَيْتِ
يَطْرُقُ بَابَ الثَّلَّاجَةِ
يُفَتِّشُ فِي أَدْرَاجِ الثِّيَابِ
يَضْحَكُ حِينَ يَعْثُرُ عَلَى نَفْسِي مَلْفُوفَةٍ
بِكِيسٍ مِنَ النِّسْيَانِ مُحْكَمِ الإِغْلَاقِ.
**
كُلَّ مَسَاءٍ،
أُرَتِّبُ مَقْعَدِي أَمَامَ التِّلْفَازِ
كَمَا يُعِدُّ مُشَيِّعُونَ فِي بَاحَةِ الْمَسْجِدِ
جَنَازَةً صَغِيرَةً لِشَخْصٍ غَرِيبٍ
وَأَنْتَظِرُ نَشْرَةَ الْأَخْبَارِ،
لِأَرَى إِنْ كَانَتِ الْحَيَاةُ مَا تَزَالُ تَحْدُثُ
فِي مَكَانٍ مَا…
دُونَ أَنْ تُلَاحِظَ غِيَابِي.
**
الْمَاضِي؟
لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ قَدْ عَاشَ هُنَا فِعْلًا
أَمْ أَنَّنِي اسْتَأْجَرْتُ شَقَّتَهُ مِنْ بَعْدِهِ
وَمَا زِلْتُ أَدْفَعُ فَوَاتِيرَهُ.
**
كُلُّ الَّذِي تَبَقَّى مِنِّي الْآنَ
ظِلٌّ خَفِيفٌ يَتْبَعُنِي دَاخِلَ الْبَيْتِ
يَشْرَبُ الشَّايَ بِصَمْتٍ
يَضَعُ الْهَاتِفَ عَلَى الشَّحْنِ
كَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ مُكَالَمَةً أَخِيرَةً
مِنْ ذَاكِرَةٍ لَا تَمْلِكُ رَقْمِي.

**
السَّاعَةُ الْمُعَلَّقَةُ عَلَى الْجِدَارِ فِي الْمَطْبَخِ
لَمْ تَعُدْ تُشِيرُ إِلَى الْوَقْتِ،
أَجِدُهَا تَغُطُّ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ
كُلَّمَا مَرَرْتُ بِهَا.
**
هَلْ هُنَاكَ مَا يُسَمَّى “النِّسْيَانُ”؟
أَمْ أَنَّنِي بِبَسَاطَةٍ أَصْبَحْتُ شَفَّافًا
إِلَى حَدٍّ تَمُرُّ فِيهِ الذِّكْرَى مِنْ خِلَالِي وَلَا تَتَوَقَّفُ؟
كَأَنَّنِي بَابٌ لِبَيْتٍ لَا يُقْفَلُ،
لِأَنَّ لَا أَحَدَ يَنْتَظِرُ دَاخِلَهُ.























