
بغداد – الزمان
في مقال حمل عنوان “الروائي فاتح عبد السلام في المشغل السردي”، قدّم الكاتب علي حسين عبيد قراءة أدبية عميقة في تجربة الروائي والصحفي العراقي فاتح عبد السلام، مستدعياً صوراً من أعماله السردية، وعلى رأسها مجموعته القصصية “قطارات تصعد نحو السماء” التي تناولت تجارب المهاجرين بلغة وصفها بـ”الساطعة”، مؤكداً أن عبد السلام “يتعامل مع الكلمة وكأنها وطنه”، ومردفاً بتلك العبارة المأثورة: (عالمي هو الكتابة.. أنا خارج دفاتري أضيع).
المقال أثار ردود فعل واسعة في الوسط الثقافي العراقي، حيث استقبل مثقفون وكتّاب هذا الطرح بكثير من التقدير والاحتفاء، معتبرين إياه مساهمة جادة في إعادة تسليط الضوء على أحد أبرز الأصوات السردية العراقية المعاصرة.

ووصف الكاتب عباس خلف، فاتح عبدالسلام بـ”علامة فارقة في السردية العراقية”، مشيراً إلى أن جل أعماله “تشتغل على تثوير اللغة السردية لتشكل لنا انتحالات وصفية في عملية التغريب”، وهي عملية سردية تبتعد عن التطابق مع الواقع، لتحقن النص بحركية في الصورة.
وكتب الباحث والناقد حيدر عاشور الأبيدي أن هذا الطرح “يوثق لما لم يُقرأ لرواد القصة والرواية في العراق”، مشيداً بمجهودات الكاتبين بقوله: “دام الله توفيق إبداعكم أساتذتي الكبار”.

أما د. جبار ماجد البهادلي فقد وصف المقال بأنه “جهد رائع وكبير لا يُقدّر بثمن”، مضيفاً: “تحايا ومحبات كبيرة لجمال حضوركم البهي العاطر النبيل المتجدد إشراقاً وإضاءة”، وهو تعبير يشير إلى الحضور النقدي للمقال في المشهد السردي.
وفي تعليق معبّر، قال عقيل أبو غريب: “بكلمات مختزلة سلطتم الضوء على صاحب تجربة رائدة في السرد. بوركتم أصدقائي”، بينما كتب أجود مجبل: “أحييكم أصدقائي وأنتم تبتكرون هذا المشغل السردي الذي أضاف لنا معلومات وتفاصيل كثيرة عن السرد وأهله”، وكأنه يرى في المقال ورشة سردية تنبض بالحيوية.
زيد الشهيد علّق قائلاً: “يستمر مشغلكم السردي يؤرخ لمسار السرد العراقي؛ وفي نفس الوقت يؤرخ لحركة نقدية غير مسبوقة يتولاها روائيون متوهجون إبداعاً”، مؤكداً أن هذا الحراك يتم من “قمة جبل السرد العراقي الفعال”.
من جهته، عبّر السومري البابلي عن تقديره لما اعتبره “تناولاً أدبياً غاية في الروعة والجمال”، وقال إن المقال “زاد الحماس لدى متابعيكم لاكتشاف مبدعين من بلدهم”.
أما الإعلامي كفاح وتوت فكتب تعليقاً مباشراً: “دوام العطاء والتألق، بوركت جهودكم المباركة”، مضيفاً: “هذا الطرح لابد من حضور جمهور لتعم الفائدة”، في دعوة لأن يُترجم المقال إلى نشاط ثقافي أو ندوة.

واختتم الكاتب عبدالهادي البابي التعليقات بالإشارة إلى مكانة عبد السلام الصحفية، قائلاً: “الأستاذ فاتح عبدالسلام صحفي قدير ومن الكتّاب المرموقين في صحيفة الزمان، وله عمود مهم في الصفحة الأخيرة دائماً نستمتع بقراءته”.
والمقال إذن لم يكن مجرد قراءة نقدية، بل مرآة عاكسة لذاكرة سردية ووعي جمعي، نفضت الغبار عن اسم كبير في المشهد الأدبي العراقي، وحركت موجة من التفاعل الحيّ الذي أخرج المقال من صفحاته إلى فضاء المشاركة الوجدانية والنقدية.
نص مقال الكاتب والاديب علي حسين عبيد:
الروائي فاتح عبد السلام في المشغل السردي

علي حسين عبيد
يذكّرني فاتح عبد السلام، كلّما قرأت له رواية أو قصة جديدة، أو حتى سطورا من أقصوصة، أو جملة روائية من كتاباته، يذكّرني بذلك القول المعروف الذي أطلقه أحد الكتّاب قائلا: (عالمي هو الكتابة أنا خارج دفاتري أضيع ،، دفاتري وطني)، بالفعل أشعر بفاتح عبد السلام يتعامل مع الكلمة وكأنها وطنه، لمستُ ذلك في مجموعته القصصية (قطارات تصعد نحو السماء)، التي ضمت عشر قصص، تناولت تجارب المهاجرين بتلك اللغة الساطعة حيث تترك أثرها العميق في شعور القارئ، ولمستُ أيضا تلك الرصانة في سبكه للجملة القصصية والروائية.
أعضاء المشغل السردي.. الأدباء عباس خلف علي، إبراهيم سبتي، علي حسين عبيد، ناقشوا في هذه الجلسة الأسبوعية تجربة الأديب الإعلامي الدكتور (فاتح عبد السلام)، واستحضروا رحلته الطويلة مع السرد، وأبحروا في هذه التجربة المتفردة، كونها تعد من العلامات المائزة في سجل السرد العراقي، فالدكتور فاتح عبد السلام كاتب وروائي وقاص وصحفي عراقي ولد بمدينة الموصل، وتخرج من قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة الموصل، وعُيّن معيدًا بالكلية، ثم حصل على درجة الماجستير في الأدب العربي عن دراسة قدمها بعنوان (الشخصية الريفية في قصص يوسف ادريس)، ثم حصل على درجة الدكتوراه عن رسالة قدمها بعنوان (الحوار في الرواية العراقية). هكذا نلاحظ حتى ارتباطه علميا له وشائج عميقة مع السرد.

قال عنه الروائي إبراهيم سبتي: لازالت قصص الدكتور فاتح عبد السلام تضيء الذاكرة بجمالها، وخصوصيتها، ولا زلت أتذكر سهوله جملته القصصية عندما قرأت في الثمانينات مجموعته الشيخ نيوتن وأبناء عمومته التي أصدرها في سنة 1986.
ومن حسنات كتّاب السرد القدماء أنهم كانوا يتابعون بعضهم باهتمام ويناقشون تجاربهم بأمانة في مقالات وأمسيات رصينة، وكان الروائي القاص فاتح عبد السلام واحدا من أنشط الكتاب وله حضوره الخاص لاسيما في روايته المعروفة عندما يسخن ظهر الحوت والتي أصدرها سنة 1993. وأثارت ردود أفعال نقدية مهمة في حينها، وكان عبد السلام يهتم كثيرا في أسلوبه، ويسعى من خلاله للتميز عن سرديات أقرانه، كما لاحظت ذلك في مجموعته القصصية (حليب الثيران) التي صدرت سنة 1999 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، في الحقيقة لا يمكن تغطية التجربة الغنية لفاتح عبد السلام بهذه العجالة، ولكن ستكون لنا وقفة جادة مع أعماله القصصية والروائية في قادم الأيام.

الروائي عباس خلف تفاعل بعمق مع تجربة الدكتور فاتح عبد السلام، وأكد أن مشغلنا هذا معني بمثل هذه التجارب السردية ضمن المشهد القصصي العراقي والعربي، لاسيما أن تجربة عبد السلام مثيرة للاهتمام، ولعل العناوين التي تحملها الكتب السردية العائدة له، تُفصح عن علاقة عتيدة له مع اللغة ومع فن اختيار العنوان، كما لاحظنا في الصورة التي تخطف الأبصار لعنوان مجموعته القصصية (قطارات تصعد نحو السماء)، وما يوحي به من فنتازيا مشتبكة بقوة مع الواقع، ويستمر هذا الاجتراح الصادم للعناوين كما نلاحظ في روايته (عندما يسخن ظهر الحوت).
مجموعته القصصية الشيخ نيوتن وأبناء عمومته، تشي بقوة الصياغة للجملة السردية، وعمق المعنى وتستجلي الكثير من المواقف المؤثرة، وأجمل ما نجده في سرديات فاتح عبد السلام عبق الموصل وبيئتها وناسها الكرام، وقد برع الكاتب في رصد المشاعر الإنسانية المذهلة خاصة في المواقف المؤثرة لقصص قطارات تصعد نحو السماء وقصص حليب الثيران، مفصحا بذلك عن تجربة تغري القارئ بالغوص في أعماقها.
علي حسين عبيد له رحلة خاصة مع سرديات الدكتور فاتح عبد السلام، هكذا بدأ كلامه في جلسة المشغل النقدي، وقال، أفضل ما أبدأ به عندما أتناول تجربة الدكتور فاتح عبد السلام، لغته السردية التي لا تشبه غيرها وهذا يعني بأنه لم يتأثر حتى بأقرب التجارب له مثل تجربة محمود جنداري، إذا أن فاتح عبد السلام يختط له جملة سردية خاصة به، تجمع بين العمق والغموض المحبّب والوضوح اللذيذ، فيجعلك تعيد الجملة أكثر من مرة، كأنك لا تريد أن تغادر جمالية الصورة التي تصنعها الجمل السردية في ذهنك، لمستُ هذا في رواياته ومنها روايته (الطوفان الثاني) التي صدرت سنة 2020 عن الدار العربية للعلوم في بيروت.

كذلك عندي تجربة خاصة مع القصص العشر التي حملتها مجموعته الفذة (قطارات تصعد نحو السماء)، فقد كانت هذه القصص بارعة جدا في المشاهد التي قدمتها، وفي المواضيع التي تناولتها، وفي رسمها لما مرّ به المهاجرون واللاجئون وتلك العذابات التي رُسمت بصورة متشابكة من الواقع الحقيقي لها ومن المتخيَّل (الفانتازي)، الغرائبي المذهل الذي يضاعف من تأثير السرد ويجعله أكثر سطوعا وقوة.
ختاما، الروائي الدكتور فاتح عبد السلام تجربة سردية خلاقة متميزة، تعد بالقادم الكثير المتفرّد، ولمن يريد أن يقرأ نموذجا سرديا لعبد السلام، نتمنى عليه أن يذهب الآن إلى بعض قصص قطارات تصعد نحو السماء، لكي يسافر مع السرد العراقي إلى أجمل المحطات بالمفاجآت التي تقدمها له مفاجأة بعد أخرى……
من مؤلَّفات وكتب الدكتور فاتح عبد السلام المطبوعة:
– رواية حي لذكريات الطيور سنة 1986.
– قصص الشيخ نيوتن وأبناء عمومته سنة 1986.
– قصص حليب الثيران سنة 1999 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت.
له كتب نقدية صادرة أيضا:
– الحوار القصصي تقنياته وعلاقاته السردية، سنة 1999 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت.
– ترييف السرد خطاب الشخصية الريفية في الأدب سنة 2001 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت.
– الفكر مهنة صدر سنة 2004.
– العقل المختل – نقد الذات بين ١١ سبتمبر وحرب العراق سنة 2010.
– مجموعة قصص (عين لندن) صدرت سنة 2011 عن الدار العربية للعلوم ناشرون ببيروت. وثمة كتب أخرى عديدة بانتظار الطبع.























