
الموصل – الزمان
شهدت قاعة متحف الفنون التشكيلية بجامعة الموصل افتتاح معرض “نينوى بين الأثر والأثير”، الذي نظمه مختبر التشكيل المعاصر، وسط حضور أكاديمي وفني وثقافي واسع، وحفاوة لافتة عبّرت عن عطش المدينة لاستعادة صوتها الجمالي.
المعرض، الذي جاء ثمرة جهود متواصلة لمختبر التشكيل المعاصر منذ تأسيسه عام 2000، مثّل حدثًا فنيًا استثنائيًا لا يُقرأ فقط بوصفه تظاهرة تشكيلية، بل كحركة رمزية لاستعادة الذاكرة الجمعية للمدينة، وتثبيت حضورها الجمالي في وجه العنف والنسيان.
وبحضور الدكتور وحيد محمود الإبراهيمي، رئيس جامعة الموصل، ومجموعة من الأكاديميين والفنانين والمهتمين، امتلأت القاعة بروح لا تُشبه إلا نينوى ذاتها: جرح مفتوح على الأمل، وذاكرة تستحضر المستقبل من رحم الماضي، كأن المعرض لم يكن مجرد حدث ثقافي، بل طقسًا من طقوس الاسترجاع والتأمل والبحث في ماهية الإنسان حين يعيد تشكيل صورته من الجمال الى الجمال.
ومنذ تأسيسه في عام 2000، لم يكن “مختبر التشكيل المعاصر” مشروعًا عابرًا أو تظاهرة وقتية، بل كان مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، حمل على عاتقه مهمة إعادة تعريف الفن في بيئة مفعمة بالطموح والأمل، وجعل من اللوحة حوارًا مفتوحًا بين الزمن والكينونة، بين المدينة وجدرانها، وبين الماضي حين يُستدعى لا كنوستالجيا عاطفية، بل كركيزة فكرية لما هو آتٍ.

لقد انطلقت الرؤية الأولى للمختبر في معرضه التأسيسي عام 2001، بمشاركة أربعة عشر فنانًا من روّاد المشهد التشكيلي الموصلي: أحمد العزاوي، فارس الراوي، حكم الكاتب، حازم صالح، علي حميد، هشام الطائي، أحمد الصوفي، محمود سالم، نشوان العيسى، محمد ذنون، أحمد مزاحم، ديلان عابدين، عمر طلال، وسعود قيس. هؤلاء الفنانون لم يأتوا بلوحاتهم فقط، بل بأرواحهم، وأحلامهم، ووعيهم العميق بأن المدينة لا تُرمَّم بالحجارة وحدها، بل تُرمَّم أيضًا باللون، وبالمجاز، وبما تبقّى في المخيلة من صور لم تُحرقها الحرب.
وبعد أكثر من عقدين، يعود المختبر ليُقدّم معرضه الجديد بروح متجددة، متجاوزًا فكرة الاستذكار إلى إعادة إنتاج المعنى، بمشاركة 34 فنانًا من مختلف مناطق محافظة نينوى، عكست أعمالهم تنوع المدارس والأساليب، واحتشدت القاعة بنتاجات في الرسم، والخط، والنحت، لتصوغ سيمفونية بصرية تمتح من التراث دون أن تتكلّس فيه، وتُحاكي الحداثة دون أن تذوب في سطحها.

الفنانون المشاركون هم:
إبراهيم الأغا، عبد الجبار الشعباني، رعد الحسيني، سبهان الغبشة، مروان فتحي، عمر قيس، حلا مصطفى، أوس دبدوب، أزهار رمزي، نور خليف، ألوان خليف، عمر السويدي، أسماء الطائي، ميادة العطار، مائدة طارق، غصون رمزي، عارف النجار، عمار سعد الله، علاء سالم، محمد تحسين، حسن السلامي، إيناس البيرقدار، شيماء القره غولي، زينب علي، أدهم الطائي، ميادة مسعود، عمر الجبوري، ومدين الحالي.
ما ميّز هذا المعرض، وما جعله علامة فارقة في الذاكرة الثقافية للمدينة، ليس فقط عدد المشاركين ولا تعددية التجارب، بل التحوّل الذي بدا واضحًا في لغة التعبير؛ إذ لم تعد اللوحة وثيقة ساكنة أو استنساخًا لصورة ماضية، بل غدت حقلًا من الأسئلة، ومن التأمل، ومن الاشتباك مع الراهن في محاولة لتفكيكه، وإعادة بنائه داخل إطار بصري يوازن بين التجريب والانتماء.

لقد أصاب المعرض وتراً عميقًا في وجدان الجمهور، وترك أثرًا لا يُمحى في عيون المتلقين، الذين طالما أنهكهم البحث عن أفق فني يُعبّر عنهم بصدق، ويليق بمخزونهم المعرفي والحضاري، ويعيد لهم ذلك البريق الذي ورثوه من أجدادهم السومريين والآشوريين، أولئك الذين نحتوا المعنى في الطين، وجعلوا من الجدران ألواحًا تخلّد الحكاية. آلاف السنين تفصل بيننا وبينهم، لكن الفن اليوم أعاد مدّ الجسر، لا بوصفه حنينًا إلى الماضي فحسب، بل بوصفه قراءة جديدة له، وهضمًا ناضجًا لمضامينه، وترجمة حديثة لروحه في ضوء الحاضر.
لقد كسر الفنانون المشاركون أنماط الجمود والأساليب المكرّسة، واستطاعوا، عبر تجاربهم العميقة، أن يقدّموا تصوّرات معاصرة تنبض بالانفعال الإنساني، وبالموقف من الحياة، فبدت أعمالهم كأنها تنفّست من مختبر التشكيل المعاصر رؤى جديدة وخطى واعية، تستحق أن تُرفع باسم نينوى في المحافل الفنية العالمية، لا بوصفها تمثيلاً محليًا، بل بوصفها تجربة إنسانية مكتملة، تقف جنبًا إلى جنب مع التيارات الكبرى في الفن المعاصر العالمي.

هنا، لم يكن الفن ترفًا بصريًا، ولا استعراضًا تقنيًا، بل ضرورة وجودية، تتوسل اللون لتقول ما عجز عنه الكلام، وتتخذ من الفراغ مسرحًا لملء ما فرغ من الذاكرة. إن كل عمل فني عُرض هنا، كان أشبه برسالة مشفّرة، نُسجت بخيوط من الحنين والمقاومة والحلم، لتقول: إن الموصل لم تمت، وإن نينوى ما زالت تصنع المعنى، وتعيد بناء صورها، لا من الأنقاض، بل من طاقة لا تُقهر على الانبعاث.
























