حسين نهابة.. القصيدة بوصفها محاولة للحياة

291

حسين نهابة.. القصيدة بوصفها محاولة للحياة

فكرة الخلاص تؤرق الشاعر

علي حسن الفواز

تضع القصيدة شاعرها امام لعبة اللغة، وأمام سوانح الحياة، وإذ تحمل هذه القصيدة غواية الشاعر – في هذه اللعبة- فأنها تنطلق لتلامس هواجس الجسد والفكرة، وتبحث عن اللذة، وتبحث عن الإشباع .. تبحث عن الوجود والمعنى، مثلما تبحث عن الغياب والمتاهة وإستدعاء المحبوب كما عند الصوفيين..

قصائد الشاعر (حسين نهابة) في مجموعته الشعرية (تجليات عطشى) محاولات في البحث عن ما يمكن ان تفيض به اللغة الشفيفة، وما يمكن ان تثيره من رغائب، وما تدفع اليه من وجد وشغف ولذة، وإنشداد الى روح المعنى اكثر من الاختباء خلف الشكل المانع والملغز..

عتبة العنوان تدعو الى استكناه ما يمكن ان تحرضه على القراءة، فالتجليات هي كشوفات لا تقوم الا على إستعارة ، وال( عطشى) هي توكيد لفكرة دالة ، تعني تحفيزا للبحث عن فعل الإرتواء ، وهذا الفعل تقوم به اللغة بوصفها بيت والاستعارات والمجازات ، وبيت المعنى والدلالة

مساحات عميقة

يكتب حسين نهابة القصيدة من عتبة لذته، اذ تقوده اللذة الى التوغل في مساحات عميقة ، يبحث من خلالها عن وجه اخر للوجود الذي يبادله الإطمئنان ، وهذا الوجه الافتراضي لايشكل الا بوصفه مجموعة من الصور الأليفة، ومجموعة من الاستعارات، تلك التي يستحضر عبرها التعويذة، والمرأة، والذات، او يحاول ان يستدرج تلك الاستعارة اللغوية لان تكون هي استعارته الشخصية، سؤاله اليومي، صورته الخبيئة في المرآة، روحه اللائبة الباحثة عن الأمان عبر اللغة، مقابل ما تفقده في الواقع بسبب يومياتها القلق والحزن والصمت والغياب والفقد..

تذبحني المساءات الصامتة

الليل فيها قتيل

ينسكب دمه الأسود على سرتي

وينعب بوم الوحشية

في خرائب سنيني

ان لا رحمة لك أيها الطريد

ألتف بثوب التوبة

أواري عنك وجهي…

قصائد نهابة تتكئ على الجملة القصيرة والمكثفة، وتوحي عبر هذه الكثافة برغبة الشاعر في توليد مجموعة من الرسائل/ الإيحاءات ، والتي تهجس بقلقه أولا، فضلا عن تهجيس ببحثه عن وجه اخر للمعنى ثانياً، هذا المعنى الذي يتجوهر حول الفكرة الفلسفية للعطش، وبما يجعل من لعبة البحث إندفاعاً نحو الحياة والإرتواء، والتلذذ بكل تهبه من حمولات رمزية وجمالية، حد ان القصيدة تتلبس قناع الأنثى، تلك التي يتوق اليها، ويخف عند رائحتها وأنوثتها وسحرها مسكونا بالنداء وبالغواية، وكاشفا عن عطشه الداخلي، وكأن فكرة الأنثى او معادلها الشعري هي الماء، او هي التطهير والإنقاذ، وبما يسبغ على القصيدة تلوينات تقترب من كتابة المزاج الشخصي، او مايشبه الاعتراف،

او حتى استدعاء الأنثى الى السرير او الجسد او المكان او العمر بوصفها قوة متعالية للانقاذ، لترميم الجسد عبر شفرة اللغة، وعبر شحن الحلم بفعل الخلود، او عبر شفرة الأسطورة ..

كم أحتاجك الان

ليتك تقتربين اكثر

أحتاجك لو كنت الخسف

ولو كنت الطوفان

أحتاجك حتى لو كنت النار

لو يحترق سعفي ويصير فحما

لا يصلح الا لرسم غمازتيك

وكتابة اسمك…

قصائد المجموعة

ثيمة التطهير تكاد تكون هي الأكثر حضوراً في قصائد المجموعة، والشاعر اذ ينشدها، اعتراف المرأة، والرغبة في إستدعاء المحبوب، بدلالاته الصوفية والإنسية، وبوصفه المخلص والإشباعي، والواهب لفكرة الري والاكتمال، وهذا بطبيعة الحال يستدعي نوعاً من الجملة الغنائية، تلك التي تستند الى ماهو إيقاعي بالمعنى الغنائي للايقاع، واشاري بالمعنى القصدي للإشارة، تلك التي تستدعي الفكرة الشعرية الى وعي الشاعر، ولتكون وسيلته في الرؤيا، وفِي كشف وفِي الاعتراف، وفِي البحث عن ماهو غائب في اللذة التي تمثلها المرأة الغائبة او المستعادة..التزاوج مابين الايقاع والاشارة يضع الشاعر امام خيارات محدودة لتوظيف الجملة المكثفة والبسيطة، والصورة المكثفة والواضحة، والتي تلقي بظلالها على اغلب قصائد المجموعة، اذ يسعى الشاعر الى محاولة تحميل الجملة الكثير من الإيحاءات، وبما يعطي لها مذاق من يقرأ رسائل العشق، او رسائل مدونة في دفتر الذكريات، تلك التي نشمّ من خلالها رائحة الحبيبة الغائبة..

حين التقيتك عرفت

حين التقيتك عرفت

ان جدي كان مسكينا

لو عاش عهدك

لقال فيك أشياء كثيرة

انني احبك

اعرف انك لن يكفيك ان أقول هذا

فامرأة مثلك

لا يسعفني في حضرتها الكلام

لكني رجل تنازل عن مجده

واتخذ من عتبة بابك عرشا…

حسين نهابة يكتب قصيدة المزاج، وقصيدة الاستدعاء، لانه يجد فيها مجسه الشخصي للتلمس، وللتوغل ولإدراك ما يحمله المحبوب من اشباعات، ومن علامات، تلك التي توهبه نوعا من الحافز للبحث عن صورته السائلة في الفكرة والمرآة، مثلما تكون حافزه أيضا لان يمارس اعترافه، وان يتوق عبر ما تتيحه اللغة لا ستكناه فكرة الخلاص التي تؤرقه دائما…

مشاركة